الاتحاد

الملحق الثقافي

فضاءات متمازجة

في رواية “أنثى مفخخة” للروائية السعودية أميرة المضحي تتكون جملة عنوان الرواية من جملة اسمية في حالة التنكير، تستبدل فيها مفردة امرأة بأنثى بدلالة الإطلاق والانتماء إلى الطبيعة البكر بديلا عن مفردة (امرأة) التي تنتمي الى صناعة مجتمعية، لها علاقة بالتدجين المجتمعي، في حين تنفلت مفردة الأنثى من هذا التدجين، وتنطلق حرة في فضاء الطبيعة التي تضمها إلى أفراد جنسها من الإناث في المملكة الحيوانية الواسعة، ويأتي تنكير المفردة، ليضم هذه المفردة في فضاء وأفق أوسع في الدلالة والإيحاء. وقد اتضح كل ذلك في متن الرواية... ولإضاءة مفردة (مفخخة) ماذا تستطيع فعله روائية سعودية تعيش في مجتمع محافظ؟؟

نفي الذات
لقد فضلت الروائية اختيار (النفي) تقنية روائية، لإنارة هذه الثيمة حين استبدلت مفردة (امرأة) بمفردة (أنثى) أولا، ثم نفت المكان الطبيعي الذي يمكن ان تجري فيه أحداث الرواية (السعودية) بمكان بديل هو بيروت ومدينة ميامي في ولاية فلوريدا الأميركية ثانيا، كما نزعت عن الشخصية الرئيسية في الرواية انتمائها الديني واستبدلته بدين آخر (مسيحي) ثالثا، في حين أبقت على ديانة شخصية الرجل في الرواية وجنسيته (سعودي مسلم، من مدينة الخبر، متزوج من امرأة سعودية، من أب سعودي وأم لبنانية مسيحية مطلقة)، وخلال ذلك عقدت علاقة مصيرية بينهما: الأنثى/ ميراي (مسيحية لبنانية من عائلة متنورة، أصلها من مدينة جبيل، وتسكن في حاضر السرد في الاشرفية ببيروت حاصلة على شهادة في الهندسة المعمارية ثم شهادة ماجستير ودكتوراه من أميركا في التصميم الهندسي، أبوها طبيب جراح) ووليد السعودي.

دلالة النفي
تجري الأحداث الرئيسية في بيروت التي تبدو في فضاء الرواية مدينة منفتحة بمعظم شخوصها وأحيائها وتراثها الديني، ومدينة بيروت تظهر في الرواية فضاء، وليس مدينة آهلة بالسكان، والتناقضات والاحتراب الطائفي عدا إشارات عامة عن شراسة الحرب وتأثيرها على شخصية ميراي وعائلتها، وهي في الرواية اسم لإحياء محددة وأماكن سياحية عامة مقاه ومتاجر للتسوق، وبذلك تبدو التفاصيل القليلة عن المدينة وكأنها تفاصيل بعين سائح خبير، وكذلك الحال مع مدينة ميامي كفضاء مكمل لبيروت في رحلة العشق بين ميراي والسعودي وليد.

مفخخات الأنثى
الشخصية الرئيسية في الرواية (ميراي) تمتلك مقومات الحياة الحرة غير المنضبطة بقوانين، فهي التي تقرر ما تريد وتفرض على عائلتها الاستجابة لمطاليبها، كما أن أجواء بيروت عشية الحرب الأهلية في لبنان سائبة لا يتحكم فيها قانون سوى نظرات الناس الاستنكارية التي لا تفعل شيئا، مما يسمح لميراي الأنثى أن تفعل ما تشاء، فهي تجلس في مقهى تطلب فيها من النادل (أن يجلب لي كأسا وعلبة سجائرص 12) وهي تتخذ قرارها بالسفر إلى الخارج على الرغم من معارضة أهلها (اتخذت قراري النهائي بالسفر إلى ميامي ولم يستطع احد إقناعي بالعدول عنه ص 38) وميراي لا ينقصها شيء فهي تتحرك بحرية وتقابل من تشاء وتفعل ما تريد وهي ترفض من يتقدم لها بالزواج لأنها تؤمن بشعار (لن أتزوج لمجرد الزواج... ص 107) بحيث تبدو أنها ليست بحاجة إلى رجل، وأنها تتصرف تصرف الأنثى التي لا تقبل بأي ذكر، ولكنها حالما تشعر برغبة الأنثى إلى ذكر فأنها تندفع بقوة لتحقيق رغبتها في الامتلاك شأنها شأن الإناث في الطبيعة، وبوسائل انثوية وليست قسرية وقد تحقق لها ذلك في ميامي في سفرتها الأولى إليها للحصول على الماجستير حين قابلت هناك الذكر الذي تريد: (التقت عيناي عينيه فشعرت بشحنة كهربائية تسري داخل جسمي. نظراته ذبحتني من الوريد إلى الوريد وسقطت أمام سحر ابتسامته (...) فرطت دقات قلبي عن إيقاعها المعتاد وقلبي يخبرني بأني وجدت من أحلم به فارسا يأتي على حصانه الأبيض ويأخذني معه ص 13). وعلى الرغم من معرفتها انه زوج وبقناعات رجل مسلم محافظ، وعلى الرغم من إهماله لها وعدم التصريح لها بحبه ثم سفره المفاجئ إلى السعودية، كل ذلك لم يثنها عن التعلق به وشعارها (لقد صنعت من جنوني قصة حب خرافية ومستحيلة ص 34) كل ذلك يشير أنها أنثى مفخخة بما يتجاوز طلبات وأحلام المرأة العربية المعاصرة، فهي في الرواية، تمتلك كل المقومات التي تطمح اليها المرأة المعاصرة: الحرية في العمل، التنقل والسفر، اختيار شريك الحياة، ارتداء الملابس وقصات الشعر وكل ما يتعلق بموضات النساء، وأخيرا تمسكها بالذكر الذي تريد (وليد) واصراراها على الاقتران به على الرغم من انه مسلم وقادم من تخوم التراث والتحفظ من مجريات التقدم البشري خصوصا فيما يتعلق بالحرية الشخصية غير المنضبطة للمرأة.
إذن ما الذي تطمح له ميراي الأنثى؟

