الاتحاد

الملحق الثقافي

جيس.. الجبل الناي المؤدلج بالهوى

ثلوج على قمة جبل جيس في رأس الخيمة إثر موجة باردة اجتاحت الإمارات

ثلوج على قمة جبل جيس في رأس الخيمة إثر موجة باردة اجتاحت الإمارات

مقيم نديم، لأجل الهوى يقتتل. قديم قويم، راياته القبل، عزفه ناي، وجيتاره مزن، وثلجه نار من هوى الناس تحتبل. يسطو على الفكر، يتدبر، يهفو لملح الأرض، وفيه الوجود يكبر، من نزع وقت من فصول تلاقحت، من وجع الأيام يكتمل، هذا هو جيس قديس مترهب، في هواه نوى، وفي عشقه خضب. ذاكرة فيه راسخة، وجذور التاريخ تخصب، مداه، هوى من بيان وتبيين يكتتب، يشخب الروح حين، تعاينه، مقلة رجفاء ونفس به تصطخب.. يا هوى جيس المولع بالقدم، هذه المسافات نابغة وبلوغك يا جيس يستلب، منذ فجر إلى عصر، أنت في الأحشاء جبل، وفصل ونسل ونصل، وأنت قدر وكسر في الثنايا تحتطب.
غنى الحمام على غصنك الأهيف مترعاً، وغنيت! إذ جاوزت حدود المسافات، مولعاً، وجدتك في العزلة العزلة الموحشة، تهتف: يا أهل بحر وصحراء، مدن العراء من الهراء، واستوحشت فوق من خراقات وجوى، ساورت جيلاً عن سقيا ولقيا، فكرت في أن تهدم عرشاً وعشاً ونعشاً، فكرت في الموت انتحاراً، لكنك أيقنت أن الحياة، أجمل من فوات الأوان، أجمل من كسر الأواني في مطبخ الأحزان. فكرت وأمعنت في العويل، لكن صهيلك يا جبل، كان لأجل. كان اليقين المستبين. كان الحنين، فشمخت، وشهقت وتسامقت فيك الجذور، والصخور، وتسامى العلو في المدى، أبداً أبدياً، لا يرتخي، بل يسخو بعرفان، وأشجان، وتحنان، ومزون ممطرة، تجلى الرماد عن العباد، وتقول للآتين: هلموا، فخير الأنام من يحلموا، بأنشودة، وقصيدة وقلادة، تملأ النحر بسحر، وتجيد نسج الهوى، في مقلتي ناعسة، كاعبة، راعبة، راغبة، في التلاقي والتساقي، من ماء الهوى، وما نزفت مآق.

