الاتحاد

ملحق دنيا

كيف توارث المصريون أقدم "حلويات" العيد في التاريخ؟

كيف توارث المصريون أقدم "حلويات" العيد في التاريخ؟

كيف توارث المصريون أقدم "حلويات" العيد في التاريخ؟

أحمد القاضي (القاهرة)

في منزل قديم بمنطقة السيدة عائشة بالقاهرة تقطن رحمة وليد السيدة الأربعينية التي تستعد لقدوم عيد الفطر المبارك على الطريقة المصرية التقليدية، حيث تصنع الكعك المصري كعادتها منذ أن كانت صغيرة، فتجدها تمسك قطعة من عجين الكعك المصري، وتبدأ في نقشها بكل مهارة، لتضعها على صاجة حديدية تم دهانه بالزيت، تجنباً لالتصاق العجين بها، ثم تأخذ قطعة أخرى لتنقشها بنقش مختلف عن الذي سبقه، فهي تريد أن يكون الكعك بأشكال مختلفة ومتنوعة.
هذا ليس حال رحمة فقط، بل هكذا يكون الوضع في أغلب البيوت المصرية، فلا يوجد بيت في مصر يخلو من الكعك خلال أيام عيد الفطر المبارك، فهو عادة متأصلة من قبل أن يأتي الإسلام بكثير، توارثها المصريون من العهد الفرعوني، فكانت زوجة الملك تتولى إعداده بنفسها لتقدمه إلى حراس وكهنة معبد خوفو خلال تعامد الشمس على مقبرته في نفس الوقت من كل عام، لكنه لم يكن كعكاً، بل أطلقوا عليه اسم «قرص». تحكي رحمة أنها تجتمع مع صديقاتها في أواخر شهر رمضان المبارك، من أجل تجهيز وإعداد كحك العيد، وهو ما توارثته أجيالهن منذ عشرات السنين، حيث يشتركن في شراء مواد صنع الكعك، ويذهبن إلى أحد الأفران المنزلية المخصصة لهذا الغرض، ويصنعن الكعك بشكل جماعي، ولكل واحدة منهم نصيب من الكعك حسبما ساهمت في شراء المواد.
طريقة إعدادهن للكعك تشبه كثيراً الطريقة الفرعونية، فمازالت هناك نقوش حتى الآن توثق عملية صناعة كعك العيد على مقبرة فرعونية تعود للوزير «خميرع»، في مدن طيبة ومنف بصعيد مصر، حيث نقشت الطريقة بخلط عسل النحل مع السمن والدقيق لتشكيل عجينة يسهل تشكيلها، ثم تنقش عليها صورة الشمس، وهي نفس النقوش التي توجد إلى يومنا هذا، ما يدل على الجذور العميقة التي يغرسها الكعك لنفسه في المجتمع المصري.
الأطفال والشباب في العائلات المصرية يشاركن أيضا في عملية إنتاج كعك العيد، فتقول «رحمة» إن هناك أوقاتاً يصعب فيها استخدام الفرن الجماعي للسيدات، لذلك قد تلجأ إلى أبنائها في مهمة حمل الكعك وهو في حالة العجين إلى الأفران التجارية، من أجل تسويته هناك، فيحمل الشباب الصاج إلى الأفران، ثم يعودون به بعد تسويته.
كان للكعك عند الفراعنة أشكال عديدة، حتى إن المؤرخين ذكروا أن الأشكال كانت أكثر من 100 نوع، وبنقوش تقترب كثيرًا من شكل الشمس، حسب ما ذكره كتاب «لغز الحضارة المصرية» للدكتور سيد كريم.
واعتاد الفراعنة القدماء على تقديم الكعك محشوًا بالتمر، ويتم تقديمه كل عام على طاوله طولها 200 متر، وعرضها سبعة أمتار، حتى يأكل منها كل الفقراء، وأصحاب الحظ الوفير من الفقراء كانوا يجدون بعض الدنانير الذهبية محشوة بداخل الكعك كنوع من الاحتفال، وذلك في عصر الدولة الإخشيدية.
وانتقلت هذه الموروثات الشعبية إلى مصر الإسلامية على يد الفاطميين، حيث يخصص حاكم مصر مبلغ 20 ألف دينار كل عام في عيد الفطر، لصناعة الكعك، وتبدأ صناعته في منتصف شهر رجب، وأقيمت مصانع خاصة لصناعته، لأن الكعكة الواحدة كانت بحجم رغيف الخبز.
ثم انتقلت صناعة الكعك إلى الدولة الطولونية، وكان يصنع حينها في قوالب خاصة، ويسمي «كل واشكر»، ومن بعدهم كان المماليك من أكثر الحكام اهتمامًا بكعك العيد، حيث كانوا يصنعونه ويعرضونه في معارض خاص، ويتناوله الفقراء مجانًا بعد أن يتم توزيعه عليهم بأمر حاكم البلاد.
وكانت شوارع القاهرة تفتخر بأنواع وأصناف من الكعك الذي اتخذ عدة أشكال البيضاوي، والمستطيل، وتعددت الحشوات، ومن بينها «الملبن والتمر»، ويستخدمان حتى الآن في كل عيد، حيث تستعد السيدات الريفيات خصيصًا لهذه المناسبة كما جرت العادة.
ويشارك الأطفال في نقش أشكال، مثل سحف النخيل ورجل الغراب وشكل النجوم وخطوط والدوائر المتداخلة، ويصنعونه بكميات كبيرة، ويرسلونه هدايا لأقاربهم في المدن.
في ريف مصر تجتمع السيدات بأزيائهن المزركشة من أجل تجهيز كعك العيد، لكن في الأفران الطينية التقليدية، وعلى العكس من طريقة سكان المدن في صناعة الكعك للعائلة فقط، فسكان الريف لديهم روابط اجتماعية أقوى، حيث تصنع السيدات الكعك، ويرسلنه إلى أقاربهن ومعارفهن، وإلى الفقراء من أهل بلدتهن.

اقرأ أيضا

مونتينيغرو.. روائع الطبيعة على خليج لوستيكا