الاتحاد

دنيا

احترس من الجدال العقيم ولا تدخل معركة خاسرة

لم أشهد في مجتمعنا عشقاً لشيء أكثر من عشق “الجدال”، فما أن يطرح أحدهم فكرة ما حتى يسارع كل المحيط بالاعتراض والاستفاضة في النقد والتقليل من رأي الطرف الآخر، فيتحول الموضوع لمسألة شخصية ويخرج عن مساره ويحاول كل فرد أن يثبت وبشكل مستميت أنه هو الصواب والآخر على خطأ، وبطبيعة الحال يحاول الطرف الآخر أن يدافع عن رأيه ويثبت للآخر أنه هو المخطئ ولا تستغرب إن كان الجدال على أمر لايكاد يذكر ولايستحق كل هذا من الأساس..
إن مسألة الجدال ناتجة عن وعي ناقص لمعنى النقاش، فما أن يطرح أحدهم رأيا معينا حتى يطلق دون أن يعلم شرارة تشتعل بها العقول التي اصطلح عندها النقاش بأنه فرصة “للانتصار” ، وأن من يناقش يجب أن ينتصر وإلا فأنه خاسر، لهذا لا تستغرب كثيراً إن رأيت أحدهم وقد انتفخت عروقه وأحمر وجهه وأرتفع صوته وهو يحاول إثبات أنه على صواب، ولا تتعجب أن يخرج كل طرف بضغينة في قلبه على الآخر لأنه حاول إثبات نفسه على حساب الآخر، وهذه إحدى عواقب الجدال.
الجميل والرائع والذي يجب أن نعلمه ونعرفه دائماً أن الله الخالق في علاه ذو الجلال والإكرام والذي خلقنا ونفخ فينا من روحه، يعلم جيداً ماذا يسبب الجدال العقيم في النفوس ويعلم جيداً عواقبه الوخيمة لهذا وضع حلاً جذرياً لمشكلة الجدال ؟
لكن ماهو هذا الحل ؟ طالما أن الله هو من أعطانا إياه ، بالتأكيد سوف يكون الحل السليم ولا يوجد حل أصح منه، وكيف نبحث عن حل أصح ومن صنعنا هو من أعطانا إياه.
الحل نجده في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: “أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً” “المراء: أي الجدال”
قد يظن الإنسان أن ترك الجدال وإن كان على صواب فيه من الصعوبة الكثير لكن لو عددنا فوائد هذا التصرف لوجدنا أن المسألة تكون أسهل وأكثر قابلية للتطبيق.. لاحظ معي شخص يكثر الجدال ويحب إظهار ذاته على حساب غيره، ولاحظ معي أن تصرفه هذا يجعله كثيراً ما يصر على العناد والمغالطات لإثبات أنه على صواب، وهذا ما يجعله يفقد احترامه وسط الحضور فيعرف عندهم بأنه ناقص العقل لا يهمه إلا الثأر لرأيه مهما كان، فينفض عنه الأصحاب ويسايره العاقلون وبالتالي قد لايستفيد من نصائح ثمينة قد يعطيها إياه أحدهم بسبب معرفة الناس أنه لا فائدة منه فيتجنبون أي نصيحة قد يحولها لجدال عقيم فيكون هو الخاسر في النهاية..
ولاحظ معي موقف لشخص يحاول إقناع الطرف الآخر برأيه ولكن ومع إصرار الطرف الآخر على الجدال وتعالي الأصوات، وبعد أن لاحظ أن الآخر يبحث عن الجدال العقيم وليس النقاش قرر أن يصمت رغم أنه يعلم أنه على حق.
لي في هذا المثال قصة يرويها الشيخ محمد العريفي حين يقول إنه ذهب لإحدى القرى كي يلقي محاضرة وذكر كلمة فسرت على غير معناها، فقام أحد الحضور بمحاولة مجادلة الشيخ وساندته مجموعة أخرى، وهنا قرر الشيخ أن يصمت حتى تهدأ الفوضى، فإذا بالأهالي يتعاطفون مع صمت الشيخ وهدوئه وعدم انخراطه في الجدال فمال الناس للشيخ العريفي رغم أنه لم ينبت ببنس شفه بل حرص على الصمت حتى لايدخل في جدال حين لاحظ أن الموضوع تحول لجدال لا نقاش. بل وتعاطف بقية الحاضرين مع الشيخ لصمته وطلبوا من المجادلين أن يصمتوا حتى يعطوا الشيخ فرصة لإيضاح مقصده، فقام الشيخ بإيضاح قصده بهدوء ومر الموضوع بسلام، في حين كان يمكن أن يتحول للمشاحنة، فكان الصمت أبلغ حكمة !
وعكس ذلك تماماً حصل في قصة شاهدتها أمامي، حين انفعل أحدهم على الآخر لأنه يريد أن يثبت أنه على صواب، فما كان من الحاضرين إلا أن استغلوا غضب هذا الشخص وقاموا بمحاولة استفزازه لأنه كشف لهم دون أن ينتبه أنه شخص سريع الاشتعال، فأصبح موقف ذلك الشخص لايسر عدوا ولا صديقا، وقرر الانسحاب وهو يسخط ويحاول أن يحفظ ماء وجهه وسط ضحكات الحضور.
حين رأيت حالته قلت في نفسي ولماذا تجادل في الأساس؟ الموضوع برمته لايستحق فالجدال العقيم لايجلب إلا النقص لقيمة الشخص والإنسان الذي يكثر من الجدال يشعر بعقدة نقص داخله ويجد في الجدال فرصة لإبرزاها ويعتبر منه معركة الفوز فيها يعني الانتصار، لكنها في الحقيقة معركة الفوز فيها خسارة والانتصار فيها خسارة، فأنت تخسر الحاضرين وتخسر نفسك وتخسر من جادلته لأنك أصررت على إحراجه فتكسبه عدواً لك.

اقرأ أيضا