الاتحاد

الاقتصادي

«الكساد الكبير» يضرب الاقتصاد الأميركي والعالم

حسونة الطيب (أبوظبي)

لم يطلق لفظ «كبير» على الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن التاسع عشر عبثاً، بل جاء نتاج سلسلة من حالات الكساد التي أصابت الاقتصاد الأميركي طوال فترة القرن التاسع عشر، حيث تضافرت عدة أسباب، منها فشل المحاصيل وتراجع أسعار القطن والانخفاض المفاجئ في سوق الأسهم، لتهوي بنمو الاقتصاد الأميركي.
وكانت التأثيرات وخيمة، ليفقد ملايين الأميركيين وظائفهم وطرد المزارعين من أراضيهم، مع انهيار السكك الحديدية والبنوك والأعمال التجارية الأخرى.
وخلال الحرب بين 1807 إلى 1814، اتجهت الحكومة البريطانية لجمع المال من خلال طبع كميات كبيرة من العملات الورقية.
ونتيجة لعجز الدولة عن توفير العملات المعدنية الفضية، فقدت العملات الورقية معظم قيمتها في التجارة العادية.
وانتشرت العديد من حالات الذعر على مدى القرن التاسع عشر لتشكل أزمة ذلك القرن.

إفلاس الدولة الدنماركية
في 1813 عانت الدولة الدنماركية الإفلاس في 1813، عند محاولة الحكومة تنسيق اقتصاد البلاد عبر عدد من الخطوات، بدأتها بتأسيس بنك وطني، أُرغم على تصريف الأوراق المالية القديمة من خلال دفع 10% من قيمتها الاسمية في شكل أوراق مالية وطنية.
ولدعم تأسيس البنك، تدخلت الحكومة في أحقية العقار من خلال المطالبة بدفع 6% من قيمة العقار، يتم دفع فائدتها فضة في حالة عجز المالك عن الدفع. لكن أوراق البنك الوطني المالية، لم تكتسب الثقة، ما أدى إلى انخفاض قيمتها دون القيمة الاسمية.
وأصبحت المملكة الدنماركية وحيدة في تحمل عبء هذه الأوراق، التي تحولت لعائق كبير لأوراق البنك الوطني في بعض المقاطعات، ما دفع الحكومة بإلزام أن تكون الفضة الوسيلة الوحيدة للدفع.
وعندما تحول البنك لما يعرف بالبنك الوطني في 1818، استقل تماماً عن الحكومة وأصبح في وضع أفضل.
وعند نهاية حقبة فريدريك السادس، اكتسبت العملة الورقية قيمتها الكاملة.
ارتفعت ديون الحكومة بنسبة كبيرة إبان الحرب التي شنتها عليها إنجلترا، واستمرت في الارتفاع بعد سنوات من انتهائها، لتصل إلى 260 مليون كرونة في 1835.
لكن وبنهاية تلك السنة، بدأت الحكومة في تسديد هذه الديون. كساد ما بعد حروب نابليون يشير كساد ما بعد حروب نابليون، إلى كساد اقتصادي ساد الدول الأوروبية أعقب نهاية فترة الحرب.
وفي إنجلترا، نتج عن الكساد الزراعي، تمرير «قوانين الذرة»، التي تهدف إلى بلورة السياسات البريطانية للعقود الثلاثة المقبلة، وممارسة ضغوط كبيرة على نظام إغاثة الفقراء الموروث من حقب أليزابيث.
وفي إسكتلندا، انتهى الكساد في سنة 1822، وعزا بعض المؤرخين ذعر 1819 وما نتج عنه من كساد في أميركا، للكساد الذي أعقب حروب نابليون وانهيار أسواق الصادرات والواردات وتراجع معدلات الاستهلاك.
وهذه أول أزمة مالية تتعرض لها أميركا في فترة السلام وانهيار عام في اقتصادها امتد حتى 1821.
وكان الذعر بمثابة الإعلان عن تحول البلاد من وضعها التجاري الاستعماري مع أوروبا، إلى اقتصاد يتسم بالاستقلالية، تشكله الضرورات المالية والصناعية لسياسات البنك المركزي النقدية، ما جعله عرضة لدورات الانتعاش والركود.
رغم أنها مدفوعة بتعديلات السوق العالمية في أعقاب حروب نابليون، إلا أن المضاربات الكبيرة في الأراضي العامة، زادت من حدة الأزمة. وقاد الذعر المالي بالتزامن مع تعافي مفاجئ في إنتاج أوروبا الزراعي في 1817، إلى انتشار حالة من الإفلاس والبطالة.

