الاتحاد

دنيا

التواضع «تربية»

على غير العادة رأيت الناس تنساب في اتجاه واحد بملابسها الأنيقة، والتي يغلب عليها السواد في مثل هذه المناسبات، لم يكن اسوداداً للتشاؤم ولا للحزن، وإنما سواد الفخامة، كما يطلق عليه دائماً: الأسود ملك الألوان، انساب الجميع وتدفقت معهم أسابق خطواتهم، أخذت مكاني بين المتسابقين وانسل جسدي باحثاً عن مكان وسط الزحمة.
على غير العادة كانت صفوف الناس تمتد أمتاراً، تساوت فيها الفئات العمرية والمستويات الفكرية من عشاق الفن، الكل ينوي اكتشاف ما تم الحديث عنه، متسابقون يمثلون نخبة المهتمين والمولعين بمثل هذه الموسيقى.
يومها تجلى مسرح قصر الإمارات حين عزفت أوركسترا «العالم لأجل السلام» لجماهير غفيرة غصت بها جنبات المسرح، فلأول مرة في العالم العربي يقام هذا الحفل، هذه الأوركسترا تضم أكثر من 70 عازفا من أكثر من ثلاثين بلداً، يمثلون أكثر من 30 دولة، تم انتقاؤهم من أكثر من 62 فرقة أوركسترا مميّزة حول العالم، والأوركسترا حاصلة على لقب «سفير اليونسكو لأجل السلام» أما الحفل نظمته مؤسسة مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون.
وأنا أبحث عن موقعي في الصف الطويل، سمعت صوتا خافتا يَصِلني بمن ورائي، كان صوتاً نسائياً اختار الحديث بالإنجليزية، فضولي دفعني للاستدارة خلفي ومعرفة من يتحدث بهذه الطلاقة، كانت شخصية مرموقة في المجتمع، وقلت: لماذا تصطف معنا وهي التي بإشارة واحدة تأتيها تذكرة الحفل إلى حيث هي، بل الكثير منها؟
زحف الصف إلى الأمام رويداً رويداً، ساد الناس الملل، لكنها هي لم تتحرك من مكانها وظلت تتبع خطوات من وقفوا قبلها، حتى ظهر أحد مسؤولي الحفل، مشت نحوه بكل تواضع، قالت له: «جماعتي كلهم عندهم تذاكر للحفل، أما أنا فلم أحصل عليها بعد»، وتساءلت في استحياء: كيف أحصل عليها؟ وتوارت عن الأنظار، بحثت عنها عيناي، لكن لم تلمحها إلا عند بداية الحفل، حين دخلت مع الشخصيات الهامة إلى الحفل، الذين تعلن الانطلاقة بتشريفهم دائما.
تصرف راق ينم عن تواضع، رغم نفوذها واسمها الذي يمكن أن يفتح لها كل الأبواب، لكنها فضلت أن تكون كعامة عشاق الفن، تأخذ مكانها في الصفوف وتبحث عن تذكرة دخول، إنها الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة التجارة الخارجية، التي أظهرت رقيّاً في تصرفاتها وتواضعاً في تعاملها مع الغير.
هناك كثير من الناس يتعاملون رغم صغر شأنهم بكثير من العنجهية والتعالي، يتفاخرون في كل حين وفي كل مناسبة، وحتى دون مناسبة، يحضرون الحفلات فقط لأجل إظهار ما يكنزون من ذهب وألماس، ولا يرتادون الحفلات إلا لبسط الرفاهية وتبيان تقلبهم في النعم، أما حديثهم فلا يدور إلا حول الماركات ومصادرها من مختلف الأقطار، وعيونهم تحصي كل من لا يتوافق مع ميولهم المظهري.


لكبيرة التونسي | lakbira.to nsi@admedia.ae

اقرأ أيضا