الاتحاد

الملحق الثقافي

كثير من الدين.. قليل من السياسة

الكنيسة والدولة، أو البابا والرئيس، ملف مفتوح في مصر منذ عقود وتحديدا منذ تأزم العلاقة بين الرئيس الراحل انور السادات والبابا شنودة الذي رحل مؤخرا، وبلغت الأزمة ذروتها في 5 سبتمبر 1981، حيث اعتبر السادات ان البابا واحد من معارضيه الذين يهيجون الرأي العام ضده، خاصة بعد ان اتجه للسلام مع اسرائيل، وقرر السادات إبعاد البابا من مقره الى الدير فيما يشبه النفي الداخلي أو العزل وشكل لجنة خماسية لإدارة شؤون الكنيسة.
الباحث المتخصص في الشأن القبطي هاني لبيب وضع كتابه “الكنيسة المصرية.. توازنات الدين والدولة” لدراسة هذا الملف ويتناوله منذ قيام ثورة يوليو عام 1952 وحتى اللحظة التي نعيشها.

أخذ ورد
يشير المؤلف إلى أنه حين قامت ثورة عام 1952 كان الانبا يوساب الثاني هو البطريرك وقد انتخب لهذا الموقع في عام 1945 إثر وفاة الانبا مكاريوس في نفس السنة أثناء حكومة النقراشي باشا، وتم تنصيبه في 14 مايو عام 1946 في ظل حكومة صدقي، وفي يوم التنصيب صدر الأمر الملكي بتعيينه، وبدأ عهد الثورة بأزمة حقيقية داخل الكنيسة، اذ قامت جماعة الأمة القبطية باختطاف يوساب الثاني واحتجازه في دير البنات وتوقيعه على التنازل عن البطريركية، وكانت العلاقة قد ساءت بين البابا والمجلس الملي بسبب خادم البابا ملك جرجس الذي كان يفرض الإتاوات على الكنائس والاديرة ويتدخل في تعيين الكهنة والاساقفة والمطارنة، وقيل انه كان يسيطر تماما على البابا، لكن وزارة الداخلية قامت بتحرير البابا والقبض على أعضاء الجماعة واصدار قرار بحلها، وكان المحامي ابراهيم هلال هو من أسس الجمعية في 11 سبتمبر 1951 وكانت الجمعية في بداية أمرها على صلة طيبة بالبابا وبالكنيسة، ثم اجتمع المجمع المقدس وقرر إعفاء الأنبا يوساب من موقعه وتشكيل لجنة ثلاثية لإدارة الكنيسة، وأقر المجلس الملي بما حدث وتم استبعاد الأنبا يوساب الى دير المحرق في 24 سبتمبر 1956، وبعدها تم انتخاب الأنبا كيرلس في عام 1959 ليكون بطريرك الكنيسة المصرية وبقي في موقعه حتى وفاته في نوفمبر 1970 ليخلفه البابا شنودة الثالث الذي عاصر الرئيسين السادات ومبارك ومن المقرر ان يتم انتخاب البابا الجديد خلال 3 شهور ليرافق انتخاب رئيس جمهورية جديد في مصر.
يلاحظ الباحث ان شأن الكنيسة المصرية يتم تداوله بين الباحثين من خلال العلاقة بين البابا والرئيس، وان ذلك يعد اختزالا مخلا للملف القبطي يضر بالدولة وبالكنيسة معا، والحق ان العقود الاخيرة اختزلت الشأن القبطي الى ان يكون ملفا أمنيا بامتياز ترعاه وزارة الداخلية وتحديدا مباحث أمن الدولة ويشرف عليه الرئيس والبابا.. ومن هنا كانت العلاقة بين الطرفين مهمة، شهدنا ذلك في العلاقة الودودة بين الرئيس جمال عبدالناصر والأنبا كيرلس، وكانت هذه العلاقة موضع اندهاش الكثيرين الى حد ان الاقباط نسبوا بعض المعجزات للبابا كيرلس ومنها انه قام بشفاء ابنة الرئيس عبدالناصر مرة وهي مريضة، وأنه شفى الرئيس نفسه، ولم يكن ذلك صحيحا وليس فقط لان الشفاء من الله ولكن لأنه لم يحدث، ولم يكن عبدالناصر نفسه من المؤمنين بهذه الخزعبلات، ولعل مصدر هذا اللغط كان هو الارتباط القدري بين وفاة الزعيم والبطريرك. وصعد البابا شنودة الى موقعه متزامنا مع صعود الرئيس السادات.. ويرحل البابا شنودة متزامنا مع تخلي الرئيس مبارك عن الرئاسة، والمعروف ان البابا شنودة الثالث قضى العام الاخير يصارع الموت.