ذعر 1825
أدى انتشار الكساد في بريطانيا، لفشل العديد من البنوك بما فيها بنك إنجلترا.
وذعر 1825، هو عبارة عن انهيار لسوق الأسهم بدأ ببنك إنجلترا، ليتطور جزئياً، بسبب استثمارات مضاربة في أميركا اللاتينية. وكانت الأزمة أكثر حدة في بريطانيا، حيث تسببت في إغلاق ستة بنوك في لندن و60 بنكاً فرعياً في أرجاء إنجلترا، لكنها تجسدت أيضاً بوضوح في أسواق أوروبا وأميركا اللاتينية وأميركا.
وساعد ضخ احتياطي الذهب من بنك فرنسا، في إنقاذ بنك إنجلترا من انهيار كلي. وتمت الإشارة إلى هذا الذعر، كأول أزمة اقتصادية حديثة وأول أزمة في أميركا اللاتينية والأسواق الناشئة، غير مرتبطة بأحداث خارجية، مثل الحروب، ومن ثم بداية الدورات الاقتصادية.

حروب نابليون
وكانت فترة حروب نابليون، بمثابة الحقبة المربحة لكافة القطاعات في النظام المالي البريطاني. وتُعزى معظم أسباب هذا الانهيار، لعدم قيام البنوك بجمع المعلومات المطلوبة والمراقبة الملائمة والمشاريع الاستثمارية الواجبة.
كما تتضافر عدد من الأسباب التي أدت لوقوع الأزمة من بينها، قضايا الدين في أميركا اللاتينية والتساهل في إصدار الأوراق المالية، بالإضافة إلى تسرع بنك إنجلترا في زيادة المعروض النقدي، ومن ثم تقليصه، ما دفع الناس لسحب إيداعاتهم ورفض البنك تقديم القروض لهم. وعندما فقدت إسبانيا سيطرتها على مصالحها في جنوب أميركا، نشأت العديد من الدول في أميركا اللاتينية مثل، تشيلي وكولومبيا والأرجنتين وبيرو والمكسيك وجواتيمالا. وتتطلع هذه الأسواق الناشئة، إلى إرساء البنية التحتية واستغلال مواردها الطبيعية، ما نتج عنه طلب ضخم للمال والخبرات الفنية من المراكز المالية في أوروبا خاصة لندن، التي حلت محل أمستردام كعاصمة للمال في أوروبا. ذعر 1837 هو حالة من الكساد الذي ضربت أرجاء أميركا، بالإضافة لفشل البنوك مصحوباً بخمس سنوات من الانكماش.
وأدى كل ذلك لأزمة مالية امتدت حتى منتصف أربعينيات القرن التاسع عشر. وفي غضون ذلك، تراجعت الأرباح والأجور والأسعار، في حين ارتفعت معدلات البطالة بنسبة كبيرة.
جذور الأزمة
تعود جذور الأزمة بجانب الأسباب المحلية، لأسباب خارجية. وتضافرت العديد من الأسباب التي قادت لهذا الذعر، من بينها، ممارسات إقراض المضاربات في ولايات الغرب الأميركي والانخفاض الكبير في أسعار القطن وانهيار أسعار الأراضي والسياسات التي تقيد الإقراض في بريطانيا العظمى.
وبصرف النظر عن تعاف طفيف في 1838، إلا أن الكساد استمر لفترة سبع سنوات، حيث انهارت البنوك وتعثرت الأعمال التجارية، وتراجعت الأسعار وفقد الآلاف وظائفهم. وارتفع معدل البطالة لنسبة وصلت إلى 25% في بعض المحليات. واتسمت الفترة من 1837 إلى 1844، بالانكماش في الأجور والأسعار.
وتلت هذه الأزمة، فترة من النمو الاقتصادي الممتد من 1834 لمنتصف 1836، حيث شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار القطن والرقيق.

