الاتحاد

الملحق الثقافي

حقيقة الشعر لا حقيقة التاريخ

«الشاعر رغم كل المحاولات التجديدية ـ اذا استثنينا قلة من الشعراء ـ لا يحتفل كثيرا بخلق المبنى الشعري وبتطويره، وإنما هو أسير لحظة انفعالية تتخلق فيها القصيدة، وربما كان المزيد من الثقافة للشاعر الحديث أمرا ضروريا ينتصر به على الغنائية والسطحية ؛لأن الشاعر لم يعد مغنيا حاذقا، بل أصبح مفكرا حاذقا، يريد ان يعيش زمنه بوعي وبصيرة».
إحسان عباس ـ اتجاهات الشعر العربي المعاصر


اقتراب الدكتور إحسان عباس في وقت مبكر من التنظير لحركة الشعر الحر رغم اعتراضه على المصطلح، تمنحنا دلالات عدة أهمها كسر الحاجز بين الأكاديمي والأدبي، وتجاوز الحدود التي وضعها الأكاديميون التقليديون ورسخوها في دراساتهم حول الأدب العربي، وأشاعوها كقناعات وقيم بحثية في الدراسات العليا في الجامعات العربية التي ظل الشعر الحديث من منظورها ـ كما الحداثة ذاتها ـ من المحرمات التي ينتهي عنها الطلاب ويُمنعون من الاقتراب منها.
ولكن إحسان عباس تقدم بأطروحته حول البياتي والشعر العراقي الحديث مبكرا وفي الخمسينيات تحديدا؛ ليدمج الأكاديمة الرصينة بالمناهج الحديثة التي لا يمكن حصر جهوده في واحد منها؛ لأنه تنقل بوعي نقدي حر بين أغلبها مستفيدا في تحليلاته الفنية من كشوفها واستنتاجاتها.

الشعر مستقلا
في كتابه اللافت والمؤثر في كثير من الدراسات اللاحقة للشعر الحديث وقضاياه العامة “إتجاهات الشعر العربي المعاصر” الصادر مطلع عام 1971 يطالعنا إحسان عباس بعصارة علمه وذوقه معا، ومتابعته للشعر الحديث بمناخاته المتنوعة متابعة دقيقة، محققا أكثر من هدف، فبجانب ما ذكرناه حول تخطي الأكاديمي أسوار الثوابت والتابوات المدرسية التي تقصر التحديث على فترة النهضة والإحياء ونتاجهما، وتُنكر التجديد والتحديث بمبررات شتى، كان للكتاب دلالات كثيرة، منها اقتران ما هو تنظير مجرد بالتطبيق والتحليل، وهو ما اختاره الكاتب على مستوى الإجراء المنهجي بعد التمهيد النظري للقضايا العامة المتصلة بالحداثة في الشعر المعاصر، وما تكوّن من اتجاهات داخله، وإضافة للتطبيق نجد الحرية التي منحها الكاتب لنفسه على مستوى اختيار العينات النصية؛ فتناول قصائد لشعراء مختلفي المنطلقات؛ فالتقت نصوص سميح القاسم مثلا بحسّها العالي وصوتها الثوري المباشر بقصائد أدونيس الذاهبة إلى العمق الروحي واللغة المغايرة، وأخطر ما في الكتاب مواجهة إحسان عباس المباشرة للشعر السياسي أو الملتزم الذي يخلط التاريخي بالشعري، فيما يصف جهده بأنه بحث (عن حقيقة الشعر لا حقيقة التاريخ) فالدراسات التي تحيل الشعر إلى وثائق تغدو (أشبه بالعرض التاريخي والوصف السطحي لمظاهر لا يعد الشعر أهم شواهدها ووثائقها).
وبدلا عن تقسيم اتجاهات الشعر المعاصر إلى اتجاه قومي وآخر سياسي وسواهما، اختار منهجا يرى أنه أقرب إلى العمق الذي تكتنزه (روح الشعر الحديث) وليس شكله فقط من حيث الاحتفاء بالحرية وبالإنسان وبتراثه الحضاري والاسطوري، وكشف مواقف الشعراء المعاصرين من المدينة، والمرأة، والمجتمع، والحب، والزمن، والتراث، بجانب الانتباه للبدايات الأولى للشعر الحر. ورغم ابتعاده عن التوثيق يجد الكاتب نفسه في موقف المذكِّر بتلك البدايات، وما كان يحف بها من سياقات تداولية خاصة، مشجعةً كالمجلات المخصصة للأدب الجديد كالآداب وشعر، ودور النشر التي بدأت تنشر أعمال الشعراء المجددين، والتعاضد والتضامن غير المعلن بين الشعراء، أو ما أعاقها وعطّل سيرورتها، ويسمي منها ثلاثة عوامل أيضا، أولها الأغنية التي شاعت بشكل يؤذي ذوق الجمهور ويباعد بينه وبين تذوق الشعر، والملتقيات والمنابر الشعرية التي تحث على الإلقاء وتكرِّس الطبائع المباشرة والمزايا التوصيلية السطحية على حساب العمق والأفكار، والمدرسة التي يرى أن المعلم فيها يتجنب نصوص الشعرالحديث لصعوبة توصيلها للطلاب، ويستسهل الشعر التقليدي المفصح عن معانيه بمباشرة وخطابية.

