الرياض – عمار يوسف

تعتبر إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية من أهم الإذاعات في العالم، وذلك لتميزها على مدى 47 عاماً بمحتوى ثقافي ديني وبرامج سكنت ذاكرة المجتمع السعودي والمجتمعات العربية والإسلامية في شتى بقاع العالم، ولا يختلف اثنان في أن برنامج «نور على الدرب» الذي كان ولا يزال يستمع إليه كثيرون من متابعي الإذاعة العريقة من أقدم وأشهر وأكثر البرامج الإذاعية تميزاً، وهو برنامج يومي يجيب فيه أصحاب الفضيلة العلماء عن أسئلة واستفسارات المستمعين، وهذه هي العبارة التي لا زال صداها يتردد على آذان المستمعين حتى اليوم.
وأول من فكًّر في إنشاء هذه الإذاعة هو الملك سعود (رحمه الله) حين كان ولياً للعهد، حيث عرض الفكرة على والده الملك عبدالعزيز، الذي كلف وزير المالية حينها الشيخ عبدالله السليمان ليقوم بتنفيذها بإشراف الأمير فيصل بن عبدالعزيز، نائب الملك في الحجاز آنذاك.
وفي يوم الثلاثاء 23 رمضان 1368هـ الموافق 19 يوليو 1949 أصدر الملك عبدالعزيز مرسوماً ملكياً وضع فيه الإطار العام للإذاعة، وأكد ضرورة التزام الصدق والأمانة والواقعية، والالتزام بالموضوعية، وعدم التعرض لأحد بالشتم أوالتعريض بأحد أو المدح الذي لا محل له، كما أكد ضرورة الاهتمام بالأمور الدينية وإذاعة القرآن الكريم والمواعظ الدينية.

بداية البث الإذاعي
بالفعل أنشئت أول محطة إذاعية سعودية في مدينة جدة، حيث بدأ إرسالها يوم 9 ذي الحجة 1368هـ، يوم عرفة الموافق الأول من أكتوبر 1949م، بكلمة ألقاها الأمير فيصل بن عبدالعزيز تضمنت تهنئة الحجيج بمناسك الحج والترحيب بقدومهم للأراضي المقدسة.
وقد أنجز المشروع إثر اتفاق مع مؤسسة انترناشيونال ستاندرد إلكترونيك عام 1949، وبلغت تكلفة الأجهزة والمعدات حوالي ربع مليون دولار، إضافةً إلى 75 ألف دولار للصيانة والتشغيل لمدة ثلاث سنوات، وانطلقت الساعة السابعة مساءً من حي النزلة يوم الوقوف بعرفة ليلة عيد الأضحى، وافتتحت بآيات من القرآن الكريم وبصوت الشيخ طه الفشني، وكلمة للمشرف عليها عبدالرحمن نصر، وهو من مصر استعانت به المملكة لهذا الغرض.
وقال لـ«الاتحاد» د.عبد الكريم العواجي، أستاذ الإعلام بجامعة الملك عبد العزيز، وهو أحد الذين كتبوا عن تاريخ الإذاعة في السعودية أن إذاعة القرآن الكريم في بداياتها الأولى كانت تبث لمد 6 ساعات فقط موزعة على فترتين ساعتين في الصباح من 6 إلى 8 ، يتوقف بعدها البث ليستأنف مرة أخرى في الرابعة عصراً ولمدة 4 ساعات تنتهي في الثامنة مساءً، وبعد ذلك استمرت الإذاعة في تمديد ساعات بثها بالتدرج حتى وصلت إلى 24 ساعة، مع تطوير وتحديث أجهزة البث والأستوديوهات.
وأوضح أن إذاعة القرآن الكريم لديها عدد من الأستوديوهات المتطورة والمجهزة بأحدث تقنيات البث والتسجيل والمونتاج، بعض هذه الأستوديوهات تعمل للبث المباشر وبعضها للتسجيل مع التلاوات والبرامج مع أصحاب الفضيلة العلماء والقارئين والدعاة داخل الإذاعة أو خارجها من مواقع الأحداث أو المساجد أو منازل أو مكاتب أصحاب الفضيلة المشايخ.
وأضاف العواجي أن بث إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية يتم عبر القمر العربي عرب سات (2) والأوربي بوتلسات هوت بيرد (4) والأمريكي تلستار (5) والأسيوي آسياسات (2) ليغطي كل أرجاء العالم، كما يبث على موجات متوسطة قوية جدًّا تشمل كثيرًا من الدول المجاورة، أما الموجات القصيرة بعيدة المدى فقد تم تدعيمها كماً وكيفاً حيث تبث إذاعة القرآن الكريم على 21 موجة قصيرة تصل إلى معظم بقاع العالم وعلى 18 موجة متوسطة تشمل المملكة العربية السعودية والدول العربية المجاورة ببث شديد الوضوح والجودة.