أسباب الانتعاش
تعددت أسباب هذا الانتعاش على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيث تدفقت كميات ضخمة من الفضة داخل أميركا، قادمة من المكسيك والصين.
وجنت مبيعات الأراضي والرسوم المفروضة على الواردات، عائدات اتحادية كبيرة. ومن خلال صادرات القطن المربحة وتسويق السندات المدعومة من قبل الحكومة في أسواق المال البريطانية، كسبت أميركا استثمارات رأسمال ضخمة من بريطانيا العظمى.
وأسهم توفر القروض البريطانية من خلال دُور المال المصرفية البريطانية الأميركية، في الدفع بعجلة النمو في غربي أميركا وتطوير البنية التحتية والنمو الصناعي والاقتصادي في فترة ما قبل الحرب.
ومن ضمن تداعيات الأزمة، خسائر وصلت إلى 100 مليون دولار ناتجة عن فشل البنوك في نيويورك. كما أغلقت 343 بنك أبوابها من مجموع 850 بنكاً في أميركا، ليتلقى النظام المصرفي، ضربة لم يتعاف منها أبداً، كما طالت الأزمة قطاع النشر أيضاً. ورغم تعافي الاقتصاد الأميركي نسبياً في 1842 من كساد الخمس سنوات، لكنه تعافى تماماً في 1843.
ويتفق معظم الخبراء الاقتصاديين، على حدوث تعاف طفيف في الفترة بين 1838 إلى 1839، انتهت برفع بنك إنجلترا والدائنين الهولنديين، لأسعار الفائدة.
وخلال الفترة بين 1839 إلى 1843، ارتفع الاستهلاك الحقيقي بنحو 21% والناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 16%، بصرف النظر عن حقيقة انخفاض الاستثمار بنسبة قدرها 23% والمعروض النقدي بنحو 34%. ذعر 1847 بدأ في شكل انهيار لأسواق المال البريطانية، بجانب نهاية فترة انتعاش السكك الحديدية التي شهدتها في أربعينيات القرن التاسع عشر. جاء هذا الذعر، في شكل أزمة مالية طفيفة تعرض لها النظام المصرفي البريطاني، تبعها فشل مؤسسات مالية غير بنكية.
وبغرض استقرار الاقتصاد البريطاني، أصدرت الحكومة قانون وثيقة البنك في 1844، الذي يسمح بموجبه تداول الحد الأقصى من الأوراق المالية، وضمان وجود احتياطي دائم من الذهب والفضة، لدعم التداول النقدي. ويطالب القانون أيضاً، بعدم زيادة حجم التداول، إلا في حالة زيادة الاحتياطي من الذهب والفضة.
وعلى ضوء ذعر 1847، تم التخلص من عدد كبير من الدُور التجارية غير المجدية، وأصبحت التجارة أكثر واقعية وانتعاشاً حتى حلول 1855. وفي منتصف سبتمبر 1847، بدأت السكك الحديدية الفرنسية لتوها في النهوض، بينما أنهكت الحرب مع المكسيك، الائتمان في أميركا.
ووافق بنك إنجلترا، على إصدار أوراق مالية غير مغطاة وغير مدعومة بالذهب، لإضافة سيولة للنظام المالي.

