الاتحاد

الملحق الثقافي

على الطريق

لوحة «طريق موحل» للفنان لازلو ميدنايسكي?

لوحة «طريق موحل» للفنان لازلو ميدنايسكي?

خيرالدين جمعة *

ليت ما في ذهني يتحقّق.. أنت لستَ مثل إخوتك، أنت ستكون رجلا عظيما، وسيتحدّث عنك كل الناس.. أنت لن تكون راعيا.. لن تكون راعيا!
هذا ما كانت أمي تقوله لي دائما...
كان بيتنا المنعزل النائي عند دوار “الميدة”، على طريق مدينة قفصة، يصل التعليم في مدرستنا إلى المستوى الثالث الابتدائي فحسب كان لابد أن يتوقف تعليمي عند هذا الحد كما حصل مع إخوتي الكبار، وكنتُ في ذلك الصيف قد أتممتُ دراستي لكن أمي كانت تريدني أن أواصل تعليمي وأذهب إلى المدرسة الابتدائية في بلدة “وذرف” التي تبعد عنا خمسة كيلومترات، أبي لم يقل شيئا ولكنه ظل يفكر في الأمر لأنه ظل يراني دائما صغير السن ضعيف البنية، إضافة إلى أن قريتنا كانت منعزلة عن العالم فلم يكن هناك مواصلات تربطنا ببقية القرى كما أن أبي لم يكن لديه المال الكافي فأمي لم تكن تطبخ كل يوم، كانت فرحتنا غامرة حين نراها توقد الحطب لتعد الكسرة (الخبز) في الطابونة، ورغم ما كنا نعانيه ظلت أمي رافضة أن أكون راعيا للأغنام في البرية مثل إخوتي.
بدا أبي وكأنه لم يقتنع بضرورة إتمام دراستي ويريدني أن أساعده في الزراعة، شعرت وكأنه قد أغلق باب مناقشة الموضوع مع أمي، إلى أن وقعت تلك الحادثة التي ستجعل أبي يغيّر نظرته إليّ. ففي يوم خريفيّ بارد، آخر النهار كان إخوتي يبحثون عن بقايا قطيع الأغنام عند التلة الخضراء وعلامات الخوف بادية على وجوههم لأن الأغنام قد تذهب إلى الأحراش البعيدة حيث الذئاب، كنتُ مع أبي عندما وجدنا إخوتي يصعدون الهضبة في ذعر فوجدتُني أخاطبهم دون أن أشعر، ناديتُ عليهم وقلت لهم مستغربا:
ـ إلى أين تذهبون؟ لا تصعدوا التلة، إن الأغنام لا يمكن أن تسير عكس اتجاه الريح وفي نهاية اليوم من الصعب عليها صعود التلة..
ورجوتهم أن ينزلوا إلى الوادي للبحث عنها واندفعتُ أركض بمفردي نحو الوادي، ظلّ أبي يفكر: هل يذهب معهم أو يتبعني، وبعد دقائق التفتُّ فوجدتُ الجميع يركض ورائي، وصحَّ تخميني فقد وجدنا بقية القطيع ترعى في الوادي... في تلك الليلة ونحن نستعدّ للنوم سمعت أبي يقول لأمي: ذلك الولد سيواصل دراسته في مدرسة “وذرف”.. سآخذه غدا لتسجيله..
في تلك الليلة لمحت أمي وقد ملأت السعادة وجهها..
لم أشعر في البداية بطول الطريق حين أخذني أبي إلى المدرسة البعيدة، فقد ركبت إلى جانبه على العربة التي يجرّها الحمار وسرنا في طريق ترابيّ طويل، كانت رحلة رائعة ذهب أبي إلى سوق القرية في البداية وباع بعض الدجاجات وشيئا من الخضر واشترى قليلا من السكر والشاي والدقيق، وبعد ذلك ذهبنا إلى المدرسة التي كان بناؤها عاليا وعجيبا، لأول مرة أرى بناء من طابقين، كان بها الكثير من الصفوف والتلاميذ.. أخيرا توجهنا إلى أقرب مكتبة اشترى لي منها بعض الدفاتر ومحبرة وريشة.. في الليل ونحن نستعد للنوم سمعتُ أبي يقول لأمي في شيء من الضيق: أتمنى أن يقدر ذلك الصبي على الوصول إلى المدرسة فالطريق طويلة وهو مازال صغيرا.