المدرسة السعودية في تلاوة القرآن الكريم
وتمتلك إذاعة القرآن الكريم السعودية مكتبة صوتية ضخمة تضم تسجيلات لأشهر مرتلي القرآن الكريم في العالم من يجمعون بين حلاوة الصوت، والتمكن من الأداء، والحفظ التام للقرآن، والدراسة الدقيقة لفن التجويد من إدغام وإظهار وتنوين ومد وغيرها من أحكام التلاوة، وتضم مدرسة التلاوة السعودية للقرآن الكريم العديد من الأسماء البارزة التي تعدت في شهرتها حاجز الزمان والمكان وبروايات متعددة، منهم الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الدكتور عبدالرحمن السديس والشيخ الدكتور سعود الشريم والشيخ ماهر المعيقلي والشيخ علي الحذيفي والشيخ علي عبد الله جابر والشيخ أحمد العجمي والشيخ سعد الغامدي والشيخ الدكتور عبدالله الجهني والشيخ عادل الكلباني.
كما تضم المكتبة الصوتية تسجيلات لأشهر مرتلي القرآن من مصر والسودان وسوريا ودول عربية أخرى، فضلاً عن محاضرات وندوات لعلماء ودعاة من مختلف دول العالم، حيث تشكل 75% من أوقات البث.

أشهر برامج الإذاعة
وقال لـ«الاتحاد» الباحث السعودي في الدراسات الإسلامية، الشيخ محمد سعيد الصفّار، الذي ألًّف كتاباً عن إذاعة القرآن الكريم أن أول تلاوة عبر أثير إذاعة القرآن الكريم في المملكة عام 1392هـ، كانت للشيخ عبدالله خياط رحمه الله بآيات من سورة البقرة.
وأوضح أن أشهر برامج الإذاعة هو برنامج نور على الدرب وهو برنامج يومي يجيب فيه أصحاب الفضيلة العلماء عن أسئلة المستمعين، وهو من أشهر البرامج على مستوى المنطقة، حيث استضاف ويستضيف يومياً علماء أمثال الشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ عبدالله بن غديان، ومفتي المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، والشيخ عبدالكريم الخضير، والشيخ أحمد بن علي مباركي، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ عبد الله الركبان وغيرهم من العلماء.
وأضاف أن من البرامج الشهيرة بالإذاعة أيضاً برنامج «تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للقرآن» الذي يعده ويقدمه الشيخ الدكتور عبدالعزيز المقحم، يفسر فيه القرآن كما ورد عن النبي وأصحابه والتابعين، وأقوال أهل العلم في ذلك، وبرنامج «بك أصبحنا» ويتضمن فقرات متعددة ومتنوعة وقضية متجددة يومياً أو أسبوعياً مع ضيف لمناقشتها، وعرض رسائل المتابعين وتعليقاتهم على الموضوع.
وأوضح الصفار أن أغلب متابعي إذاعة القرآن الكريم السعودية سمعوا برنامج «سؤال على الهاتف» وبرنامج «نبي الرحمة» الذي يعده ويقدمه الدكتور خالد بن عبدالرحمن بن حمد الشايع، الأمين العام المساعد للهيئة العالمية للتعريف بالرسول صلى الله عليه وسلم ونصرته، وبرنامج «بيوت مطمئنة» وهو برنامج حواري يعده ويقدمه الدكتور عادل آل عبدالجبار، وبرنامج «دروس من الحرمين الشريفين» وبرنامج «القصص الحق» الذي يعده ويقدمه الشيخ الدكتور خالد الشايع، يستعرض فيه قصص القرآن والأنبياء، إلى جانب برامج أخرى كثيرة منها «قضايا تربوية» و «ليالي رمضان». وبحسب إحصاءات الإعلام العربي في دبي والتي أعلنت في يونيو 2017م فقد كانت إذاعة القرآن الكريم السعودية هي الأكثر استماعاً مقارنة بإذاعات أخرى.
وتبث مسابقة رمضانية يومية عبر إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية، حققت نجاحا باهراً، وهي مسابقة تفاعلية، وهناك جوائز نقدية ضخمة بلغت 100 ألف ريال بحيث يحصل المتصلين على 5000 ريال كل يوم.

إذاعة القرآن الكريم المصرية منبر لمواجهة التطرف والتشدد
«قبل 55 عاماً، ظهرت في الأسواق طبعة فاخرة ومذهبة للمصحف الشريف، وبها بعض التحريفات للآيات، ففكرت مشيخة الأزهر الشريف في إنشاء إذاعة للقرآن الكريم، وتم عرض الأمر على الدكتور عبد القادر حاتم وزير الإرشاد القومي في مصر في تلك الفترة والذي عرض الأمر على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فوافق، وتم افتتاحها في الخامس والعشرين من مارس 1964، فأنشئت الإذاعة في الأساس من أجل الحفاظ على القرآن الكريم تحقيقاً لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، «سورة الحجر: الآية 9».
بدأت الإذاعة مقتصرة على تلاوة القرآن الكريم وتطورت برامجها القرآن إلى تقديم البرامج حول علوم القرآن والسنة، وتعريف المسلمين بأمور دينهم ودنياهم، والرد على الشبهات ومحاربة الأفكار المتطرفة والمتشددة والتأكيد على وسطية الإسلام بعيداً عن الغلو والتشدد، واستطاعت أن تقف في مواجهة الإعلام الإلكتروني شديد السرعة، وما زالت لديها جماهير عريضة من المستمعين من جميع أنحاء العالم.

مواجهة التطرف
بداية، أكد الدكتور حسن مدني رئيس شبكة إذاعة القرآن الكريم لـ «الاتحاد»، أن الإذاعة تقوم بمواجهة الأفكار المتطرفة والمتشددة، تقدم صحيح الدين من خلال المتخصصين من أهل العلم في كل العلوم الإسلامية، وتحارب الفكر الغريب الذي لا يتفق مع العقل والمنطق والأعراف والتقاليد، ولا يتفق مع التاريخ والحضارة العربية، من خلال مجموعة من البرامج التي يقدمها المذيعون تتعلق بالقرآن الكريم والسنة النبوية والعلوم الإسلامية من فقه وسنة وتاريخ وحضارة.
وأشار إلى أنه يتم إلقاء الضوء عن سماحة الإسلام ودعوته للسلام من خلال التفسيرات لكتاب الله من المتخصصين، مؤكداً أن جميع البرامج التي تعرضها إذاعة القرآن الكريم تؤكد أن آيات القتال التي وردت في القرآن كلها لا تحث على الاعتداء، كما في قوله تعالى: (أُذن للّذين يُقاتلُون بأنّهُم ظُلمُوا وإنّ اللّه على نصرهم لقدير)، «سورة الحج: الآية 39»، وإنما الدفاع عن النفس، وأن الإسلام يدعو دائماً إلى عدم الاعتداء ويدعو إلى التعاون والبر. وأكد الدكتور مدني أن كل ما تقدمه إذاعة القرآن الكريم نابع من الإسلام الوسطي الذي يمثله الأزهر الشريف وعلماء وزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية، وهم الذين تخرجوا في الأزهر أقدم جامعة إسلامية في العالم، والهدف الأساس للإذاعة أن تقدم القرآن مجوداً ومرتلاً وتعليمه وتفسيره، وتطور نفسها بنفسها، وأنه لولا ذلك ما استطاعت أن تقف في مواجهة الإعلام الإلكتروني شديد السرعة، وما زالت لديها جماهير عريضة من المستمعين من جميع أنحاء العالم، وهناك تواصل مستمر معهم من خلال الفترات المفتوحة يوميا، وهناك برامج كثيرة موجهه تهتم بالشباب والمناسبات الوطنية والرد على الشبهات.

