الاتحاد

ألوان

فرق شعبية تُبدع لوحات فلكلورية وتتغنى بالموروث

من عروض إحدى الفرق العالمية بـ«زايد التراثي» (تصوير: شادي ملكاوي)

من عروض إحدى الفرق العالمية بـ«زايد التراثي» (تصوير: شادي ملكاوي)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

ساحة عالمية لعرض ألوان الفنون الشعبية القادمة من الشرق والغرب.. هكذا تحول مهرجان الشيخ زايد التراثي في منطقة الوثبة منذ انطلاقه في الأول من ديسمبر الماضي، عبر زخم هائل من العروض الفنية والكرنفالات الشعبية المقامة يومياً وشاركت فيها أعداد كبيرة من فرق الدول المشاركة في فاعليات المهرجان، حيث يطالع الزائر أعضاء الفرق المختلفة متوشحين بأرديتهم ذات الألوان الجذابة ليعبر كل منهم عن جانب مهم من الموروث الشعبي الخاص بدولته مصحوباً بأداءات موسيقية وكلمات شعرية مستوحاة من الإرث الثقافي لتلك البلدان، زاد من ألقها الإقبال الجماهيري الكبير على متابعة تلك الاستعراضات الفنية اليومية التي شهدتها ساحات الحدث التراثي الأضخم في المنطقة، وجعلت منه ملتقى لثقافات وفنون الشرق والغرب على أرض العاصمة أبوظبي.

هذه الحالة الكرنفالية التي شهدها المهرجان مزجت بين الفن الشعبي الخليجي، والآسيوي، والأفريقي والأوروبي، فكانت أيامه ولياليه حافلة بأجواء مبهجة أسعدت الجميع صغاراً وكباراً بأعداد كبيرة توافدت على فعاليات مهرجان الشيخ زايد لمطالعة لآلئ التراث العالمي التي غزلت ألوانُه الفنية الجميلة لوحات فلكلورية عالية المستوى.
ويقول، سالم يسلم المحيور، عازف مزمار في الفرقة اليمنية للفنون الشعبية والتي تتكون من 9 أفراد تنافسوا في إبراز أجمل ما لديهم من عروض لجمهور المهرجان منذ أيامه الأولى، عبر أنماط من الفنون الشعبية الموسيقية تنتمي إلى كل مناطق اليمن، والتي يطلق على كل منها «شرح» وهي اللون الفني، ومن صنوف هذا الشرح: الحضرمي، والمثلوث، والعدة، والغية، والصناعني، والعدني، وأهازيج سكان المناطق الساحلية، موضحاً أن الفارق بين كل شرح من هذه الشروح هو حركة الإيقاع سواء بالإسراع أو الإبطاء وكذا نوعية الآلات المستخدمة، ومنها المزمار، «الهاير» وتعني الطبلة بلهجة أهل اليمن، و«المرواس» وهو آلة إيقاعية صغيرة الحجم تتكون من أسطوانة خشبية مجوفة قطرها 15 سم، ويشد عليها من الناحيتين قطعتين جلديتين يطلق عليها (الرقمة) ويتم الشد بوساطة خيوط سميكة، والدف، إضافة إلى الأورج لإضافة لمسة عصرية على هذه الموسيقات الشعبية.

فنون السودان
ومن اليمن ننتقل إلى السودان، حيث يورد يوسف عبدون، مدير الفرقة القومية للفنون الشعبية في السودان، أن الفرقة تضم 29 راقصاً وراقصة لمختلف أنواع الفنون الشعبية السودانية التي تتسم بتنوع لافت نظراً إلى الاتساع الجغرافي للسودان ووجود تعددية قبلية، وبالتالي تعدد في الثقافات وألوان الفنون هناك، ليعبر كل فن عن منطقة معينة في السودان، سواء من حيث الكلمات أو الحركات الإيقاعية أو الأداءات الغنائية.
وذكر عبدون، أن العارضين السودانيين كانوا يقدمون 6 فقرات يومياً، ثلاث منها مع بداية الفعاليات اليومية للمهرجان والثلاث الباقية تكون في المساء وقبل انتهاء الفعاليات، حيث تستغرق كل فقرة نحو 15 دقيقة وربما تصل إلى 20 دقيقة في حال وجود تفاعل جماهيري لافت مع هذه الفقرة أو تلك. مؤكداً أن أكثر ما يميز الفنون السودانية هو تنوعها اللافت وهو ما يظهر في اختلاف أزياء العارضين لكل نوع من الفنون وكذا اختلاف طريقة الحركات والرقصات كما أن الكلمات تختلف بشكل كلي من مكان إلى آخر. ويشير إلى أن «هذه الفنون الشعبية تقدم دوماً في مختلف المناسبات الاجتماعية مثل الأعراس والاحتفالات الوطنية المختلفة كون هذه العروض جزءاً أصيلاً في الثقافة السودانية ونعمل على إحيائها باستمرار عبر طرحها على الجمهور في مثل هذه الفعاليات التراثية العالمية، فضلاً عن عروضنا المستمرة في السودان على مدار العام والتي تشمل جولات مختلفة في أنحائه لنشر التوعية بألوان الفلكلور المتوارثة عبر الزمن».