أحلايَ منك يا جبلُ
يا جبل الهوى، ما هزك ريح، وما أطاح، بوجدك تجريح ولا تبريح، لأنك القابض يا سيدي، على جمرة الخلود متوسداً قامة وهامة، متكئاً على خاصرة، وحاسرة، تعقص جدول النوى، بعبق وحدق، وترمي بشرر وقدر، وحذر الغائمات بما جاد به الغاف.
يا جبل جيس، في مكانك ومكانتك، في مقامك وقامتك، في حضرة الذاكرة المبجلة، تقتعد كرسي الفخامة، متربعاً، مترعاً، مترعرعاً، متورعاً، جامحاً راجحاً، ترتل أشواق الشجر، وتبلل العشاق، بنثّ من شعر، وتجري حوارك، في المخيال كأنك النجم في السَّحر. فهذا هو سحرك. هذا هو مدك وجزرك. هذا هو صغرك وكبرك. هذا هو مجيئك وسفرك. هذا هو غيابك وحضرتك. هذا هو، غرورك وفجورك. هذا هو إيمانك وكفرك. هذا هو نزقك ورهطك. هذا هو لغطك، وغلطك. هذا هو الخلود المتراكم المتزاحم، المتفاقم، المتلاطم عند ساحل الذاكرة، يخبئ أسراراً وأخباراً وأنهاراً وبحاراً، وأسواراً وسواراً، نهاراً وجهاراً، لا يستفتي غير ضمير العاشقين، لا يتقصى سوى اللاشعور الجمعي، متحدياً متمادياً باتجاه تخصيب الذاكرة. ولما ألتقيك، يا جبل، أتذكر أنثى في حضرة البهاء. استجدي وجداً، وأساور النفس عن لوحة من صنع خيال فج.
تراكمت الأشياء في تهذيب.. وتشذيب، وترتيب، وأمعنت في الصناعة، مستجمعة القناعة والمناعة، فلا تتلاشى الأشياء حين تصبح من صياغة الفكرة المجللة بالأناقة واللباقة..
يا جبل.. أتحضني على الكتابة لأنك أنتجت أحلاي من رملك وطينك، ولأنك سجيت كلامي من مفردات أحجارك، وسورت عنقي بأشواق فضائك، المؤدلج بالتواريخ الرصيفة..
يا جبل، أتحضني بهذا الوجد، وأنا الوجودي، المسحوق تحت سنابك الأسئلة المبهمة، المتفاقمة كأنها الموجة العارمة.. ويا جبل، لا يكفي أن يخصك مقال، أو يخصك مآل، أو يخصك سؤال، أو يرضك حبر من صنيع القدر المحتوم، فقط أنت يا جبل، تكبر ثلجاً وناراً، تحتسي من رشفات نخبك، ونحبك، ونجابتك وشهامتك، وفخامتك، ووجيبك العجيب، الرهيب، وصبيبك الأريب النجيب.. فقط أنت يا جبل، تجوس في النوايا، وتقبع في الثنايا، غارساً سهمك ونجمك، حارساً تقرفص عند زاوية وخاوية، تفكر، تتذكر، تُشجر الإخفاق بالأشواق، وخضرة الآمال، ونبرة وعبرة، تسوم وتحوم، تفتش عن أشيائنا التائهة في الخفايا، تنقش وجداننا، بأحلام تأتي مزدهرة، مزهرة زاخرة، فاخرة متجاسرة، لا تخبو ولا تكبو، في المقام الأول، أول السؤال وآخر علامة الاستفهام، هي الإبهام البالغ في غموضه بلوغ الحجر في أتون الأرض البكر.
جيس.. القديس والقسيس، الراهب الرهيب المهيب، أنت النقطة آخر السطر. أنت الحرف والنزف والعزف. أنت الطرْف المتطرف في التحديق. أنت الظرف المتطهر من آثام البحلقة بلا معنى. أنت الحلم المستسلم لوداعة الأمنيات. أنت الشقي المتوحد في الوجدان والأشجان، وأنت أنت القدر والمطر، والسحر المتواري في الخلايا والنسيج. أنت العود والصعود والصمود، والجلمود وحرقة الحدود، ودفقة الوجود. أنت الساقي المتلاقي في الأشواق والأحداث، وأنت الورطة اللذيذة، أنت الشهقة المتدفقة من أزمنة وأمكنة، وما جاشت به القلوب وما تصحرت منه الدروب. أنت القابض الرابض، المناهض، أنت في الأرض ناقوس، وفي السماء تراتيل وناموس. أنت في الجهات الأربع مبضع واصبع، ومرجع وقاموس، التهجي لأثر وضمير مستتر، ونون الهوى، وما سطر.
أنت الشهادة لمعلم وفكر وأنت القلادة لقلم وذكر، أنت ابتسامة الغيوم، وعلامة المجهول والمعلوم، وشهامة الحضارة، ووسامة الثقافة، أنت.. أنت، طائر يخفق الجناحين مرفرفاً، مهفهفاً، مترفاً بالشوق، والتوق، وأحلام الصبا، وما ظهر وما خبا من كثب وسحب، ونجب ونخب النبوع اليافعة، وصخب الربوع اليانعة.. أنت.. أنت.. أنت، الشيء والفيء والضوء والوضوء، والحرقة والحدقة، الصدفة المجللة بالحتمية.. وأنت االحتمية المبللة بريق الصدف. أنت التداول والتساؤل، والتفاؤل، والجداول، والمناهل، والتواصل والفواصل، والمفاصل. أنت الجزء والكل. أنت الترحال والحل. أنت المستولي المستبد، المتوالي المستعبد. أنت الطهور وأنت الكافور والفجور. أنت ربقة الأسى، وابتسامة الثغور. أنت وجنة التوحش وجبين السفور. أنت كل شيء حين تفقد الأشياء المعاني والجذور.. أنت.. أنت.. أنت.. أنت منطقة تعلو الجبين، كأنها اللجين، وشامة في الوجه، مرسومة لا من قرن لا من قرون، بل من قبل أن تعرف الأشياء معنى الجنين..

نشيد جلفار الأزلي
جيس.. هذا حنين الأرض، هذا النافلة والفرض، هذا التشوق، يبدأ حيث ينتهي، ولا نهاية للأضداد، مدادها، بذرة التكوين ومداها نقطة التلوين، وامتدادها رؤية ورأي، ومرآة لجملة وقبلة، وقافلة وزلزلة.
أنت في البقاء، عين على جلفار، وأخرى تحفظ الأسرار. أنت النشيد الأزلي، وزجرة البدوة، ورغاء الإبل حين تصفو أو تجفو. أنت القديم الجديد، موصول من الأخمص حتى الوريد. أنت الأعلى، وبياضك الأحلى. أنت المتغطرس خلوداً، المتمرس وجوداً، الحارس الفارس، النابس بكلمات التاريخ والوجد، القابس توهجا، المتطور نسلاً من فصول وأصول، الذاهب بعيداً، الضارب في الأطناب والأطياب. أنت في ذلك المربض عند خاصرة رأس الخيمة، الواثب بأشواق الأقدمين، لأجل جيل وفصيل، ترقبك الأفئدة بتهدج، كأنك الولي المبجل، كأنك السليل المدلل، كأنك الأمير المكلل، كأنك وكأنك الرعشة العارمة، ورجفة الخيال الصارمة، ونزفة الحلم، الجازمة، وكأنك الأماني المستسلمة لغيث ونث وحث.. كأنك يا جبل العرفان، جزيرة ما خطرت على بال إنسان، كأنك يا جيس المعالي، قامة بحجم الأحلام التي توسدت عتمتها، واسترخت على مخدة النشوة المباركة، كأنك يا جيس، كاهن يعيد ترتيب أمنياته، متهجداً، متضرعاً خاشعاً شاكراً، لأنه بعد لم تصبه عوامل التعرية، ولم يخضع للتورية.
يا جيس، يا جبل الرهان الأخير على القامات المستقيمة، والأحلام النزيعة والأماني المستديمة، ويكفيك أن تكون جبلاً إذ تتهشم في اقتضاب مزري، ومخزي، حتى أضحت الأشياء ضرباً من الوهم، والحمل الكاذب.
يا جيس.. يا در، يا نفيس، ويا حلم بلا تسييس، ويا طائر لا يفهم التفقيس لكنه، بأجنحة البياض، يتكاثر ذاكرة، ويكبر فكرة، ويتنامى في قلب التاريخ وجداً كونياً..
يا جيس، عند هذه القمة، تبدو جلفار، خيمة في جوفها، آثار وأسرار، لم تنظرها بعد عين بشر، أنت حارسها وفارسها.. تبدو جلفار رقية لم يعد للطرفين من شهوة التعرف على مضمونها، تبدو جلفار حرزاً غاب صاحبه، وبقي عند حافة الذاكرة، عند ناصية، في منتهى الصمت..
يا جيس.. سطوة الأشياء تبدو في امتلاكها للحنين، ونخوة الأشياء تبدو في جَلَدها وصبرها، ونشوة الأشياء تبدو في بهائها وبشاشتها، والنجوى خيط الحرير ما بين السماء والأرض، الصوت الداخلي، لوجيب وصبيب، والنحيب الأزلي للمعاني والأماني، طالما بقي الغناء سر المعضلة.
يا جيس.. تتوحد فيك الأشياء، تتكابد، تتحرر، لكنك أنت الأوحد، جبل ما هزك عصف، لأنك يا جبل الغرف، تستولد من بعضك كلك، تتناسل وعداً وعهداً، تتواصل ماضٍ وغداً، وما نسيت يوماً ذلك الموعدا.
يا جيس.. خُب وصُب وجُبّ، فأنت الراح الرحبُ وأنت الكتبُ.

اقرأ أيضا