الاتحاد

الملحق الثقافي

الساحات على الشاشات

من فيلم “حمس كاميرات”

من فيلم “حمس كاميرات”

أتاح مشهد الساحات العربية فرصة حضور عالمي نادرة، لسينما المنطقة لم تشهد لها مثيل من قبل، ليس على مستوى مشاركتها في مهرجانات عالمية فحسب بل وفي انفتاح العالم على منتج تراجع في السنوات الأخيرة خاصة في موطن صناعته الرئيس: القاهرة، لكن ومع اندلاع التحركات الشعبية ازداد الطلب على الوثائقية منها، لكونها عنيت موضوعياً بتوثيق الأحداث والتغيرات التاريخية التي شهدها المنطقة، ولم ينحصر الاهتمام بالسينمائيين العرب وحدهم فالمتغيرات نفسها ألهمت صناع الوثائقي من خارج حدودها ليجربوا بدورهم تسجيلها وتحليلها سينمائياً، وكانت فرصة تلمس هذا الاهتمام جلية في الدورة الرابعة عشرة لمهرجان تسالونيكي اليوناني للأفلام الوثائقية.
أغلب الأفلام التي تناولت منطقتنا، حاولت نقل واقع نتقاسم همومه في العموميات مع بقية العالم مثل: الهجرة والعسف السلطوي، إلى جانب الصراع الاجتماعي وقضية المرأة، فيما أُوليت ظاهرة الحراك الشعبي اهتماماً أكبر، فقدّم مهرجان تسالونيكي للأفلام الوثائقية في دورته الرابعة عشرة فيلم “1/2 ثورة” للدنماركي المصري الأصل عمر الشرقاوي ضمن برنامج “ضيف المهرجان”. أما الإيطالي ستيفانو سافونا، فجاء بفيلم عنوانه “تحرير” كحال أفلام عربية أخرى حملت هذا العنوان، لكنه وفي جوهره وفي طريقة شغله مختلف كثيراً عنها، وقد يكمن أحد أهم تميزاته في طريقة تسجيله للمشهد الواحد، فبدلاً من الجموع راح للفرد، وعوضاً عن اللقطات الواسعة لجأ إلى المقربة، ومن الصوت العالي الهادر سجل الخافت الخفيض ليؤنسن الفعل الثوري، ويمنح شخوصه المختارة من بين الجموع روحاً آدمية وربما ستفسر طريقة اشتغاله هذه أسباب انتظار مخرجه أياماً على انطلاق الأحداث في الخامس والعشرين من يناير، قبل أن يبدأ تسجيل فيلمه. فمن الواضح أنه لم يرغب في نقل الحدث آنياً، إنما أراد صنع تسجيلي يقوم على شخوص واضحي التكوين، يتفاعلون مع الأحداث واقعياً، ومن خلالهم سنفهم تفاصيل المشهد المصري في لحظة تاريخية نادرة.
مشاهدة “تحرير” بعد نيف وعام على قيام الثورة، خلّف لدى كثيرين شعوراً بأن الثورة فقدت قيمتها المرتجاة حين انتهت إلى سيطرة قوى محافظة، تعيد الأمل بالفعل نفسه، ولو بعد حين، وأن فكرة “الثورة من دون رأس” التي ستتردد كثيراً على لسان المتظاهرين تغذي فكرة أكبر منها عنوانها: القادم سيكون أفضل. ليس تفاؤلا ساذجاً بقدر ما هو نتاج تشكيل وعي غير كامل الصياغة، حتى اللحظة، بحاجة إلى وقت لتعاد بلورته بوضوح. ما سجلت عدسة سافونا من حوارات أثناء “استراحة المحاربين”، تدعو إلى التعجب والسؤال: لماذا لم تُلتَقط من قبل؟ من الذي حَجبها؟ “تحرير” يقدم جواباً غير مباشر عبر تسجيله مراحل تشكل الوعي المناهض للسلطة أثناء التظاهرات والشخصيات التي لاحقها كانت بمثابة عينات حية من حركة تكمن قوتها لا في نتائجها السريعة إنما في قوة إصغائها إلى الآخر، في التفاعل معه وسط مناخ بدا، عبر التسجيلات التلفزيونية السريعة، وكأنه كان مفقوداً في الأصل ما شجع على إطلاق أحكام سريعة بل، ووفق ما شاهدناه، خاطئة بحق محركي الثورة الذين ما زالوا يحاولون الوصول إلى صياغات كاملة. فما حققوه على الأرض وخلال أيام تم على قاعدة تجريبية سجلها “تحرير” بأدق التفاصيل حين ركز كاميرته وطيلة الوقت على وجوههم وما يرتسم عليها من حيرة وقلق وسؤال عما ستؤول إليه الأحداث التي كانوا يصنعونها بأياديهم من دون دراية كفاية منهم بأهمية ما يفعلونه أو يؤسسون له مستقبلاً. “تحرير” وثائقي عن المستقبل أكثر منه عن الماضي/ الحدث وجزء كبير من أهميته يكمن في هذا الجانب.
