محمد حامد (دبي)

استدعى يورجن كلوب ابتسامة فخر ليستعين بها على دمعة داهمته في لحظات الاعتراف بأنه كان يشعر بالخجل حينما يعود إلى عائلته بالميدالية الفضية، في إشارة إلى إخفاقه في 6 نهائيات خلال مسيرته الكروية، من بينها نهائي دوري أبطال أوروبا 2013، الذي شهد فوز بايرن ميونيخ بهدفين لهدف على «دورتموند كلوب»، ونهائي كييف الموسم الماضي، الذي ابتسم للريال بثلاثية لهدف، وبعد طول انتظار نجح المدرب الألماني بنهائي دوري الأبطال في ليلة تاريخية حافلة بالدراما والقصص الإنسانية.
قصة كلوب، الذي عاد لعائلته وبريق الذهب يطوق عنقه بعد سنوات من الإخفاق في «الخطوة الأخيرة»، ليست هي القصة الوحيدة التي ستظل تسكن قلوب الملايين من عشاق الكرة العالمية، فقد كان النجم المصري محمد صلاح أحد أبطال «دراما الأبطال» بدموعه التي غلبته في كييف، والفرحة التي عادت إليه في مدريد، صحيح أن الفارق بينهما 373 يوماً، لكن مشهد التتويج على عرش أوروبا جعل صلاح يتعافى من آلام نهائي 2018.
دراما إنسانية ثالثة سجلت حضورها بقوة في مسيرة الليفر القارية، والبطل هذه المرة ديفوك أوريجي، الذي لا يتجاوز تصنيفه دائرة «ضيف الشرف»، إلا أنه لعب أحد أهم أدوار البطولة في تتويج الريدز بلقب دوري الأبطال للمرة السادسة في تاريخ النادي، فقد كان أوريجي احتياطياً دائماً لنجوم المهام الهجومية في الفريق الأحمر، وتم الدفع به في موقعة الآنفيلد أمام البارسا في ظل غياب صلاح وفرمينيو، ليسجل ثنائية تاريخية ويقود الفريق للفوز برباعية في ريمونتادا لن تفارق ذاكرة الجميع، ثم عاد وحسم نهائي النسخة الحالية بهدف في الدقيقة 87.
رابع المشاهد يجسد قمة الروح الرياضية والتواضع والواقعية والإنصاف، حتى إذا كان ذلك على حساب الذات، فقد أصبح فيرجيل فان دايك قلب دفاع ليفربول مرشحاً بقوة للحصول على الكرة الذهبية لعام 2019، إلا أنه أكد عقب التتويج باللقب القاري أن ميسي يظل اللاعب الأفضل في العالم، والأحق بالكرة الذهبية حتى إذا لم يكن حاضراً في نهائي دوري الأبطال، وهو تصريح يحمل قدراً لم يسبق له مثيل من الانتصار للروح الرياضية.
أما خامس المشاهد فهو ينتصر لكرة القدم، التي تقوم على الجماعية، وتلك التي تمنح الأمل للجميع، ولا يتحكم فيها لاعب أسطوري يملك مهارات وقدرات خارقة تجعله مصنفاً مع الكائنات الفضائية، فقد اجتاح الغضب الأحمر لفريق ليفربول صاحب الأداء الجماعي لقب دوري الأبطال، ولم يفعلها رونالدو مع اليوفي، أو ميسي مع البارسا، وهما الأعظم في تاريخ البطولة تهديفاً وصناعة للأهداف، والأكثر تأثيراً في حصول الريال والبارسا على اللقب 4 مرات لكل منهما.

1 كلوب.. لن تعود لعائلتك بالفضة !
لم يتحدث يورجن كلوب يوماً عن الحظ العاثر الذي يقف له بالمرصاد، ولم يقلل من شأن المنافسين الأبطال، فقد أكد عقب نهاية الموسم المثير في «البريميرليج»، الذي شهد تتويج مان سيتي باللقب بفارق نقطة عن الليفر، أن السيتي دفع فريقه إلى حافة المجد، في إشارة إلى قوة البلو مون، وتقديم ليفربول أفضل ما لديه في الوقت ذاته.
وحينما ابتسمت له الساحرة بعد 6 نهائيات من الإخفاق في مختلف البطولات مع دورتموند والليفر، أكد كلوب أنه سوف يعود لعائلته أخيراً بالذهب، فقد كان يشعر بالخجل من الفضية التي لازمته طويلاً، ولم يكن يعلم كيف يمكنه قضاء عطلته وعيون الزوجة والأبناء تسأل «متى تصبح بطلا» ؟ ويعود الفضل للمدرب الألماني في بناء فريق قوي لليفربول بعد مرور 4 سنوات من تعهده بأنه سوف يحصل على لقب في موسمه الرابع مع الفريق، وهو الأمر الذي تحقق فعلياً على أرض مدريد في ليلة الفوز على توتنهام العنيد.

