الاتحاد

تقارير

ريو دي جانيرو: الأولمبياد ومعضلة الأمن

عندما وقع الاختيار على مدينة "ريو دي جانيرو" مطلع الشهر الجاري لاستضافة الألعاب الأولمبية للعام 2016 ، بدا الأمر وكأنه بداية جديدة لإحدى أكثر المدن حيوية في العالم وأشدها عنفاً في نفس الوقت. فوز المدينة بتنظيم الأولمبياد، أسعد البرازيليين، لكنه وضعهم أمام تحديات جديدة، تتعلق بمعالجة كثير من المشكلات الموجودة في البلاد.
فقد أثارت أحداث العنف الأخيرة والمعارك التي اندلعت بين العصابات في الأحياء الفقيرة وتمددها إلى الشوارع التي تبعد بأميال قليلة فقط عن مكان انعقاد الألعاب مخاوف المسؤولين من قدرة الرسميين على احتواء العنف وتأمين السير العادي للتظاهرة العالمية التي ستحتضنها المدينة.
ففي يوم السبت الماضي قُتل خلال المعارك 12 شخصاً على الأقل بمن فيهم شرطيان لقيا حتفهما عندما أسقطت مروحيتهما أثناء عملية تدخل لوقف تبادل إطلاق النار كان قد اندلع بين أفراد العصابات في أحد الأحياء الهامشية بالعاصمة، بل امتد العنف ليوم الأحد عندما قُتل شخصان أثناء اشتباكهما مع رجال الشرطة. هذا بالطبع يترك انطباعات سيئة لا يريد البرازيليون ترسيخها في الأذهان.
وتدرك السلطات في ريو دي جانيرو أهمية تحسين الأمن وخفض الجريمة والعنف، لا سيما وأن شعلة الألعاب الأولمبية تضيء المدينة، وهو ما حدا بالمسؤولين إلى تبني موقف دفاعي عبر عنه حاكم منطقة ريو "سيرجيو كابرال" قائلا "لقد أخبرنا اللجنة الأولمبية الدولية بأن الأمر ليس سهلا فيما يتعلق بتحسين الأمن وهم يعرفون ذلك، فنحن لا نريد فقط الاستعداد للأيام الخاصة لأننا نستطيع نشر أكثر من 40 ألف رجل شرطة وجندي في الشوارع، نحن أطلعنا اللجنة أن ما نريده هو الوصول إلى مرحلة من الأمن والسلام في المدينة سواء قبل أو أثناء التظاهرة الرياضية، أو حتى بعدها"، وبعبارة أخرى تهدف السلطات إلى ترسيخ مفهوم الأمن في مدينة ريو دي جانيرو والارتقاء بمستوى الخدمات الأمنية، كي تزيل بعض المثالب التي تظهر بين الفينة والأخرى.
ومع أن الرئيس البرازيلي "لولا دا سيلفا" تباهى أنه بحلول العام 2016 ستكون البرازيل دولة أخرى مختلفة، وبأن الأحياء الفقيرة التي تحيط بالعاصمة ريو دي جانيرو سيتحسن وضع سكانها، وسيحظون بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها باقي المواطنين في الأحياء الأخرى، فضلاً عن إدخال الخدمات الأساسية من ماء صالح للشرب، ومد قنوات الصرف الصحي وغيرها.
إلا أن القليل من المواطنين يعتقدون بأن الحياة ستتغير فعلًا في الأحياء العشوائية، وهذا ما تطمح فيه السلطات، ويتمناه سكان تلمك المناطق التي تحتاج إلي جهود مضنية لاحتواء كثير من مشكلاتها المزمنة.
وفي هذا السياق يقول "توم فيليبس"، منتج فيلم "الرقص مع الشيطان" الذي يصور الحياة في الأحياء الفقيرة والعلاقة بين الشرطة وتجار المخدرات "لقد عملت على الفيلم الوثائقي لأكثر من خمس سنوات، وأمضيت وقتاً طويلاً مع أفراد العصابات، ولم أرَ أي تغيير منذ الوقت، وما لم تدخل الشرطة إلى تلك الأحياء وتستقر بين سكانها فلا شيء سيتغير في المستقبل وستبقى الأوضاع الأمنية في تدهور مستمر".
وإذا كان رسو قرعة الأولمبياد على ريو دي جانيرو، حقق آمال البرازيليين في البروز أكثر وأكثر على الساحة العالمية، فإنه رغم الجهود التي تبذلها الحكومة لفرض الأمن في الأحياء العشوائية المحيطة بالعاصمة لم تحقق تلك الجهود النتائج المتوقعة، حيث قامت الحكومة مؤخراً بنشر عدد كبير من قوات الأمن بالقرب من السكان في الأحياء الخطيرة التي تعاني من مشكلات أمنية، وأقامت لهم مراكز داخل المناطق المضطربة بهدف تعزيز الثقة في رجال الشرطة وإضفاء المصداقية على جهودهم الرامية للحد من هذه الجرائم، لكن مع ذلك لا يعرف أحد إلى متى ستستمر تلك الجهود، لا سيما في ظل المحاولات السابقة المتعثرة.
فقد توالت في مرات سابقة شكاوى المواطنين من تحرشات الشرطة وتجاوزاتها، فضلاً عن التواطؤ أحياناً بين بعض أفرادها وعناصر العصابات مقابل حصولهم على رشاوى، وفي إحدى المرات تم سحب 70 في المئة من رجال الشرطة في أحد الأحياء الهامشية، بعدما كشفت التحقيقات تورطهم في أعمال منافية للقانون لينهار المشروع وتنزلق الأحياء الفقيرة في دوامة العنف مجدداً، وهذا ما لا يريده البرازيليون الطامحون في تجهيز بلادهم لاستضافة حدث رياضي عالمي بحجم الأولمبياد.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريسيتان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا