الاتحاد

الملحق الثقافي

جولة المحارب.. في جبل المعرفة

حضور مميز للنساء في المعرض (تصوير جاك جبور)

حضور مميز للنساء في المعرض (تصوير جاك جبور)

لا شيء يبدو مختلفاً للوهلة الأولى؛ معرض للكتاب تتراص فيه العناوين والأسماء. بشر يروحون ويجيئون بين متصفح ملول وباحث عن معرفة. مبادرات وندوات وبريطانيا ضيف شرف وتظاهرة بعنوان “ديكنز على الشاشة”. مؤتمر دولي للترجمة، ونصف مليون عنوان تعرضها 900 دار نشر محلية وعربية وعالمية من 54 دولة بينها 601 ناشر عربي و303 ناشرين عالميين اجتمعوا في مركز أبوظبي الوطني للمعارض على مساحة قدرها حوالي 21.174 متر مربع، يقيمون حواراً بثلاثة وثلاثين لغة مختلفة. لم يمنع أي كتاب ولم يغلق أي جناح. كتب صدرت حديثاً، وكتب ما تزال مشروعات في علم الغيب. مؤلفون يوقعون كتبهم الجديدة وآخرون على منبر الحوار يجيبون على أسئلة الجمهور و... و... من الأحداث اليومية التي شهدها معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الثانية والعشرين التي أقيمت من 29 مارس الماضي ولغاية 2 ابريل الجاري... لكن هذه ليست تفاصيل المشهد كله. ثمة هنا وهناك ما يستحق الذكر... إنه الكتاب، أولاً وثانياً وعاشراً وإلى آخر ما تحتمله ذاكرة العدد.

الكتاب هو الحاضر البهي، خزان الألم واللذة، الذي يمارس حضوره بفتنة طاغية، وبهدوء صاخب يتسلل إليك ناقلاً لك شيئاً من احتراقات البشر ليمتعك.. ربما، ليسليك.. ربما، ليغيب وعيك أحياناً.. ربما، لكنه في كل الأحوال يوحدك بإنسان ما على وجه هذه البسيطة، قرر، في لحظة وعي أو ربما جنون، أن يدخل إلى عالمك، وقد يروق لك فتحلق... ثمة كتب تشبه الملاحة في الأرواح لكن هذا لا يمنع من أن تكون كتباً أخرى ملاحة في القلوب. ثمة كتب تدهشك حد الحزن، لم لا؟ وما المشكلة في أن تكون الدهشة حزينة أحياناً؟
في آخر كل كتاب ربما في أوله أو وسطه ـ هذا يعتمد على الكاتب ـ يمكن لنا أن نعثر على موطئ قدم للسعادة.
هنا، يمكن لأي شيء أن يحدث فوق الرفوف. المتخاصمون يتجاورون في الأجنحة أو يتحدون في العناوين. الديناصور يمكن أن يضحك في قصة للأطفال والكلب يمكن أن يبكي والشجرة تحكي والقلوب تتكلم. كل شيء يمكن أن يؤنسن ويرمم ما يتهدم من الأرواح والمهج.
هل بالإمكان إعادة النظر بأحاسيسنا التي امتلأت بدخان السيارات وبلهاث الأرصفة وبضجيج المدن... أحياناً يمكن لكتاب أن يفعل هذا وبكرم حاتمي مفاجئ.
الكتب تنصحنا بأن نعقد قراننا على الحياة. تراهن على صناعة سعادة ما، لماذا، إذن، نصرُّ باستمرار أو يصرُّ المبدعون على أن الكآبة خلاقة والغبطة بلهاء. أليست الغبطة هي ما يقود الأصابع لتشتعل باللغة. دعونا نبحث إذن عن الغبطة حتى لو كانت مسوّرة بحقول من ألغام الألم... ففي المعرض ما يشبه استراحة المحارب من اللهاث المزمن وراء هذه الفانية.

