الاتحاد

دنيا

«مع الأمل التطوعي».. الفن همزة وصل بين المرضى والمجتمع

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

رحلتهم الاستكشافية إلى بعض البلدان للاطلاع على تجاربهم في التعامل مع القضايا الإنسانية من خلال جمعيات النفع العام، ومطالعتهم لأحد الكتب جعلتهم يعزمون على تأسيس «فريق مع الأمل التطوعي» لمساعدة المرضى الذين يعانون الأمراض العقلية والنفسية المقيمين في المستشفيات، وتسليط الضوء على معاناتهم وأحلامهم ورغباتهم، مخصصين لهم برامج إنسانية واجتماعية وثقافية، تروم نشر الأمل وتحسين حياتهم ودمجهم في المجتمع عن طريق الفن.
المشاركون في الفريق تبنوا قضايا إنسانية صحية وتثقيفية بهدف مساعدة المرضى النفسيين المقيمين في المستشفيات للتخفيف من معاناتها عبر طريق أعمالهم الإبداعية، حيث يؤمن الفريق أن التطوع ينمي المجتمعات ويغرس بذور الخير، ويساعد على نفع الناس، مؤكدين أنهم يعملون طوال العام، بينما يمثل لهم رمضان شهر الخير والعطاء والترابط الاجتماعي، وفرصة لإضفاء السعادة على هذه الفئة، حيث يزيد نشاطهم خلال هذا الشهر العظيم لما له من خصوصية في نفوس الجميع.

حملات توعوية
ويعمل الفريق الذي انطلق من دبي، وفق خطة لتسليط الضوء على فئة المرضى النفسيين والعقليين في محاولة جادة لإعادة إدماجهم في المجتمع، حيث تتمثل رسالتهم في تعزيز ثقافة الصحة النفسية في مجتمع دولة الإمارات من خلال الأعمال التطوعية والحملات التوعوية.
الفريق يتكون من ريم حنتوش، وعليا لوتاه، وفاطمة موسى، وراما حسام الدين، وسارة السويدي، ونورة السعيد، وشما العامري، وأحمد الزرعوني وناصر البدور.. بالإضافة إلى فاطمة موسى التي قالت إن مبادرتهم الإنسانية تعنى بفئة ذوي الأمراض النفسية والعقلية وأطلقتها في البداية مجموعة من البنات جمعهن حب التطوع، وخدمة المجتمع، وحب الخير، ومد يد المساعدة لنفع الناس والمجتمع، فيما التحق بالمبادرة مجموعة أخرى من الرجال الذين أبدوا رغبة كبيرة للانضمام لهذا الفريق للعمل على تحقيق أهداف الفريق في المجتمع الإماراتي، مؤكدة أن فكرة هذه المجموعة بدأت عندما زارت 13 فتاة تايلاند في إطار رحلة للتعرف إلى جمعيات ذات النفع العام والعاملة في العديد من المجالات الصحية والحقوقية والإنسانية والثقافية، بحيث اطلعوا على نشاط أكثر من 15 جمعية.
وتعززت الفكرة بعد أن قرأت المجموعة كتاب «كيف تغير العالم؟» الذي يتحدث في جزء منه عن تجربة أم ترفض أن تدخل ولدها المريض نفسياً أحد المصحات المختصة بعلاج حالته، وتبتكر الكثير من الأساليب لتبقي ابنها في البيت إلى جانبها، مؤمنة أن إبعاده عن محيطه وأسرته يفاقم حالته النفسية مفضلة علاجه بين أهله فقط، ومن هنا بدأت المجموعة تفكر في كيفية لإسعاد فئة المرضى، الذين يواجهون تحديات عقلية ونفسية لتسليط الضوء على احتياجاتها وإخراجها إلى النور وإعادة دمجها في المجتمع والإسهام في مساعدتها وفك العزلة الاجتماعية عنهم والنظرة الدونية التي يعانونها، وتعمل على إقصائهم من الحياة تدريجياً.