ذعر 1857
حالة من الكساد التي عمت أرجاء أميركا، تخللها فشل في البنوك.
كما كانت أيضاً، حالة من الذعر المالي في الولايات المتحدة الأميركية، أفرزها تراجع الاقتصاد العالمي وفرط التوسع في الاقتصاد المحلي.
ونظراً للترابط الكبير للاقتصاد العالمي في خمسينيات القرن التاسع عشر، تعتبر أزمة 1857 المالية، أول أزمة اقتصادية تضرب أرجاء العالم كافة.
وفي بريطانيا، أبطلت حكومة بالمرستون، «قانون بيل المصرفي»، لسنة 1844، الذي يلزم بأن يدعم احتياطي الذهب والفضة، حجم السيولة النقدية المتداولة. وأطلقت الأنباء الخاصة بهذا الإبطال، شرارة ذعر 1857 في بريطانيا.
لكن الأزمة المالية لم تستمر طويلاً، رغم أن تعافياً قوياً لم يطل برأسه حتى اندلاع الحرب الأهلية الأميركية.
كما أسهم غرق الباخرة «أس أس سنترال أميركا» المعروفة بباخرة الذهب، في أزمة 1857 أيضاً، حيث كانت بنوك نيويورك التي تنتظر وصول الباخرة، في أمس الحاجة لذلك الذهب. وشهدت حقبة منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر، انتعاشاً ملحوظا في الاقتصاد الأميركي نتيجة تنقيب كميات كبيرة من الذهب في كاليفورنيا، لكن وبحلول نهاية تلك الفترة، بدأ مخزون الذهب في التضاؤل مصحوباً بقلق وسط القطاع المصرفي والاستثماري.
وبحلول موسم شتاء 1858، جفت منابع الائتمان التجاري، لترغم التجار المثقلين بالديون في غرب أميركا، على تقليص شراء البضائع، ليشمل انخفاض الأرباح والمبيعات بقية تجار البلاد ويهدد بأزمة اقتصادية.
كما تراجعت أسعار الحبوب وعانى المزارعون انخفاض عائداتهم، ما دفع البنوك لحبس رهن الأراضي التي تم شراؤها مؤخراً.
وبحلول 1859، بدأ الاقتصاد في التعافي والاستقرار وسحب العملات الورقية دون فئة العشرين دولار اعتقاداً في أنها وراء أسباب التضخم والأزمة. كما أمرت الحكومة باستقلال الخزينة، التي بدأت تسديد التزامات العملاء بالذهب والفضة لتعود للعمة هيبتها المفقودة.
ذعر 1866 هذه أزمة مالية عالمية، صحبها فشل مؤسسة أوفرند، جورني آند كومباني في لندن. ونجم عن هذه الأزمة ارتفاع كبير في البطالة بلغت نسبته 8% وتراجع في الأجور حول مختلف أرجاء البلاد.
وقضى الذعر على معظم عمليات بناء السفن في لندن وانهيار شركة ميلوال للحديد. ولم تقاوم هذه الأزمة، سوى 16% فقط من الشركات المساهمة.
وبدأت هذه الأزمة، بانهيار أوفرند، جورني آند كومباني، أقدم مؤسسة وساطة وتخفيضات في لندن. ورغم أن تداعيات هذه الأزمة أقل من سابقاتها، إلا أنها استدعت تغييرات في الناظم المالي والاقتصادي والسياسي، في بريطانيا.

..وكساد زراعي في بريطانيا
1873 إلى 1896 أصاب قطاع الزراعة في بريطانيا كساد كبير في الفترة بين 1873 إلى 1896، نجم عنه تراجع مريع في أسعار الحبوب، في أعقاب فتح البراري الأميركية للزراعة في سبعينيات القرن التاسع عشر وبروز وسائل النقل الرخيصة في ظل انتشار السفن البخارية.
ولم تتعاف الزراعة في بريطانيا من هذا الكساد، إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي الفترة بين 1871 إلى 1875 و1896 إلى 1900، ارتفعت حصة واردات القمح والدقيق بنحو 90% واللحوم 300% والزبدة والأجبان 110%. كما شهدت تلك الحقبة هجرة العمال من القرى إلى المدن، الذين يعمل معظمهم في قطاع الزراعة.
وبين 1871 إلى 1901، ارتفع عدد سكان إنجلترا وويلز، بنحو 43%، مع تراجع في نسبة عمال الزراعة من الذكور بما يزيد على الثلث.
وتقدر نسبة اعتماد بريطانيا على واردات الحبوب في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، بنحو 2% وفي الستينيات منه بنحو 24% والثمانينيات بنحو 45%، بينما ارتفعت إلى 65% للذرة. وبحلول 1914، اعتمدت بريطانيا بنسبة 80% على استيراد القمح وبنحو 40% للحوم.

اقرأ أيضا

أنظمة جديدة لسلامة محركات الحافلات العام الحالي