عند تخوم السؤال المستقبلي يقف أيضاً فيلم “خمس كاميرات محطمة” للفلسطيني عماد برناط ومعه غاي دافيدي، المعارض لسياسات دولته العنصرية ضد شعب أعزل. يحمل في هذا الفيلم أحد أبنائه كاميرا يظل يسجل بواسطتها المواجهات العنيفة والدموية التي تتكرر يوميا، ويسقط خلالها فلسطينيون، لدرجة تدفع بالسؤال إلى الواجهة: إلى متى يظل هذا الوضع قائماً؟ إلى متى يظل الجيش الإسرائيلي يقتل البشر من دون رادع ومبرر؟ فاحتجاجات أبناء قرية “بلعين” السِلمية والمُطالبة بفتح ثغرات في جدار إسرائيل العازل لحريتهم يُواجَه بعنف منفلت جنوني تُسجل تفاصيله، بلا كلل، كاميرات عماد. خمس كاميرات، يستبدل الواحدة منها بأخرى كلما تعرضت إلى كسر أو إصابة بطلق ناري. الخامسة منها جعلت منا شهوداً على موت شاب عايشناه لأكثر من أربع سنوات تعرفنا عليه من خلال ما وثقته الكاميرات. كان “الفيل” - هكذا كان ينادينه الأطفال تحبباً - موجوداً في أغلب تسجيلاتها لكنه غاب في الخامسة ليصدمنا من حيث كنا نتوقع مجيء الموت في كل لقطة. إنه التناقض العاطفي بين توقع الموت وبين إحساسك الفظيع بالفجيعة حين تكون شاهداً عليه. في وثائقي عماد قوة إدانة هائلة تعادل بل تزيد على قوة بطش الجيش، وفيها من الجمال السينمائي ما يبهر، حين يلجأ إلى الربط بين يوميات قريته المسجلة بكاميراته الخمس وبين وليده الجديد جبريل بسؤال عما ينتظره في مقبل الأيام، فلا الكاميرات فيها ما يطمئن ولا الواقع يعطي ذرة من أمل، فأي مصير هذا وأي قدر مشؤوم على عماد وابنه القبول به؟
“دمى” الفلسطينية عبير حداد واجهت بها سلوكاً “داخليا” بشعاً مسكوتاً عنه، وكانت المواجهة مع العدو “الخارجي” ذريعة دائمة لتأجيل مناقشته علناً أو عرضه نقدياً، على طاولة البحث الاجتماعي، في حين لعب وثائقيها هذا الدور، ذلك أن “دمى” بحث في الظاهرة، وإن ظل في حدود دوره السينمائي المثير والمحفز للأسئلة المُحْرِجة. استندت حداد في فيلمها إلى مجموعة شهادات لنساء تعرضن للتحرش الجنسي وفعل الاغتصاب من قبل أقارب لهن. مستوى الشهادات وشجاعة بعض المتحدثات أعطيا الفيلم قيمة تسجيلية، فسقف التوقعات في تناول مثل هذه الموضوعات سينمائياً في عالمنا العربي يظل متواضعاً. معظم الشاهدات تعرضن للتحرش الجنسي عندما كن طفلات أو في أولى مراحل نضجهن الجسدي لهذا اكتسب وصفهن لتأثير الفعل الحيواني على مستقبلهن بعداً عميقاً، وكشفاً لممارسة تتستر عليها أغلب ضحاياها مكرهات بثقافة “العيب” أو تجنب الفضيحة. لكن “دمى” عبير حداد تجاوزتها بشجاعة. يشير “دمى” الى ميل جديد في السينما الفلسطينية يتجه نحو عرض الذات ومكاشفتها بدأت أولى ملامحه في الظهور عند إيليا سليمان، ويبدو أنه في طريقه الى الترسخ.

اقرأ أيضا