زيارة الأمل
وبعد أن نضجت الفكرة، وقرر الفريق القيام بعمل خيري يندرج ضمن مسؤوليتهم الاجتماعية فكروا في هذه الفئة، فقام أحد مؤسسي فريق مع الأمل التطوعي بزيارة لمستشفى الأمل في دبي، واستفسر عن إمكانية تقديم المساعدة لفائدة الأفراد الذين يواجهون تحديات من الناحية النفسية، ورافق هذه الزيارة بالورد والشوكولاتة كخطوة للترفيه عن هذه الفئة.. لكن أحد الأطباء المشرفين على هذه الفئة، قال إن هؤلاء لا يحتاجون للورد أو الهدايا، بقدر ما هم في أمسّ الحاجة إلى الالتفات إليهم والعمل على إعادة إدماجهم في المجتمع ومساعدتهم على إبراز مواهبهم والتخفيف عما يختلج صدورهم ومساعدتهم على البوح عبر أي وسيلة من الوسائل، وبالتدريج تطورت الفكرة واقترحت إحدى العضوات المتخصصة في العلاج بالفن، وهي شما العامري أن تنظم بعض الورش الفنية لهؤلاء للإسهام في الترفيه عنهم وعلاجهم في الوقت نفسه.
وتقول فاطمة موسى: بالفعل بدأنا تنظيم الورش بالتنسيق مع المستشفى وإشراف طبيبة نفسية، وتوسعت المجموعة التي أصبحت تستقطب المتطوعين، الذين أصبحوا يقودون جلسات العلاج الفني المصممة للمرضى في مستشفى الأمل، إلى جانب تقديم خدمات تطوعية أخرى، وهكذا كانت بداية مجموعة «مع الأمل التطوعية»، وكان هذا هو الفصل الأول في قصتنا، وأصبحت زياراتنا أكثر تواتراً إلى مستشفى الأمل، وبعد عام من ذلك، أصبح فريقنا أكثر قوة، حيث لم يركز فقط على المرضى، ولكن أيضاً على المجتمع، وتحولت رؤيتنا لتشمل أيضاً بناء مجتمع واعٍ بقضية هذه الفئة المتمثلة في الأشخاص الذين يعانون تحديات الصحة العقلية.

الوعي المجتمعي

ويعقد المتطوعون ورش عمل عدة نصف أسبوعية للمرضى في مستشفى الأمل منذ عام 2015، تتنوع بين الرسم والنحت والكتابة والتصوير الفوتوغرافي، لتشمل تغطية الأنشطة والمهارات الأخرى، لجعل هذه الورش منفذاً بديلاً للمرضى للتعبير عن أفكارهم وعواطفهم بطريقة ممتعة وغير تقليدية، كما وفرت المجموعة للمرضى فرصة للتفاعل والاختلاط خارج جدولهم الروتيني، مما عزز معنوياتهم وزاد ثقتهم في أنفسهم.

تحديات عائلية
كما تنوعت الأنشطة وشملت مجالات أخرى إلى جانب الفن، كان من بينها تنظيم غذاء خيري لفائدة نزلاء مستشفى الأمل من المرضى الذين يوجهون تحديات نفسية، والعديد من الورش الأخرى، لكن فريق العمل كان يواجه في المقابل تحديات من نوع آخر، متمثلة في اعتراض الأهل على هذا النوع من التطوع خوفاً عليهم، وفي هذا الصدد تقول فاطمة موسى إن إيمان المجموعة بما تقوم به، وتقديراً لحاجة هذه الفئة، وإصرارها على إيصال صوتهم للمجتمع، قررت مجموعة مع الأمل مواصلة التحدي، حتى توسعت وبدأت تستقطب مجموعة من الكوادر الرجال بعد أن كانت تقتصر على النساء.
وعن خصوصية هؤلاء المرضى الذين يساعدونهم على البوح والتنفيس عن أنفسهم وتحقيق السعادة لهم عن طريق الفن، تشير فاطمة موسى إلى أن الفريق في البداية كان يتعامل مع الرجال والنساء من المرضى النفسيين، لكن نظراً لصعوبة التعامل مع الذكور اقتصر على مساعدة النساء خاصة ذوات الأمراض النفسية الخفيفة والمتوسطة.

تغيير نظرة المجتمع
ولمس الفريق الحاجة الكبيرة لإدماج هؤلاء في المجتمع وتغيير النظرة اللصيقة بهذه الفئة رغم تعافيهم، بحيث يواجهون الرفض، ناهيك عن أن بعض الأسر تخفي هذا النوع من المرضى في البيت وتمنعهم من الظهور في المجتمع، مما جعل المجموعة تبحث سبل تعزيز التوعية في المجتمع، ففكروا في الفن كهمزة وصل بين المرضى والمجتمع ورسالة ناطقة تشرح رغبات هؤلاء وأمانيهم وهواجسهم أيضاً، حيث تؤكد فاطمة موسى السعي إلى تغيير فكرة المجتمع عن هذه الفئة، وإمكانهم العمل والاندماج بشكل طبيعي، ومحو النظرة التي تجعل من هؤلاء فئة مقصية، ما يؤثر على حياتها الأسرية والعائلية والعملية، وهكذا رأت أن الفن هو أفضل وسيلة للحديث عنهم، بحيث أخرج الفريق أعمالهم للمجتمع، وأوجد لغة تتحدث بها عن هذه الفئة.

اقرأ أيضا