فنون عُمانية
الفنون الشعبية العمانية بما احتوته من إيقاعات تتفجر بالحيوية، كانت حاضرة ضمن فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي، عبر آلات النفخ والدفوف والرقصات الشعبية الجميلة التي قدمها أبناء عمان بين صفوف الجماهير المترددة على جناح السلطنة، حسب محمد بن سالم، أحد أعضاء الوفد العماني، الذي أبدى سعادته بهذا الحضور اللافت لأبناء وطنه ونجاحهم في إسعاد الجماهير بهذه العروض المتألقة التي يجب أن نتوجه بالشكر إلى إدارة المهرجان التي أتاحت لعمان وغيرها من الدول المشاركة، التعريف بألوانهم الغنائية واستعراضاتهم الشعبية، التي تأخذ كثيراً من الأشكال منها الحضري، والبدوي، والتي تعكس كل منها البيئة التي تعبر عنها، وإن كان القاسم المشترك بين هذه الفنون هو اعتمادها بشكل رئيس على آلات الإيقاع مثل الطبول والدفوف، وكذا أنها تقدم جميعاً في المناسبات السعيدة سواء أعياداً وطنية أو حفلات أعراس أو أياً من المناسبات الاجتماعية المعروفة في المجتمع العماني.

فلكلور صعيدي
ومن مصر يقول أحمد محمد، أحد مسؤولي الجناح المصري، إن هناك 4 فرق للفنون الشعبية المصرية شاركت في فعاليات المهرجان، وهي: فرقة النيل، وفرقة بورسعيد، وفرقة أكاديمية الفنون للفنون الشعبية، وفرقة ملّوى، والأخيرة قدمت أنماطاً من الفلكلور الصعيدي الذي يمثل منطقة جنوب مصر، أما فرقة بورسعيد فطرحت على الجمهور عروضاً للفنون الخاصة بمنطقة قناة السويس والتي تضم محافظات بورسعيد والإسماعيلية والسويس، علماً بأن هذا النمط من الفنون يعتبر حديثاً نسبياً بالنسبة إلى الفنون الشعبية المصرية كون هذه المحافظات أساساً لم تنشأ إلا بعد حفر قناة السويس قبل نحو 150 عاماً تقريباً، وبالتي نشأت تجمعات سكانية هناك أفرزت ألواناً جديدة في الفن الشعبي المصري.
أما «فرقة أكاديمية الفنون» فقد قدم عارضوها نماذج من الفن الشعبي المصري بكل أطيافه ومن كل أنحاء مصر كونها فرقة تابعة لإحدى الجهات العلمية في الأساس، بينما أدى عارضو «فرقة النيل» فنون التنورة ذات الطابع المصري الأصيل، كون فن التنورة له امتداد في عديد من دول العالم ولكن كل مجتمع يصبغه بلمسة خاصة.
وأوضح محمد أن تاريخ الفنون الشعبية المصرية، يعود إلى آلاف السنين منذ عهد الفراعنة وتحديداً مع الاحتفالات التي كانت تقام آنذاك سواء بتنصيب الملوك والأمراء أو الاحتفالات الدينية المختلفة التي كانت تقام في المعابد المنتشرة في أنحاء مصر شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، حيث ظهرت بواكير هذه الرقصات الإيقاعية والتي صاحبت بعض طقوس الديانات القديمة في المعابد الفرعونية.

