الاتحاد

تقارير

الهجرة العرَضية... تحدٍّ جديد في المكسيك

تناقص الفرص في أميركا جعل بعض المهاجرين يؤثرون البقاء في المكسيك

تناقص الفرص في أميركا جعل بعض المهاجرين يؤثرون البقاء في المكسيك

هنا ترى المهاجرين متجمعين تحت أحد الجسور على «شارع الاستقلال» أو مرتدين ملابس المسافرين المشردين، وغالباً ما ترى جموعهم الكثيرة وهي تنتظر قطار السلع المتجه شمالا عبر مدينة تولتيتلان. والعديد منهم، ومعظمهم شبان وأولاد، مستعدون للقفز على متن القطار، على غرار المتشردين الذين يقفزون إلى عربات القطار خلسة أثناء انطلاقه، في رحلة محفوفة بالمخاطر ولكنها قد توصلهم إلى وجهتهم المنشودة: الولايات المتحدة. غير أن أعداداً قليلة من المهاجرين هي فقط من يبلغ هذا الهدف؛ ذلك أن المهاجرين من بلدان أميركا الوسطى، الذين كانوا على مدى سنوات مديدة يعبرون المكسيك في طريقهم إلى الولايات المتحدة، باتوا يعمدون بشكل متزايد إلى تقصير رحلتهم والمكوث في المكسيك نفسها حين ينفد مالهم أو تثبط عزائمَهم الفرصُ المتناقصة المتوفرة في الشمال بعيداً عن أوطانهم.
ولكن وجود المهاجرين في تولتيتلان، التي تبعد بحوالي ساعة بالسيارة عن العاصمة مكسيكو سيتي، يثير انقساماً بين أهالي هذه المدينة الصغيرة؛ ذلك أنه إذا كان بعض سكانها يقدمون الطعام والملابس والمساعدات للمهاجرين، فإن آخرين يشتكون من جرائمهم المفترضة، إضافة إلى وجود حكومة محلية جديدة تناور من أجل التخلص منهم بأية طريقة. وعلاوة على ذلك، فقد أصبحت معاملة المهاجرين موضوعاً محرجاً ومثيراً للانقسام بالنسبة للمكسيك؛ حيث أثبت هذا البلد الذي كان يرسل تاريخياً ملايين الأشخاص من أبنائه إلى الولايات المتحدة وغيرها بحثاً عن العمل، أنه لا يريد المهاجرين القادمين من أميركا الوسطى والساعين وراء الهدف نفسه.
فالكنائس ومنظمات حقوق الإنسان تقول إن المهاجرين الذين يعبرون مدينتها يسقطون فرائس بين أيدي الخاطفين والمبتزين والقتلة في وقت لا تفعل فيه السلطات شيئاً لحمايتهم؛ حيث تقول لجنة حقوق الإنسان الوطنية المكسيكية إنها سجلت، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، 10 آلاف حالة اختطاف تعرض لها المهاجرون، الذين يُختطفون في الغالب من قبل عصابات تطالب عائلاتهم في بلدانهم الأصلية بالمال مقابل الإفراج عنهم.
ولكن في تولتيتلان، يشتكي المهاجرون أيضاً من تعرضهم للضرب والسلب وسوء المعاملة من قبل الشرطة. وفي هذا السياق، يقول خوسيه خوان إيرنانديس، المسؤول الحكومي عن حقوق الإنسان، إنه يحقق في 30 شكوى رسمية عن فترة النصف الأول من هذا العام. ويقوم إيرنانديس، الذي يزور المهاجرين بانتظام في أخبيتهم المؤقتة والمزرية، بتزويدهم بالماء والنصائح لتلافي السقوط بين أيدي المختطفين واللصوص. ويقول: «إن القلائل جداً هم الذين يريدون البقاء في المكسيك»، مضيفاً أنه يرى أحياناً النساء وعائلات بأكملها مع أطفالها، الذين قد يصل سن بعضهم إلى 5 سنوات، وهم يشقون طريقهم في اتجاه الشمال. ويقول أيضاً: «إنهم يعانون كثيراً ويجازفون بكل شيء لأنهم يرون أن الوضع الاقتصادي سيئ هنا ولا يحبون الطريقة التي يعامَلون بها، بشكل خاص».