دلالة العنوان
سنجري استبدالا بين الأمكنة الروائية والشخوص لنستكمل قراءة هذه الرواية بالعلاقة مع ثريا العنوان ذي الدلالات الثرة، الإجراء الأول نستبدل فيه مدينة بيروت بمدينة الخبر السعودية، بديلا عما ورد في الرواية، فالعنوان يشير إلى أنثى مفخخة، على قوانين وأنماط قاسية من الحياة هي نفس الأنماط والمحرمات التي رددها وليد عليها عندما اصطحبها كزوجة إلى مدينة الخبر: (أعطاني وليد قائمة من الممنوعات. ممنوع أن يظهر شعري، وان اغمره واقبله في مكان عام، أو أمارس الرياضة، أو اشرب فنجان قهوة مع صديق أو زميل أو جار أو أن ادخل مبنى حكوميا، أو اركب سيارة أجرة. ممنوع إبداء الآراء السياسية أو الحديث عن أي مطالبات حقوقية أو إصلاحية، أو انتقاد القوانين الحكومية مهما بدت لا منطقية أو متخلفة، كما لا يجب أن يرى احد الصليب في عنقي أو أجاهر بديني أو أتحدث عنه فقد يعتبرونه تبشيرا وهذه جريمة يعاقب عليها القانون ص 153) هذه الممنوعات في مدينة الخبر وليست في بيروت، الأمر الذي يسمح لنا أن نتجاوز الانتماء الأول للأنثى في بيروت واستبداله بمدينة الخبر التي تتجلى في الرواية مدينة (إسمنتية بلا أشجار ولا غيوم ولا قمر، (...) بيوتها متشابهة ولا يطل احد من شبابيكها شوارعها خالية من المشاة مدينة متسلطة... ص 153)، فهي ـ في قراءتنا ـ المدينة التي تنتج أنثى مفخخة. أما الاستبدال الثاني فيتعلق بشخصية الأنثى ميراي المسيحية، التي لا يمكن أن تعيش في مدينة الخبر بمواصفات الحياة في بيروت، الأمر الذي يسمح لنا بإعادتها إلى موطنها الأصلي ـ مدينة الخبر ـ وديانتها ـ مسلمة ـ أما الصفحات الطويلة لحياة الأنثى ميراي في بيروت وميامي وعلاقاتها وحواراتها ومناجاتها بمفردات الديانة المسيحية فهي ـ من وجهة نظرنا ـ استعارات مشخصة لحرية المرأة.

الاستبدال والشخصيات
لقد كان استبدال الخبر ببيروت والإسلام بالمسيحية، في فضاء الرواية وشخصيتها الرئيسية ميراي، تقنية روائية جديدة تمتلك إمكانات التأويل المنفتحة على قراءات متنوعة، وهي تمثل تقنية هجاء مبطن للمساوئ الكبيرة المجحفة لأنظمة الحكم الجائرة بحق المرأة بديلا عن التشخيص الفعلي لتلك المساوئ في حركة السرد لأنها معروفة ومعاشة بشكل يومي الأمر الذي يجعل من سردها تكرارا مملا أولا وإعادة للثيمات الروائية التي كتبتها الروائيات العربيات او الروائيون العرب ثانيا، على خلاف ما جسدته الروائية المبدعة أميرة المضحي في روايتها الجديدة فعلا، حين أبحرت في صياغة حياة منعشة للذات فيها كل مقومات الحياة الطبيعية للرجل والمرأة، وقد أطرتها بمخاوف واقعية من الحرب الأهلية التي جعلت من بيروت جحيما لا يطاق الأمر الذي دفعها لاختيار دبي الآمنة لتعيش فيها مع زوجها وليد فهي المدينة (النائية عن التطرف والإرهاب والتخلف ص 166). وكان ذلك قبيل الانفجار الهائل الذي وقع في بيروت في 14 شباط 2005 حيث قتل فيه رئيس الوزراء الليبرالي رفيق الحريري وما له من دلالات في واقع الحال وفي واقع الرواية حين جاء خاتمة لها، وقد وضع حياتها معلقة بين الحياة والموت، وهو كناية عن عسر هذه الولادة للأنثى الحرة في فضاء منفتح على تطلعاتها.

اقرأ أيضا