ثقافات مختلفة
ولفت سامي إلى أن السمة العامة للفنون الشعبية المصرية هو تراكم لثقافات مختلفة عبر التاريخ اتسمت في كثير من أحوالها بالطابع الديني، مثل رقصة التنورة التي تعد في الأساس من الممارسات الدينية الصوفية، ومن خلال الحركة الدائرية للراقص نجده يحاكي حركة الكواكب والكون كله بشكل دائري، حيث انتشر هذا الفن بشدة في العصر الفاطمي، كون الدولة الفاطمية التي حكمت مصر قبل عدة قرون كانت تحاول التقرب إلى الشعب المصري بإقامة العديد من الاحتفالات في مختلف المناسبات خصوصاً الدينية. وفي الإجمال يمكن القول إن الفنون الشعبية هي موروث ثقافي للشعب المصري كله، مع احتفاظ كل منطقة بالطابع المميز لها.

التنورة المصرية
يقول إبراهيم سامي، الذي تخصص في تأدية عروض فن التنورة خلال أيام المهرجان الحديث، إن الاحتفالات الأكثر شعبية التي عرفها المصريون منذ عهد الفراعنة، كانت تتم في مواسم الحصاد لأهم المزروعات مثل القمح، والذي كانت تصحبه احتفالات وعروض راقصة في كل البلاد، أما المناسبات الاجتماعية مثل الزواج وغيره فكانت تقام بالطريقة نفسها، ولكن في نطاق محدود بالمكان الذي يقام فيه الاحتفال أو العرس. وكان لكل منطقة الشكل الاحتفالي الخاص بها الذي يميزها عن المناطق الأخرى. وغالبية هذه الاختلافات تكون في الحركات الإيقاعية المرتبطة غالبا بالمهنة التي يمارسها أهل هذه المنطقة أو تلك مثل صائدو الأسماك فكانت رقصاتهم بها حركات تماثل شد الشباك من المياه. أما الكلمات التي تردد عبر الأغنيات الفلكلورية، فغالبها مستمد من أمثال شعبية منتشرة في كل منطقة.

اللون العدني
المطرب مراد عيدروس الميسري، ذكر من جانبه أن أشهر الألوان الغنائية التي قدمها لجمهور المهرجان، الحضرمي، المأربي، العدني، اللحجي، وغيرها من الألوان الغنائية والموسيقية المعروفة في التراث المحلي اليمني، غير أن أفضل ما يقدمه باستمرار هو اللون العدني كونه من أبناء عدن، وهذا الفن يتميز بأن إيقاعاته سريعة وكلماته خفيفة ويعتمد على الأشعار الفصحى والعامية، ويعتبر من اشهر الفنون الشعبية اليمنية وقام بتأديته مطربون كثر في اليمن ومنهم عبد الرب إدريس وعلى العطاس.
ولفت الميسري إلى أن الإقبال الجماهيري لمتابعة العروض الفنية اليمنية، دفعه وزملاءه لتقديم أفضل ما لديهم عبر العروض تبدأ يومياً من الساعة الخامسة مساء وتستمر حتى التاسعة مساء، وتصل ما بين 6 إلى 8 فقرات، بحسب التفاعل مع الجمهور والوقت المتاح لتأدية هذه العروض، موضحاً أنها المشاركة الثانية له في فعاليات زايد التراثي، متمنياً أن تؤكد هذه المشاركات المودة والتواصل بين الشعبين اليمني والإماراتي، وبأننا أشقاء وهناك الكثير من الروابط الواحدة بين البلدين تتأكد بالتواجد الفعال في الفعاليات والأنشطة المشتركة. ولفت إلى أنه زار عديد من بلدان العالم ولكن مهرجان الشيخ زايد التراثي له نكهة خاصة، كونه حدث تراثي عربي أصيل، ولكن في حضور عالمي كبير يكشف للآخرين ما لدينا من إبداعات تراثية عريقة نسجها الآباء والأجداد عبر الزمن.

فنون عالمية
مع عوالم الفنون المدهشة القادمة من الشرق والغرب، مثل عروض الفرق القادمة من صربيا وروسيا وطاجيكستان والهند وغيرها من الفرق العالمية الممثلة للدول التي شاركت في المهرجان، وغيرها من عروض الدول الأخرى، مثل الفلامنكو الإسباني والفلكلور التركي، عاش جمهور زايد التراثي أجواء مدهشة حملت لهم متعة تذوق الفنون الشعبية المزينة بعبق التاريخ والأصالة.

اقرأ أيضا