رف الغائب الحاضر
قليلة جداً تلك المجتمعات التي تتيح لأفرادها أن يمارسوا إنسانيتهم. حتى في المجتمعات المتطورة يرتبط الفرد بالدورة الاقتصادية التي تخنق بقيمها الجافة، بل الساحقة، القيم التي توارثناها من العقود الكلاسيكية عن الكاتب والكتاب والكتابة، حيث كان الكتّاب والقديسون يقدمون رؤية وردية للعالم.
أحمد راشد ثاني أول الحاضرين في المعرض رغم غيابه الجسدي، كان من الذين يؤمنون بفكرة كهذه. هذه أولى جماليات المعرض وأول آلامه أيضاً، فالمعرض هذا العام يأتي وقد ذهب أحمد بجسده وحضر عبر تذكرنا له. وأحمد في استحضاره من الموت كما في حياته، يبدو وحيداً. تتسلق صورته الجدار كما تسلقت أصابعه سلالم الكتابة. يقبع في جناح يخصه فيما عيناه تراقبان ما يجري، تماماً كما كان في العام الماضي. في حياته لم يكن لأحمد راشد ثاني أن يطمح حتى في أكثر تجلياته سوريالية أن يكون لكتبه جناحاً خاصاً.. لكن الموت جعل هذا ممكناً.. يا الله كم يكشف الموت وكم تحجب الحياة. بيننا كان أحمد، بين ظهرانينا كان يمشي ويسعل ويفرح ويغضب ويشتم ويبتسم تلك الابتسامة الحنون التي تتسع للدنيا كلها.. الموت يعطي أحياناً أكثر مما تعطي الحياة، وأغلب الظن أن الموت افلح هذه المرة في أن يمنح له حياة جديدة. في الأخير إذن يمكن لنا أن نعثر على ذواتنا في ثراء الموت. في كتاب تركه صاحبه معلقاً على أرواحنا ومضى إلى شأنه.
هذا ليس وهماً، وما كان أحمد يقول بالكتابة الوهمية، تلك التي تقدم خيارات ساذجة للخلاص، لكنه كان صميمياً في علاقته بالإبداع والثقافة ولهذا أنجز ما أنجز. كان يعتقد أن بإمكان الكتابة أن تحدث ثغرة في ذلك الحائط الذي يدعى الزمن. كثيرون يعذبهم الزمن. كان باحثاً عجيباً عن حياة مختلفة وها إن الموت يقف على صورته. لطالما بحث أحمد في دروب روحه الوعرة عن مكان آخر يصلح للحياة. لطالما تشاجر مع الموت الذي يقف على المفارق وأخذ عيونه إلى مكان آخر لا يوجد فيه الموت، مؤمناً أن ثمة أمكنة كثيرة صالحة لكي تستضيف الحياة فقط.. لعله نجح.
وأحمد الذي راهن على الكتابة بكل حياته أخلص في اعتقاده أن الكائن البشري وصل إلى ذلك المستوى من الوعي الذي يحرره من الارتهان للغرائز، أو من لعبة التاريخ، ناهيك عن الضيق الأيديولوجي، لكنه ظل يبيت على الألم لأن ما يشتهيه بعيد... بعيد.
صورته الكبيرة على الجدار، وعلى غلاف الكتاب الذي أصدره نادي الشعر، وهذه أيضاً من جماليات المعرض، تقول الكثير. كأنها تعيد عليَّ شريطاً سينمائياً أول لقطاته تعود إلى العام 1984 عندما رأيت أحمد راشد ثاني الغارق في نحوله منكباً على مكتبه في المجمع الثقافي. بدا لي رغم نحوله الجسدي ممتلئاً بصلابة روحية وثقافية.. وقد كان. الشريط طويل لا مكان للاسترسال فيه لكن ما يستحق الاسترسال هو أن نطلق العنان للقلب لكي يعيد تشكيل اهتماماتنا الثقافية وبصيرتنا التي ينبغي أن ترى المبدع قبل أن يوارى الثرى من دون أن يقلل ذلك من شأن وأهمية هذه الاحتفالية التي اجترحتها هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وهذه اللقطة الجميلة العابقة بالوفاء.

رف الكلمة وكاتبها
مشروع “كلمة” للترجمة، التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، سبق أن سجل حضوره المميز والنوعي في المشهد الثقافي العالمي فضلاً عن العربي والمحلي، سواء لجهة اختياراته النوعية لما يترجمه، أو لإسهامه الجاد في حركة الثقافة والترجمة العربيتين، كان من أبرز الحاضرين في المعرض سواء عبر الإصدارات الجديدة أو من خلال ترجمته بالتعاون مع دار مدارك للنشر لسلسلة “الحياة اليومية عبر التاريخ”، والتي قدمت عشرة عناوين مهمة في الثقافة الإنسانية منها: “الحرب العالمية الأولى” للمؤلف نيل هيمان، “الطبخ في الحضارات القديمة” للمؤلفة كاثي ك. كوفان، “عصر الإنكا” للمؤلف مايكل مالباس، “عصر الملاحة البحرية” للكاتبين دوروثي دينين فولو وجيمس إم. فولو، “اليابان في القرن الثامن عشر” للمؤلف لويس بيريز، “العالم الإسلامي في العصور الوسطى” للمؤلف جيمس ليندزي، “مدنيو آسيا في زمن الحرب” للمؤلف ستيوارت لون، “زمن العهد الجديد” للمؤلف جيمس و. إِرْماتنغر، “عصر الأزتك.. أمة الشمس والأرض” للمؤلفين ديفيد كاراسكو وسكوت سيشونز.. لكن من يقرأ؟
المبادرة الثانية لمشروع كلمة هي تنظيم مؤتمر أبوظبي الدولي للترجمة تحت شعار “الترجمة وآفاق اللحظة الراهنة” بغية تسليط الضوء على واقع حركة الترجمة من اللغة العربية وإليها، وتشجيع القائمين على بذل المزيد من الجهود في سبيل النهوض بحركة الترجمة، وذلك في ظل التحديات التي تواجهها. مكمن الأهمية في هكذا مؤتمر يكمن في نوعية الخطاب الذي يتبناه، فالترجمة هي النافذة المفتوحة على الآخر بها نعرفه ويعرفنا، وإشكاليات الترجمة والتباساتها تستحق بالفعل مؤتمراً، ناهيك عن أن مشروع “كلمة” هو بحد ذاته إسهام إماراتي مميز ومؤسس (بكسر السين) في حركة الترجمة من اللغات الأخرى إلى العربية.