2 صلاح.. دمعة أولمبيسكي وابتسامة واندا
في اللحظة الأشد قسوة في مسيرته، سقط صلاح متأثراً بتدخل راموس، ليصاب بكسر في الكتف قبل 373 يوماً، ويخرج من ملعب أولمبيسكي الأوكراني باكياً، فقد أدرك النجم المصري أنه خسر فرصة الحصول على دوري الأبطال، والتتويج بالكرة الذهبية بعد أن قدم موسماً جعله يبدو وكأنه هبط على الكرة العالمية على نحو مفاجئ قادماً من كوكب آخر، وفضلاً عن ذلك فقد تسببت الإصابة في حرمان المنتخب المصري من الظهور بصورة مقنعة في مونديال 2018.
صلاح الذي ظهر بقميص لا تستسلم أبداً في مباراة قبل النهائي أمام البارسا، عاد وسجل هدفاً في نهائي 2019، ليرفع رصيده إلى 5 أهداف ويصبح هداف الليفر في البطولة القارية، وهدافه في «البريميرليج» برصيد 22 هدفاً، وعادت الابتسامة للنجم المصري في واندا ميتروبوليتانو بالحصول على أول ألقابه مع ليفربول، فقد كان يتألق فردياً ويحصل على لقب الأفضل في أفريقيا و«البريميرليج»، وثالث أفضل لاعب في العالم دون أن يظفر ببطولة جماعية.

3 أوريجي.. ضيف الشرف بطلاً !
الأب مايك أوريجي هو القائد السابق لمنتخب كينيا، والعم أوستن كان نجماً لفريق جورماهيا، وبفضل وجود الأب للاحتراف في بلجيكا فقد حصلت العائلة على الجنسية، وتعلم ديفوك أوريجي كرة القدم في أوروبا، ليجمع بين القوة الأفريقية والعقلية الأوروبية، وعلى الرغم من امتلاكه قدرات جيدة، فإنه لم يحصل على الفرصة لتقديم كل ما لديه، فهو اللاعب الاحتياطي
وضيف الشرف في خطط كلوب، ولكنه يسجل أهدافاً حاسمة ومؤثرة على الرغم من قلتها، سواء في الدوري أو دوري الأبطال.
وعلى الرغم من تسجيله 3 أهداف فقط لليفربول في دوري الأبطال، فإنها كانت جميعها مؤثرة في تتويج الفريق باللقب، فقد زار شباك البارسا مبكراً في ريمونتادا الآنفيلد، وفي المباراة ذاتها سجل هدف الحسم في نهايتها، ليصبح النجم البلجيكي صاحب الأصول الكينية أقرب ما يكون إلى ضيف الشرف الذي أصبح بطلاً، وأكد بصمته بهدفه الثاني في النهائي المثير الذي شهد محاولات من توتنهام للعودة للمباراة.

4 فان دايك.. امنحوا ليو ذهبية سادسة
لا يوجد نجم على الساحة العالمية ينازع فان دايك في سباق الترشح للكرة الذهبية أكثر من ليونيل ميسي، هداف الليجا وهداف دوري الأبطال الموسم الحالي، وعلى الرغم من ذلك فقد بدا أفضل لاعب في البريميرليج وكأنه يفضل ليو على نفسه، حيث أكد رداً على سؤال عن إمكانية الفوز بالكرة الذهبية:«لا أفكر في ذلك، أعتقد أن ميسي ما زال الأفضل في العالم، وسيظل كذلك طوال فترات وجوده في الملاعب، وهو الأحق بالكرة الذهبية.
ما قاله فان دايك جعله يحصل على كرة ذهبية معنوية في ظل الإعجاب الإعلامي والجماهيري العالمي بما قاله عن ميسي، فقد تسابقت الصحف العالمية ومواقع السوشيال ميديا في وصفه بالمنصف، وصاحب الروح الرياضية، والمتواضع وغيرها من الصفات، والمفارقة أن النجم الهولندي المتألق سبق له أن صوت لرحيم سترلينج على لقب أفضل لاعب في البريميرليج، على الرغم من أن سترلينج هو منافسه المباشر على اللقب، وهي إشارة انتصار للروح الرياضية.

5 الليفر ينتصر لكوكب البشر
منذ عام 2006 فاز كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي بدوري الأبطال 9 مرات، منها خماسية للنجم البرتغالي مع اليونايتد والريال، ورباعية لميسي مع البارسا، كما سيطرا على الكرة الذهبية 10 سنوات متتالية، واقتسماها بينهما، ومنذ عام 2015 لم يتوج بدوري الأبطال سوى ريال رونالدو أو بارسا ميسي، مع تفوق واضح للبرتغالي في الفترة المشار إليها، فهو الهداف التاريخي للبطولة والأكثر فوزاً بها.
وبحصول «ليفر كلوب» على لقب النسخة الحالية لدوري الأبطال، فقد عادت كرة القدم إلى كوكب الأرض، ولم تعد الكائنات الفضائية أصحاب القدرات الخارقة مثل ميسي ورنالدو الأكثر تحكماً وسيطرة على الساحرة وبطولاتها، والأكثر مقدرة على كتابة تاريخها، بل عادت اللعبة إلى أصلها من جديد وهو الأداء الجماعي الذي يخضع لعقلية مدير فني يسيطر على اللاعبين، ويوظفهم بطريقة مثالية لتحقيق مصلحة الفريق، وهو ما فعله كلوب، بل إنه أعاد صلاح إلى سيمفونية الأداء الجماعي، بعد أن أمضى موسمه الأول أكثر بنزعة فردية خالصة.