اشتباك معرفي
لا يدع إحسان عباس الفرصة دون ان يعترض على الفوضى الاصطلاحية وما رافقها من خلخلة في المفاهيم، كاعتراضه على مصطلح الشعر العمودي، والشعر الحر مشاكسا نازك الملائكة رغم اعترافه بقيمة مشروعها التجديدي ودفاعها النظري المبكر عنه، وكذلك لا يخفي قلقه بشأن وصف (المعاصر) رغم استخدامه في عنوان كتابه، ويصفه بأنه لفظ مخادع زمنيا كمصطلح الحديث؛ فالمعاصر قد يتمدد ليشمل الشعر منذ مطلع القرن، وقد تتقلص دلالته لتشمل شعراء الحقبة الأخيرة، وهو ما اختاره الكاتب ليقتصر على شعراء العقود الثلاثة الأخيرة، أي منذ مطلع الأربعينيات حتى زمن كتابة بحثه، معللا بما شهدته تلك العقود من حركة زاخرة بالنصوص الجديدة، وتنوع اتجاهاتها فضلا عن شحة الدراسات التي تناولتها. كما يتأنى في استخدام التحليل و(التشريح) وصفا لعمله على النصوص التي اختارها للتعرف على اتجاهات الشعر المعاصر، وما أسماه (الركائز) الفاعلة فيه، وبشرط (التبسيط )الذي كان ـ كما يبدو لي ـ مطلبا من الناشر، وملاءمةً للطبيعة الجماهيرية للسلسلة التي صدر ضمنها الكتاب (عالم المعرفة ـ الكويت)، ولكنه اكتشف كما يصارح القارئ بأن التبسيط كان موضع صعوبة حقيقية؛ لأن الشعر المعاصر بطبيعته لا يكشف مباشرة عن محتواه، وإنما يتقنع بغلالة من الغموض والرمزية التي تتنافى والتبسيط، كما أن مهمة الشعر الحديث تطورت لتغدو تفسيراً وتغييراً للعالم، لكنه مع هذا الفهم لوظيفة الشعر يرفض توظيفه لصالح نشر الإيديولوجيات، مؤكدا عدم وجود شعر ماركسي مثلا بل شعر متأثر بالماركسية! رغم أن قانونه السابق حول التغيير والتفسير يذكرنا بقانون ماركسي بصدد المؤرخ الذي لا يكتفي بالتدوين، بل تفسير الحوادث وإمكان تغيير العالم نفسه.
وفي مناقشته المستفيضة لرأي نازك الملائكة في محدوية الحرية الممنوحة للشاعر يكشف عن انحياز واضح لإطلاق الشعر من قيوده، رغم أنه تجنب الحديث مطلقا عن قصيدة النثر مثلا، وعن تيارات شكلية في القصيدة الحرة كالتدوير والسرد.
لكنه في درساسة مواقف الشعر من القضايا التي اختارها مقياسا للاتجاه يسترسل في سبر أغوار النصوص وما تحمله من إشارات حول موضوعها، وما استجد من تقنيات داخلية ربما كان إحسان عباس رائدا فيها، كالموقف من المدينة ودلالاتها الرمزية طبقيا ونفسيا في شعر الأجيال الأولى من شعراء الحداثة، ويمكن اعتبار مباحثه رائدة دون جدل في تصنيف الاستعانات التقنية، كالقناع والمرايا، وكذلك في تشكيلات الاسطورة ومستوياتها، وتوظيف التراث في النصوص بأنواعه المختلفة شعبيا كان أو تاريخيا او إنسانيا.