رف الكُتّاب
يجد المثقفون والمبدعون في جناح اتحاد الكتاب الملاذ الآمن، فغالباً ما يلتقون فيه، وهذا حضور من نوع آخر، ينضاف إلى حضوره الثقافي المتمثل في العناية بالكتاب واحتضان كتبهم. في هذا العام أصدر الاتحاد خمسة كتب للمبدعين الإماراتيين: “سكَّر الوقت” للشاعر إبراهيم محمد إبراهيم، هذا الكائن الشعري الرائق مثل ماء نهر سلسبيل، الذاهب في الشعر والحياة أيضاً إلى تخومهما المضيئة، المسكون بوجع الوطن الكبير وإنسانه في كل ما يكتب، و”مزراب الشمال” للشاعر خالد الراشد الذي قرر في لحظة وعي وجودي فارقة أن يطارد غنيمته المرجوة في جبال الهيملايا، ولم تكن غنيمته سوى السلام النفسي والتأمل الهادئ في الشعر والحياة، و”سيرة غيم يهذي” الذي أنجزه الشاعر سامر كعوش عن المشروع الشعري للشاعر حبيب الصايغ في إطار مشروعه النقدي عن الإبداع في الإمارات، لكن الغيم الذي يهذي في قصائد الصايغ وكتابة كعوش لا يهذي على ما يبدو إلا في الشعر فقط، فقد مر الشتاء كاملاً من دون أن يهذي غيمُهُ هذا العام بقطرة مطر، و”ترنيمات القلب” لحارب الظاهري الذي يترجم روحاً شفافة تلتقط بعض مباهج اللغة كما الحياة التي تتجلى في المدن والسفر والرحيل. أخيراً يأتي الوفاء في صيغة أخرى اجترحها الشاعر والناقد الدكتور شهاب غانم في كتابه “كلمات وفاء في رحيل الشعراء والأدباء” الذي سطر سيرهم وبعض تفاصيلهم الثاوية ليضيء على ما يحملونه من قيمة أدبية وتاريخية.
في الجناح الخاص بالزميلة “هماليل” مفاجأة مفرحة أيضاً: عشرة كتب من إصدار المجلة التي قررت على ما يبدو الدخول في مغامرة النشر، أما الإصدارات فهي: “مرسى” للشاعر خالد العيسى و”تحت السيطرة” للشاعر سالم سيف الخالدي، و”ملاذ العصافير” للشاعر عتيق خلفان الكعبي، و”حكايات الشتاء” للكاتبة الصحفية عائشة سلطان، و”سما روح” لميثاء الهاملي و”شقائق الحلم” لصالحة عبيد و“جلست ذات يوم” لهنادي المنصوري و”بوقفل في عش الزوجية” و“مفتاح شاعر الأطفال”.
بين الذين صنعوا حضورهم أيضاً المؤلف المتخصص في علم آثار الشرق الأوسط، البروفيسور دانيال بوتس الذي ملأ في كتابه “في أرض الإمارات ـ آثار وتاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة” الذي نشره مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، الفجوة في الأدبيات المتوفرة حول الآثار والتاريخ. والحق إن الكتاب يعتبر إضافة حقيقية وشاملة للآثار والتاريخ في دولة الإمارات، وهو بمثابة مرجع قيم للمعلومات يمكن أن يستفيد منه القارئ العام كما المختصين والباحثين والمهتمين الذين يبحثون عن المعلومات الدقيقة والموثقة عن تطور الاستيطان الحضري في المنطقة وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة.
بقوة حضر الكتّاب الإلكترونيون ـ إن جازت العبارة ـ وحضر النشر الرقمي سواء من خلال ركن النشر الرقمي في المعرض، أو من خلال اتجاه دور نشر متعددة نحو إصدار نسخ إلكترونية من الكتب الورقية، وثمة مؤسسات تعنى فقط بالنشر الرقمي إصداراً وخدمات ومواقع. وثمة لقطة ذكية تستحق الإشارة وجدتها لدى مكتبة “النيل والفرات” الشهيرة التي فتحت الباب لخدمة إنزال الكتب الموجودة في حوزتها بناء على اتفاق بينها وبين القارئ، شخصياً وجدت في هذا العرض هدية أو كنزاً صغيراً قدمه لي المعرض.
الثوريون أيضاً حضروا: الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وأحمد مطر في جناح الشركة العربية، جورج حبش ونيلسون مانديلا في جناح دار الساقي التي تمتلك، للحق، نخبة من أفضل وأهم ما نشر في المجال السياسي والأدبي. وهي أيضاً خيارات تجسد التزام هذه الدار بالثقافة بمعناها العميق المتصل بالتغيير والبحث عن أفق مختلف.
في المقابل حضر الكتاب التجاري أو البياع بلغة الناشرين: الطبخ والديكور والأزياء والسحر والتنجيم والأبراج والماكياج والتجميل وغير ذلك مما يجد هوى لدى شريحة من القراء، كذلك حضر الكتاب الجاد في حقول الثقافة المختلفة... في المعرض بضاعة من كل شكل ولون وعلى القارئ أن يتخير ما يريد، أما الحديث عن التوعية والتثقيف والارتقاء بذوق القارئ وخياراته المعرفية فهو على ما يبدو لا يساوي فلساً أحمر لدى بعض الناشرين. مطلوب رقابة صارمة على مثل هذه الكتب.