شد وجذب
وشهدت العقود الأخيرة حالة من الشخصنة للمؤسسات والهيئات في مصر، فأصبح الشخص هو محور العمل ومصدره ومن هنا كانت اهمية وجود البابا شنودة على رأس الكنيسة، وكانت علاقته الودودة بالرئيس حسني مبارك مدعاة لتجنيب الكنيسة المشاكل وتجاوز معظم الازمات، ولعل ازمة السادات ـ شنودة لعبت دورا فيما بعد، فالرئيس مبارك لم يشأ ان يدفع الأمور نحو التأزم مع البابا كما فعل سلفه، والبابا من جانبه ادرك خطورة استفزاز رئيس الجمهورية أو تحديه ومن هنا كان الرئيس حريصا على العلاقة مع البابا وكان الاخير اكثر حرصا وحذرا في تعامله مع رئيس الدولة.
يضم الكتاب ـ الصادر في يناير الماضي ـ فصلا بعنوان “البابا القادم” ويتناول فيه البحث فيمن يكون البابا خلفا للانبا شنودة، الذي وضح تدهور حالته الصحية في السنوات الاخيرة، وكان تناول هذا الموضوع شائكا، البعض داخل الكنيسة اعتبره عدم لياقة ومن باب الفأل غير الحسن بالنسبة لحياة وعمر البابا، البابا شنودة نفسه صرح ذات مرة بأن “الكلام عن خلافة البابا في حياته شيء غير لائق وليس من الذوق، واذا كان الإنسان لن يحيا على طول. إلا ان الكلام في هذا الموضوع غير لطيف”. لكن الكلام استمر وتواصل وجاء وقته اليوم.
البابا القادم طبقا للكتاب يجب ان يتمتع بكثير من الصفات من أهمها ان يكون قادرا على اقامة علاقة متوازنة مع اقباط المهجر لتبقى علاقتهم ودية بالكنيسة وبالدولة، ويحذر الباحث من ان يكون البابا القادم راهبا جاء من الدير مباشرة اي جاء من البرية وليس ملما بالوضع في القاهرة والملف القبطي في عمومه والتعامل مع الدولة والشأن السياسي العام في مصر والمنطقة وقد يؤدي ذلك الى ازمات بعينها، ويطالب الباحث البابا القادم بأن يعمل على تكوين مجموعات من العلمانيين تعاون الكنيسة والبابا، لان هؤلاء يكونون على دراية اكبر بالمجتمع وما يجري فيه من افكار وتيارات ويتمنى ان يهتم البابا القادم باعداد رجال الكنيسة علميا وفكريا اي الاهتمام اكثر بأسقفية البحث العلمي ليكون رجال الكنيسة على إطلاع ومواكبة للفكر العالمي وان يتم الارتقاء بالفكر اللاهوتي والكنسي في مصر ليواكب الكنائس العالمية وما يجري فيها من تطور.
ومن اهم مواصفات البابا القادم ان يدرك انه يمثل الاقباط روحيا ودينيا فقط، لكن لا يمثلهم سياسيا ولا يعبر عنهم لدى الدولة، بل هم يمثلون انفسهم وينخرطون في المجال السياسي العام كمواطنين في دولة مدنية ويمقراطية.


الكتاب: الكنيسة المصرية.. توازنات الدين والدولة
المؤلف: هاني لبيب
الناشر: نهضة مصر

اقرأ أيضا