الرصانة والحرية
يفلح إحسان عباس في المحافظة على روح منهجية منضبطة تسم بحثه على مستوى الإجراءات والربط السببي، وتصنيف الظواهر، وتعقب دلالات النصوص والمؤثرات الفاعلة فيها، مستفيدا من قراءاته في نظرية الأدب باللغة الإنجليزية، لكنه يتخذ من الحرية في الاختيار النصي موقفا يحدد صلته بالنصوص على أساس قيمتها الفنية أولاً، ومقدار خدمتها للفرضيات النظرية التي طرحها. ولا يستبعد في مجال التأثر والتأثير أن يكون للسوريالية أثرها الكبير في غموض الشعر الحديث وهجر المباشرة ونبذ انكشاف المعاني، وهو أمر خلافي كما أرى؛ لأن السوريالية لم تُقرأ منفصلة عن التحديث في الشعر الغربي، ومثّلت مقترحا فنيا في المقام الأول تأخّر وصول تداعياته على مستوى الأدب لفترة لاحقة، ربما كان جيل الستينيات أكثر قربا منها، إذا اعتبرنا البيانات الشعرية والتكتلات والجماعات إحدى المظاهر الثقافية للسوريالية، وبيان بريتون وما تلاه من توسيعات نظرية واجتهادات وانشقاقات أيضا في الحركة ذاتها.
ولا يمكن القبول بافتراض السوريالية مؤثرا وحيدا في ظاهرة الغموض في الشعر العربي المعاصر، لأن دوافع أخرى كثيرة لا مجال لذكرها مفصلة هنا كان لها تأثير في ذلك، أهمها طبيعة الشعر الحديث نفسها، واللغة، والإيقاعات، والصور، وهي صادمة لأفق المتلقي وتكوينه الذوقي ومعرفته بالنوع الشعري عبر تراكم نصوصه، وكذلك بسبب الاستعانات التي ذكر الكاتب كثيرا منها، ما وسمَ القصيدة الحديثة بالغموض. لقد عدَّ إحسان عباس الغموض ظاهرة فنية داخلية فحسب، ولم يتوسع لموقف التلقي؛ لأنه يسمي اتجاهات ويتعقب ظواهر ولا يقف عند التداولية وأثرها في صلة النص بالقراءة. وهذا ما كان سيعطي الكتاب صفة الريادة في النقد الثقافي الذي مهد له إحسان عباس حين درس موقف الشعر من المدينة والمجتمع والحب والمرأة في فصول ضافية، سيوسعها من بعده باحثون أكاديميون ونقاد ودارسون للشعر الحديث حتى داخل الجامعة التي امتد إليها مطلب إحسان عباس بدراسة تلك الظواهر، بدل اللجوء لما يراد أن تشهد عليه القصيدة من وقائع توثيقية..
وإذا كانت دراسة التطورات الشكلية غائبة باعتراف الكاتب؛ فإن دراسة التقنيات الأسلوبية قد عوضت عنها. ويمكن لنا أن نمثل بتوصلاته في باب واحد لنؤكد عمق تناوله ودقة تصوراته وكذلك أثره في الدراسات اللاحقة، وهذا الباب هو موقف الشعر من المدينة، حيث صنّفه إلى أنواع بحسبب سبب الصدام بين ذاتين: الشاعر والمدينة، ورأى أن الشعراء الملتزمين (يشتركون) في اتخاذ المدينة مرايا تعكس مواقفهم الإيديولوجية، فيما يقرر أن للمدينة وظيفة (وسائطية) تتصل بكونها وعاء حضاريا يستغله الشاعر لتصوير التمزق والضياع، ويجعله إطارا لفلسفته. فالصدام بين الشاعر والمدينة لا يعني مقتا للحضارة ووسائلها، بل هو تعبير عن (عدم الالفة) بينهما لأسباب يسمي منها إحسان مشاعر الريفي الأول ونفوره من المدينة وضجيجها وازدحامها، ويمتزج ذلك بالحنين للأم، او تصوير المدينة امرأة متعهرة بدلالة أنوثتها وإغوائها، وهو ما سينجو منه وعي الشعراء اللاحقين الذين يرى إحسان عباس في دراستهم إضافة لمسيرة الشعر المعاصر، وتعميق روحه المفعمة بالإنسانية والحرية والخلق.

اقرأ أيضا