وبالفعل كانت الطريق إلى المدرسة طويلة، فقد كنت أقطع المسافة سيرا على القدمين يوميا حاملا على كتفي محفظتي الثقيلة التي خاطتها لي أمي من القماش، وأُمضي طريق العودة في تناول غدائي والذي كان دائما عبارة عن حبّة تينٍ مجففة وكسرة خبز يابسة، لم يكن الأمر مسلِّيًا بالنسبة إليّ، خاصة حين أقوم في الصباح الباكر والدنيا ظلام لأتوجه إلى المدرسة التي كنتُ فيها غريبا فليس لديَّ صداقات، لم أكن أعرف أحدا من التلاميذ وكانت الأمور تزداد صعوبة بهطول الأمطار الغزيرة، كنتُ دائما أصل إلى المدرسة متأخرا ومتعبا ولكن تلك المدرسة سأحبها حبا عظيما وسيكثر أصدقائي في الصف بعد حادثة وقعت لي. فذات صباح شتوي بارد وقد هطلت الأمطار ليلة كاملة فامتلأت الطرقات بالطين والماء، كنت خائفا من المدرِّس الذي كلفنا بواجب كتبتُه بالحبر على دفتري، وحتى لا يُمحى الحبر وضعتُ محفظتي على رأسي خوفا على كتبي من البلل، أمضيتُ ساعتين وأنا أمشي ولم أدرِ كم وادٍ قطعت وكم بِركة ماء عبرتُ دون أن ألتفت ولو مرة إلى طريق العودة حتى وصل الماء أعلى بطني أحيانا، غير أنّ الماء تسرّب إلى المحفظة فأخرجتُ دفتر الواجبات وأمسكتُه بأسناني، تسلقتُ هضابا زلِقةً مستندا إلى يديّ وتدحرجتُ من أعلى التلة عديد المرات، ولكني أحيانا أجدني أسقط وأنزلق فأقوم مرة أخرى وأنا أضغط على الدفتر بأسناني خوفا عليه من السقوط، كانت بعض السيول الصغيرة التي تتفرق في شكل أنهار صغيرة تجتمع آنا وتبتعد حينا آخر، سيول قادمة من أعالي الجبال ناحية الجنوب الغربي كانت تحمل معها فتات خبز مبتلّ ومحافظ صغيرة وأحذية مرقعة لأطفال صغار كان ذلك المشهد يزلزل ثباتي... وما يضاعف الرعب في باطني عواء الذئاب الذي يجوب الهضاب الطينية كالطنين الرهيب أو الهدير المتقطع... ولكن صوت أمي الهادئ يخترقني ويملأ أسماعي وهي تقول لي: “أنت ستكون رجلا عظيما!”.
وبعد عناء وصبر وإصرار، وصلتُ إلى إلى “وذرف” التي كان عند مدخلها ناحية ولاية قفصة حنفية عمومية قديمة صدئة لاينزل منها الماء إلا بعد أن تَرفع وتُنزل حديدة معقوفة متّصلة بها عديد المرات، كنت دائما أشرب منها الماء حتى أرتوي وأغسل وجهي ثم أواصل طريقي إلى المدرسة التي كانت أعلى هضبة، والتي يبدو بناؤها جميلا وشاهقا، فقد بنتها فرنسا زمن الاستعمار، وفي ذلك اليوم حين وصلتُ إليها لم أصدق نفسي، وقفتُ أمام المعلم عند الباب، منهكًا ألهث من التعب، مرتجفا تصطك أسناني وقد تقطّع حذائي وابتلتْ ملابسي وفي يدي اليسرى محفظتي وفي اليمنى دفتر الواجبات، كان معلمنا شديدا، لكنه عندما رآني على تلك الحالة، نظر إليّ في إشفاق أخذ مني الحقيبة ووضعها على الأرض وشعرتُ بالحزن وأنا أمدّ له الدفتر لأن الواجب الذي كتبتُه بالحبر السائل كان قد امّحى ليس بسبب الماء فحسب بل بسبب لعابي أيضا!
ورغم ذلك تناول معلّمي الدفتر بحذرٍ وتصفَّحَه، نظر إليّ بإعجاب ثم حملني بيديه الإثنتين ووضعني على مكتبه، وقال لزملائي في الصف: صفقوا جميعا لزميلكم.. إنه بطل الصف.. صفقوا..
وصفّق كل الصف لي، نسيت كل التعب والبرد عندما رأيتُ معلمي بميدعته البيضاء يصفّق لي بحرارة وعيناه تلتمعان بشكل لم أفهمه... وعندما عدتُ إلى البيت متهالكا وقد تورّمتْ قدماي وعصف الألم بجسمي الصغير، اكتسحتني الحمَّى فاستلقيتُ على حشيّة القش البالية على الأرض ورويتُ لأمي ما حصل، كان أبي قد دخل البيت بسرعة وبيده مسحاة كبيرة فقد انشغل بتحويل وجهة المياه عن بيتنا، ظل ينظر إليّ في حنوٍّ عندما سألتني وهي تضع راحتها على جبيني: هل تخاف الطريق الموحل والذئاب والمطر.. ألن تذهب يوم غد إلى المدرسة؟!
أجبتُها بإصرار: أنا لستُ خائفا... ويوم غد سأذهب إلى المدرسة ولن أصل متأخرا...
لمحتُ نظرة القوة والتحدي والطمأنينة في عيني أبي الذي وضع المسحاة على كتفه وخرج دون أن يقول شيئا، ولكني كنتُ متأكدا أنه استمع وهو عند الباب إلى ردّ أمي فقد قالت لي في سعادة:
ألم أقل لك أنت لن تكون راعيا بل ستكون أعظم رجلٍ في القرية!

* كاتب جزائري

اقرأ أيضا