غير أن العديد من المهاجرين يمكثون في المكسيك لأنهم يخشون أن تكون الحياة أسوأ في الولايات المتحدة حيث يمكن أن يتعرضوا للاعتقال بعد دخول البلاد بشكل غير قانوني وحيث فرص العمل باتت قليلة. وعلاوة على هذا، فإن المال عادة قليل؛ والعديد من الأقارب في أميركا الوسطى أو في الولايات المتحدة، والذين كان يمكن أن يقدموا لهم يد المساعدة، باتوا هم أنفسهم يعانون ضيق اليد.
غير أن ثمة تعاطفاً مع المهاجرين في صفوف بعض سكان تولتيتلان. فكل يوم تقريباً، يمر موزع الخبز خوسيه مانسانو على مجموعات من الرجال الذين اتخذوا من تحت الجسر مأوى لهم. وحين يستطيع، يتوقف ويقدم لهم كميات من الخبز الفائض من صندوق سيارته. ويقول مانسانو: «إنني أرى الجوع والحاجة والامتنان في أعينهم»، مضيفاً: «إذا كنت أستطيعُ المساعدة قليلا، فلمَ لا؟». ومن جهتها، تتولى باتريسيا كامارينا، وهي ناشطة تعمل مع منظمة «دعم المهاجر»، جلب المساعدات للمهاجرين أيضاً؛ وتنتقد السلطات لما تعتبره تقصيراً من قبلها، حيث تقول وهي تغسل قدمي مهاجر صغير وتقدم له جوارب جديدة: «إنني أشعر بالغضب إذ كيف يمكن للمكسيك أن تطالب بإصلاح قانون الهجرة (من الولايات المتحدة) وتتحدث عن حقوق الإنسان (وهي لا تفعل شيئاً من أجل المهاجرين)... إنني لا أستطيع أن أظل صامتة بشأن ما يحدث».
غير أن إدارة جديدة للمدينة نُصبت في أغسطس الماضي تنظر إلى الأمر بشكل مختلف، حيث يقول العمدة ماركو كالسادا إنه يريد من الحكومة الفيدرالية أن تبادر بترحيل المهاجرين. فحين كانوا يعبرون فقط، يقول كالسادا، كانت المشكلة محدودة وبالإمكان التغلب عليها؛ أما اليوم، فهناك أعداد كبيرة منهم تبقى في المكسيك وتشكل عصابات إجرامية.
وحسب المسؤولين، فإن بلدية تولتيتلان، التي يفوق عدد سكانها 432 ألفاً، تشهد قدوم مئات المهاجرين كل أسبوع، حيث يقول كالسادا: «إن أرقامهم كبيرة جداً.. لقد غزوا الأحياء، ويقومون بالسرقة والاختطاف والاغتصاب!». ويضيف العمدة إن مجلس المدينة ينظر في الشكاوى، ولكن لا هو ولا مدير الأمن العام، «خوسيه لويس مدينا»، يستطيع أن يقدم إحصائيات. وحين سئل بشأن شكاوى المهاجرين من تحرش الشرطة والسلب، اكتفى «مدينا» بالقول إن نحو 10 في المئة من شرطة الإدارة الإقليمية السابقة تم طردهم بسبب الشطط في استعمال النفوذ والفساد ومخالفات أخرى. ولكن المنظمات الأهلية ترد على ذلك بالقول إن المهاجرين القادمين من أميركا الوسطى باتوا بمثابة الشماعة التي تعلق عليها كل الجرائم التي تُرتكب في المنطقة.
وفي الطرف الآخر غير بعيد، عند الجسر، يجلس المهاجرون في مجموعات صغيرة أو يتحلقون حول نيران يشعلونها. بعضهم يتسول، وبعضهم يستعمل المخدرات، وبعضهم الآخر يفلح في الحصول على عمل يومي. ويقول إيديل ألبرتو بيردومو، 24 عاماً، وهو مهاجر من هندوراس يعيش على الصدقات: «إنني لا أريد أن أذهب إلى الولايات المتحدة لأنهم سيعتقلونني هناك»، مضيفاً: «إننا لا نزعج أحداً، وكل ما نطلبه هو الاحترام، فنحن لا نريد مشاكل. إنني أريد أن أبقى هنا، ولكن أريد أن يتركوني في سلام!».


تريسي ويلكينسون - المكسيك
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا