الاتحاد

الملحق الثقافي

لص الأعمار يسرق الوقت

لم تدرس تجربة الشاعر أحمد راشد ثاني نقدياً بالصورة التي تستحقها على الرغم من كونها من أهم التجارب الشعرية في المشهد الشعري الإماراتي، بل إن حدث صدور بعض أعماله كان يمر دون أي مواكبة نقدية، ومن تلك الأعمال ديوانه الذي صدر قبل عامين تحت عنوان “حديثي عن الآبار يشرب”. في هذا الديوان نتلمس جملة من الخصائص الأسلوبية التي تميز بنية القصيدة الشعرية عنده، إضافة إلى الهواجس والقضايا التي كانت تشغله، وفي المقدمة منها قضية الموت الذي ظل يرافقه سنوات عديدة من عمره القصير، وعلاقته بالمكان الذي يتوزع بين البحر والصحراء، لاسيما على مستوى بنية الصورة الشعرية الاستعارية، وما تنم عنه من حضور نفسي ووجداني وجمالي كان يميز تلك التجربة في أعماله المختلفة كنوع من الإخلاص للمكان الذي ينتمي إليه، ويشكل ذاكرته الحية التي تتغذى منها تلك التجربة.

عبور القارئ
تقوم استراتيجية العنونة في هذا الديوان على تقسيم العنونة إلى عنونة محورية تبلغ أربعة عناوين هي (يا صحراء، رائحة الورق، أحاديث غبار، عبور الرصاصة)، ويتوزع كل عنوان منها على مجموعة كبيرة من العناوين التي تتميز ببنيتها الشعرية من خلال علاقة الارتباط الوثيقة بين العنوان والمتن، حيث يحيل كل منهما على الآخر، ما يجعل العنوان يشكل علامة دالة على النص. ويظهر العنوان الفرعي للقصائد من خلال ثلاثة مستويات أولها وصفي كما يتجلى في الجمل الاسمية أو الصفات، وثانيهما إخباري، أما المستوى الثاني فيحل التنقيط مكان الكتابة ويسمى انزياح الصمت بحيث يترك للقارئ حرية ملء الفراغ بالعنوان الذي يجده مناسبا، وهذا يستدعي قراءة النص أولا لإدراك محاوره الدلالية.
على صعيد البنية اللغوية يتميز العنوان غالبا باقتصاده اللغوي الشديد والذي لا يتجاوز في بعض الأحيان كلمة واحدة أو ضميراً، وبذلك يحيل العنوان على المتن الشعري الذي يتصدره من حيث التكثيف الشديد للغة التي نجدها في بعض النصوص لا تتجاوز سطرين أو ثلاثة أسطر شعرية “البيضة الأولى، لص الأعمار، دائما، الذي، للمرة الأخيرة، هذه الأمواج، قرص الحليب، خورفكان، أحد، قبل كل شيء). في حين تتميز تلك العناوين على مستوى بنيتها النحوية بأنها إما هي جملة اسمية حذف غالبا مبتدأها (اللفافة الأخيرة، القنينة الفارغة، أوراق في حقيبة، حمامة الريق، ضحكة السفر...) أو شبه جملة (في العاصفة، على السرير، في نقطة الحجر، للمرة الأخيرة...)، في حين تظهر جملة الفعل الناقص في عنوان واحد أو شبه المفعول المطلق أو الجملة المنفية في عناوين مفردة، بينما يغيب الفعل بأشكاله الثلاثة عن تلك العنونة ما يحمل دلالة تحيل على موقع الشاعر داخل النص، وهو موقع ينحصر غالبا في الوصف والإبلاغ عن الحالات والذكريات والهواجس التي يعيشها الشاعر ويرغب في أن يتشارك فيها مع القارئ، وهي في النهاية تعبر عن علاقة الشاعر مع العالم وموقفه منه.
إن تقسيم هذه العناوين من حيث بنيتها اللغوية والنحوية والدلالية لا يعني أن هناك انفصالا فيما بينها، بل اقتضتها ضرورات الدرس النقدي فعلى مستوى البنية الدلالية نلاحظ أن تلك العناوين تحمل في الغالب دلالات زمنية أكثر مما تحمل دلالات مكانية، إذ تنحصر الأخيرة في اسم المكان الذي عاش فيه طفولته وشبابه الأول وعاد إليه بعد رحيله (خورفكان).