رف الإبداع
“دروز بلغراد” أيضاً كانوا حاضرين، أحضرهم ربيع جابر إلى مشرحة النقاد ثم يمم وجهه شطر رواية أخرى. وترك للشاعر عبده وازن، والقاصة هدى النعيمي، والباحث معن الطائي، والناشر حسن ياغي أن يفصّلوا فيهم القول.
حكى الناقد الطائي عن بطل الرواية حنا يعقوب وما تعرض له من قهر إنساني طوال اثني عشر عاماً قضاها في سجون العثمانيين في الأعوام التي تلت 1860 وتنقله بين بلدان البلغار وسجونها. في مكان قريب كان الشاب محمد خير قرمة يحكي عن سجين آخر سبقه إلى السجن هو عالم البصريات الشهير الحسن بن الهيثم الذي طلب منه الخليفة أن يبني سداً على نهر النيل فوعده بذلك، ولما رآى نهر النيل عملاقاً وواسعاً يصعب بناء سد عليه ادعى الجنون كي لا يسجنه الخليفة.. لكنه سجنه.
وكما كانت “دروز بلغراد” مرحلة مهمة في كتابة ربيع جابر الروائية، بحسب ما قال ناشر الرواية حسن ياغي، كان السجن مرحلة فاصلة في حياة العالم ابن الهيثم الذي اكتشف فيه وهو يراقب تحركات الضوء علم البصريات أو وضع أسسه الأولى على الأقل.
وإذا كان ربيع جابر سليل المدرسة اللبنانية الطويلة في الرواية، بحسب عبده وازن، فإن ابن الهيثم كان سليل حركة علمية عربية إسلامية قدمت الكثير للحضارة الإنسانية التي تصر على نسيان هذا الدور. وهو السؤال الذي شغل مجلة تراث وتصدر غلاف عددها الجديد “لماذا يظل إسهام الحضارة العربية في نهضة العالم منسياً؟”، ولم يكن ابن الهيثم سوى واحد من عشرة علماء قدمت شخصياتهم في ركن الإبداع ضمن مشروع “ألف اختراع واختراع” الذي تقوم عليه “ناشيونال جيوغرافي”.
ومن بين الحاضرين كذلك مجلة الكرمل في رحلتها التراجيدية بين متاهات التحولات السياسية التي عصفت بالقضية الفلسطينية، حيث شهدت هي الأخرى اتصالات وانقطاعات وتوقفت مرات وعادت مرات حتى استقر الحال بها في رام الله، وكأني بالمجلة التي تحدث عنها حسن خضر مدير تحرير “الكرمل الجديد” حملت لعنتها وسارت مضرجة على درب الآلام الذي خطا عليه أيضاً مشروع التحرر الوطني الفلسطيني.. هل يمكن للكتاب أن يهدي لسيزيف الفلسطيني دولة بدلاً عن الصخرة؟ أم باتت الدولة هي صخرة سيزيف هذا الزمان؟
ولم يغب الوطن عن برنامج المعرض حيث شهدت ندوة تداولية حول “تأثير فكرة الديار والوطن على التأليف والتعبير الابداعي”، شاركت فيها ثلاث كاتبات غربيات من أصول شرقية: تيشاني دوشي وسالي بوتشر وسوزان أبو الهوى لا يجمع بينهن سوى ذلك النور الداخلي الذي في وجدان كل منفي يقوده باتجاه الديار الأولى والوطن الأول.
أما أجمل الحاضرين فكان الشعر، سواء من خلال المشروعات المتعلقة به أو الشعراء الذين قرأوا قصائدهم ووقعوا كتبهم، ففي المشروعات خطفت الموسوعة الشعرية وهي أحد الإنجازات المهمة بل والسباقة في نشأتها اهتمام الجمهور، فما تقدمه من إمكانيات بحثية وما تحتضنه من الدواوين والمراجع والمعاجم يستحق التقدير. الموسوعة التي بدأت قرصاً مدمجاً تحولت إلى موقع إلكتروني، وهو الأمر الذي اعتبره الباحث أحمد محمد عبيد “نقلة جديدة في تاريخ الشعر العربي بعد النقلة الأولى التي أحدثها الإصدار الأول من موقع الموسوعة خلال القرن العشرين في حلقة من التجديد”.
أما في الخيمة فقرأ الشاعر إبراهيم نصر الله شعراً عذباً ورؤيوياً وملتصقاً بالحياة، ورغم أنه يتمنى لو كان مايسترو يدوزن الموسيقى في قصيدته “لو أنني كنت مايسترو لكانت حياتي أفضل” إلا أنه لم يغادر الموسيقى ولا الإيقاع في شعره، بل كان “المايسترو” الذي يقود الروح إلى بيتها ويعيدها إلى حقول الشغف في روايته “قناديل ملك الجليل”.
ولم تكن الشاعرة ميسون القاسمي في جديدها: “جمالي في الصور” سوى تلك المرهفة حد الغياب في اللغة التي بها تعبر إلى تشوقات “العابرون إلى الرؤية”، وترسم في إيغالها أو سفرها في الذات والتصوف لوحة “الغياب الذي جاء” بينما هي “عالقة في الرف الأخير من حلاوة الروح” تكتب “شعراً رائقاً وحلواً “لا مرارة فيه”.

اقرأ أيضا