صحيفة الاتحاد

دنيا

«الباطن» يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور

«الباطن» اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه الذي لا يُحس، وإنما يدرك بآثاره وأفعاله، والذي لا يُعلم كنه حقيقته للخلق، والعالم ببواطن الأمور والمطلع على حقيقة كل شيء، وهو بمعنى القرب والإحاطة العلمية والمكانية، والله تبارك وتعالى الباطن، المحتجب عن أبصار الخلق، الذي لا يراه أحد في الدنيا، ولا تحيط به سبحانه عين ولا فكر ولا حس ولا سمع ولا خطر قلب.
واسم الله «الباطن»، ورد في كتاب الله مرة واحدة في قوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، «سورة الحديد: الآية 3»، وفي السنة المطهرة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء».
معاني بديعة
والباطن في اللغة هو الخافي، داخل كل شيء، والذي اتصف بالبطون، والبطون خلاف الظهور، والباطن من جهة إطلاقه على الله عز وجل، له العديد من المعاني البديعة التي لا تليق إلا بالله جل في علاه.
قال الإمام السعدي، والباطن يدل على اطلاعه على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا ودقائق الأشياء، كما يدل على كمال قربه ودنوه، ولا يتنافى الظاهر، والباطن لأن الله ليس كمثله شيء في كل النعوت فهو العلي في دنوه القريب في علوه.
ويقول ابن القيم في كتابه «طريق الهجرتين»، إن أسماء الله الأول والآخر والظاهر والباطن، هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه، واعلم أن لك أنت أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، بل كل شيء له أول وآخر وظاهر وباطن، حتى الخطرة واللحظة والنفس، وأدنى من ذلك وأكثر، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وأما بطونه سبحانه فإحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، ولا يحجب عنه ظاهر باطناً، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، فهذه الأسماء تشتمل على أركان التوحيد فهو الأول في آخريته والآخر في أوليته والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره لم يزل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
عالم بالخفيات
وقال البغوي في تفسيره، الباطن هو العالم بكل شيء، المحتجب عن ذوي الألباب كنه ذاته وكيفية صفاته عز وجل، وقال النووي في شرح مسلم، والباطن هو العالم بالخفيات، وقد فسر أهل العلم بأن الباطن دون كل شيء يعلم ما تحت الأرضين، دل على هذا آخر الآية وهو بكل شيء عليم.
وقال البراك في «شرح الواسطية»، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء فبصره نافذ لجميع المخلوقات وسمعه واسع لجميع الأصوات وعلمه محيط بكل شيء إذا لا يحجب سمعه شيء، ولا يحجب بصره حجاب، بصره نافذ يرى عباده وعلمه محيط بكل شيء.
وفي شرح العقيدة الطحاوية، الباطن الذي لا يحجبه شيء من المخلوقات، يرى كل شيء، ويبصر كل شيء - سبحانه وتعالى-، ولا يخفى عليه شيء من خلقه، من أعمالهم وسكناتهم وحركاتهم.
وإذا كان تعالى لا يُرى في الدنيا ابتلاء فإنه يُرى في الآخرة إكراماً وجزاء لأهل طاعته، لأن الأمر في الآخرة مختلف، إذ أن مدركات الإنسان وقدرتها تتغير بالكيفية التي تناسب أمور الآخرة وأحداثها، فهو رقيب ومطلع عليهم من حيث لا يُرى، فيجب أن يخاف ويحذر فهو قريب وقال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)، «سورة المؤمنون: 17»، والباطن العالم بكل شيء، والمحتجب عن ذوي الألباب، ليس دونه شيء، فبصره نافذ لجميع المخلوقات، وسمعه واسع لجميع الأصوات، وعلمه محيط بكل شيء.
محتجب عن العيون
وإنَّ أبرز معاني ودلالات اسم الله «الباطن» سبحانه، أنه المحتجب عن عيون خلقه، وأن حقيقته غير معلومة للخلق، فهو الظاهر بنعمته، الباطن برحمته، الظاهر بالقدرة على كل شيء، والباطن العالم بحقيقة كل شيء، والباطن الخفي، فهو محجوب عن إدراك الحواس الظاهرة.
ومعنى أن الله «باطن» أي محتجب عن الأبصار، والدليل قوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ...)، «سورة الأنعام الآية: 103»، والله جل جلاله باطن احتجب عن خلقه من أجل الابتلاء: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ...)، «سورة الملك الآية: 2»، وأيضاً معنى اسم الله الباطن أنه تعالى ليس تحته شيء.