العلاقة مع المكان
إن الحديث عن محدودية ظهور اسم المكان في العنونة لا يعني أن العلاقة مع المكان شبه غائبة عن نصوصه، بل على العكس فإن المكان يبدو حاضرا بقوة فيها، سواء من خلال صورة المكان الطبيعي الذي ينتمي إليه الشاعر، وفي المقدمة منه ثنائية البحر والصحراء بصورة مباشرة أو بما يحيل إليها، أو في تشكيل الصورة الاستعارية التي يشكل المكان محورها الأساس.
في المستوى الأول يبدو خطاب الشاعر موجها إلى الصحراء أو البحر بصورة مباشرة لا بوصفهما عنصرين طبيعيين تتشكل منهما البيئة الخليجية، بل لكونهما رمزين يحملان دلالتين مختلفتين، إذ يحيل الأول إلى الجدب والوحشة والعدم في حين يرمز الثاني إلى تدفق الحياة وصخبها، الأمر الذي يجعل العلاقة معهما تتخذ منحيين مختلفين ففي حين تبدو العلاقة مع الصحراء توحي بالصراع والبحث عما يكسر عدمها ويهبها الحياة الخصبة:
يا صحراء.../ أنا نبع يدّق الليل/ على أبواب رملك/ في العاصفة/ ألا افتحي عن مجرى؟ ألا انفرجي عن بئر/ ألا قومي في الغيم.
وفي نص آخر نجده يخاطب الصحراء أن تبتعد لكي يتقدم البحر بأمواجه الخفيفة أكثر:
أجلس البئر إلى جانبي/ وأعد الشاي للوقت/ ابتعدي يا صحراء/ وتقدّم بثياب أمواجك الخفيفة أيها البحر. في هذا النص نلاحظ أن الشاعر يخاطب الصحراء كاسم نكرة غير معرف، عندما يخاطبها دون استخدام أداة التعريف على العكس من كلمة البحر المعرفة بأل التعريف، كذلك يستخدم صيغة المؤنث في مخاطبته للصحراء بينما يستخدم صيغة التذكير للبحر، وكل منهما يحملان دلالة معروفة في اللغة العربية التي تقوم قاعدة اللغة فيها على التذكير.
ويكشف خطاب الشاعر إلى البحر في نصوص أخرى عن العلاقة الحميمة مع البحر والتي ساهمت علاقته المبكرة منذ الطفولة معه في تعميقها ومنحها تلك الألفة والدفء، الأمر الذي يجعل قاموسه الشعري يحتوي على الكثير من المفردات التي تحيل على عالم البحر كالموج والماء والقوقعة وكاسر الموج، إضافة إلى تلك اللغة التي تدّل على مدى ارتباط الشاعر بالبحر من خلال هذا البوح الحميم إليه:
اغفر أيها البحر للأعمار/ ندمها القديم/ وامنح هذا الوحيد/ الجالس على “دكة” أمواجك/ الغريب القريب/ بين يديك/ يستبد به القلق/ وجيشان الخيال.
إن المكان في القصيدة هو خليط من أمكنة واقعية وأخرى متخيلة وحلمية، والصورة الشعرية هي تشكيل مكاني بامتياز حيث تتجلى نجاعة الصورة في قدرتها على جعل المكان حيا ينبض بالحركة والمعاني المعبرة عن الحالة النفسية للذات وعن علاقتها بالعالم. وفي نصوص الشاعر يمثل المكان العنصر المشكل للصورة الاستعارية الدالة والموحية وغالبا ما تظهر جدلية العلاقة بين المكان والزمان في تلك النصوص مكثفة لمضمون الحالة التي يعيشها الشاعر، أو معبرة عن التجربة بأبعادها الوجودية والذاتية خاصة عندما يكون هناك انفصام في تلك العلاقة، أو تكون حركة الزمن غير ذات معنى يدل على التحول والتغيير:
يمرح الظل التائه/ العتمة تلوذ بالأبواب/ السقف يذوي/ والجدار يرتاب../ ماذا ستفعل أيها الصباح/ حين ستأتي بعد ذلك؟.

الموت كهاجس دائم
يطغى حضور الموت في نصوص هذا الديوان بعد أن استحال إلى هاجس يعيشه بعد تفاقم وضعه الصحي، وبعد أن أحس بثقل تجربة الحياة التي عاشها والتي يعبر عنها بذلك الشعور الصادم لرجل كان مقبلا على الحياة (أنا طفل بسن الشيخوخة)، ما يدل على الحالة التي كان يواجهها في مواجهة شرطه الصحي الذي قهره في النهاية. يتجلى الموت في مستويات عدة منها الظهور الملحوظ لمفردات الموت في قصائده، أو خطابه الموجه مباشرة إلى الموت، أو الصورة الشعرية الدالة على هذا الشعور به كما يخاطب الشاعر نفسه في مقطع من قصيدة “لن تكون” التي يتحدث فيها عن نهايات حياته التي باتت محتومة:
غدا لن تستطيع أن تكون فردا/ فالبحر سيدفن أمواجه في صدرك/ وستنتهي السماء في عينيك/ ما دام قبرك مفتوحا على اللذة/ غدا لن تستطيع أن تكون. ولعل ذروة هذا الشعور تتجلى في علاقته مع حفار قبره، حيث يتبادل الشاعر الأدوار معه في لعبة تراجيدية تعبر عن مدى سخطه ونقمته تجاهه، بينما تأتي جملة الختام التي تتخذ صيغة سؤال استنكاري معبرة عن مأساوية تلك اللحظة الدرامية الفاجعة:
عندما يأتي حفار قبري/ ليطرق زجاج حياتي/ لن أدخل يديه/ في منزل موتي... سأتركه هكذا/ حياً في ظلامه/ كشمعة بلا عيون/ ومن ثم سأعود إلى قبري/ برباطة جأش/ وقد أخبرت غرابي/ أن ينعق في أذنه/ كلما نطق/ ـ أيدفنني/ وأنا ميت؟.

اقرأ أيضا