الاتحاد

الملحق الثقافي

مرثية الزمن الآخر

تحصد الريح وتزرع الشوك، غيمتك عقيمة.. تجري كما النوق العطاش في صحراء متناهية.. تشعل حرائق وترحل صوب مقاهي الغربة وأزقة الضياع وحارات التيه.. تبحث عن حنان مفقود، ودفء ضائع قلت هذا مئات المرات لنساء التقيت بهن في مدن العالم. أبحرت في مراكب الهوى سلمى، سعاد، حصة، موزه، رقيه، وكلثم. دون جوان، كيوبيد اللعين، النرجسية الطاغية وحماقات لا حدود لها. عشرون امرأة عشقتهن تفاخر بتاريخك المجيد هذا. الليل والسفر والأشواق وكلمات الغرام مضرجة بمداد قلبك. يكدح صاحبك من اجل عائلته، يجلب الماء من بعيد، يجر (عربانه)، يستذكر دروسه، (يخم الحوش)، يطهو الطعام، يكرس وقتا للبر بوالدته الماجدة، وتتعلم أنت فنون صيد الفتيات.
قال لك: كلما رأيت أنثى همت بها؟ وينهاك أن أرعوي.
قلت له غير مبالي: أنت قل لي ما فعلت بمعدتك فاكهة العنب، تجري بقوة من السوق إلى البيت؟
ترسل إليك رقية نظرات والهة لا تجهل كنهها، دلع، دلال وغنج ورغبات مكبوتة، وتدعوك (...). تتسكع حول بيوت الزنك والخشب، وتغني أغنيات الغياب والفقد. جيرانك قادمون من السودان وإيران وعُمان وباكستان. ينادي الإمام الآسيوي للصلاة، والعجائز من الرجال والنساء يسبحون لله ويدعونه عسى أن تمطر السماء في آخر الليل، ويمتنع الصغار عن الذهاب إلى المدرسة.. مطر، مطر، ترنيمات المطر والشتاء، النار وريح الشمال الباردة. تغرد العصافير وتعود الظباء المهاجرة، الماعز والخراف، دجاجات أم كلثم، وتيوس خلفان الذي يسمى (البيسة السوده)، مصبح بن حمدان (يضمر) جماله للفوز بالناموس، حناجر البدو تصدح بأهازيج الحياة والعشق والخصب، ترفع رأسك شامخا مبتهجا، تندس بينهم، ترقص وتغني، تفرح تريد أن تكون نجما، لك في كل مناسبة حضورا مبهرا. وتسأل عن سر الإعجاب والاحتفاء بك، وتعود حزينا تعد العدة لمغامرة جديدة وألم جديد.
لا شيء يلجم جموحك الطاغي.. رأيت نسرا أعجبت به حرا طليقا يحلق وحده عاليا، طاردته، سقطت من فمه قطعة لحم ضخمة. نسور كثيرة تجمعت. حاولت هدم عش النسر، وعندما عجزت أبرمت معه صلحا دائما. دافعت عن جراء الذئب حين حاول رعاة الغنم حرقها في مغارتها. أصبحت صديقا للذئب والنسر. وتقول الذئب والنسر وأنا. تطارد النحل وتنبش عش الدبور وتهرب. قضيت سحابة يومك تراقب تزاوج الحشرات في البرية. امرأة يافعة تعاني من شبق جنسي عارم. يتهامس الرجال سرا..
تقول الحاجة عتيجه بنت سلطان: سوف ينزل سخط الله بنا، وينقطع المطر، ويذهب اللبن من ضروع البقر، ويموت (العود).. سيكون البرد قارسا، والحر شديدا، وتهب رياح السموم قوية تثير الغبار والطوز، وتجف (الطوي) وترفع البركة من الرزق.
وأنت تلعب الكرة خلف تلال الأمل وتنام تداعب القمر الراكض بين السحاب وقلبك في قلق يتبعه.
تهب رياح الكوس والسهيلي عذبة، ويقل العطش، ويزرع البر والشعير، وتفوح رائحة الطلح (والسخبر) (والمهتدي) (والشوع) المزهر.
تشم روائح (خبز الرقاق)، ودخان نارٌ أوقدت (بزور النخيل) وحطب السمر، وتنور الخبز الباكستاني تغزو المزارع في غفلة (النواطير)، وتسطو على (الهمبا) و(الليمون) و(الفرصاد) والنبق تغتسل في بركة مزرعة (بن مهيلة)، صاح بك شيخ كبير: وين أبوك يا ولد. عندما هاجمت حارتهم تبحث عن أعداء تقاتلهم بالحجارة والعصى من خشب (العتم) والسدر، تعود مهزوما لكنك لاتتوب، كلما هزمت زاد اصرارك، وصديقك لايخذلك، يجند لك انصارا لتلحق هزيمة مخزية بأولاد الحارة المعادية، أخذوا كرتك وهدموا ملعبك، آذوا كلبك الصغير، ركب حمارتك اثنان معا من ذوي الوزن الثقيل، وتعود إلى سرد حكايا العشق ويسكن بداخلك حب صبية تشبه الصحراء والبحر والقمر، وشجرة عالية نظرة في أوج شبابها تسقى بماء زلال تريد ظلا تستريح فيه قليلا، وترغب لو عدت إلى رشدك وحين فعلت قلت: ليتني كنت هناك. وتقول أدري نحو لا شيء أسير لكنه قدري المحتوم. رقية خذيني إليك، امنحني لحظات حب وسلام
وجهك نور، عيناك جمال لا استطيع وصفه، احترق إن نظرت اليهما. تسهر الليل كله وتحدق نحو البيوت الهاجعة بعد منتصف الليل، وتتمنى لو تقضي الليل تناجي رقية وتذهب عند طلوع الفجر.
يسافر صديقك يتعلم ويعود ذا شأن كبير، وترحل أنت إلى متاهات العبث وخيام العدم، أمامك لوحات كتب عليها نهاية الطريق. تعود مفجوعا وتذرف دموع خيبة الرجاء، تنظر إلى الخلف، تسأل أين الطريق، تقطعت بك السبل وبقيت وحيدا تهتدي بظلام الفراغ وترقب الصبح الجميل ان يأتي. تدرك فجأة انك قد فقدت الطريق من جديد. وتتخذ قرار العودة لكنك لا تعود. قلت سوف أخلد إلى السكينة. تريد أن تمحو ما علق بذاكرتك. تكتب مرثية للزمن الآخر. تعزي نفسك في دهر مضى مسرعا. تتوسل إليه: قف، ولا يجيب. وأنت أبدا لا تتغير.

اقرأ أيضا