صحيح الدين
ومن جانبه، قال الإعلامي عادل عبد القادر الرئيس السابق لشبكة القرآن الكريم المصرية لـ «الاتحاد»: إن البرامج تطورت من الاقتصار على تلاوة القرآن الكريم، إلى تقديم البرامج التي تُبصّر الناس بأمور دنياهم ودينهم، كما زادت ساعات البث لمدة 24 ساعة يومياً، فأصبح صوتها لا ينقطع ليلاً ونهاراً، مؤكداً أن الإذاعة لا تألو جهداً في الحفاظ على صحيح الدين والرد على الشبهات حول الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، من خلال برامجها المتعددة والمتنوعة تُحارب الأفكار المتطرفة والمتشددة البعيدة عن وسطية الإسلام سواء بالغلو والتشدد أو الانحلال والفكر الإلحادي.
ولفت عبد القادر إلى أنه استمر في تقديم برنامج «ندوة الأسبوع» على مدار 20 عاماً يناقش خلاله مواجهة الفكر المتطرف وتدحضه بالحكمة والموعظة الحسنة، تحقيقاً لقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...)، «سورة النحل: الآية 125»، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا ذلك من خلال انتهاجه الوسطية والاعتدال في كل أمور الحياة، حيث قال: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك».
وأشار إلى أن إذاعة القرآن الكريم أثارت هذه القضايا في الفترات المفتوحة التي تُناقش الأفكار المتطرفة والبعيدة عن الإسلام، والتي ما وجُدت إلا من أجل أغراض دنيئة وبعيدة كل البعد عن الإسلام ووسطيته المتمثل في قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، «سورة الأنعام: الآية 153»، وناقشت الإذاعة من خلال برامجها المختلفة قضايا الإلحاد وحرمة الدماء في الإسلام، وأن الناس ما خلقوا في هذه الدنيا إلا لعبادة الله وإصلاح الأرض، وناقشت كل من شأنه أن يرتفع بقيمة الإنسان أياً كان دينه أو لونه أو عقيدته، كما تناقش أيضاً قضايا المواطنة، وأن الدين لله والوطن للجميع، خصوصاً وأن القيم الإنسانية والمواثيق الدولية حينما نادت بذلك، فإنما تنادي بمبدأ من أهم مبادئ الإسلام، وهو الحرية وتكريم بني آدم باختلاف أجناسهم وأديانهم، ويدعو إلى خير الإنسانية كلها وينشد سعادة الناس ويدعو لأن يكونوا أخوة متحابين متعاونين.

الإسلام الوسطي
ومن جانبه، أكد الإعلامي رضا عبد السلام كبير المذيعين بإذاعة القرآن الكريم لـ «الاتحاد»، أن الإذاعة تمثل الإسلام الوسطي وتقدمه من خلال علماء الأزهر الشريف، لافتاً إلى أن العاملين بها من مذيعين ومقدمي البرامج معظمهم حاصلون على تعليم ودراسات تؤهلهم لتقديم هذه النوعية من الأفكار.
وأشار عبد السلام إلى أن إذاعة القرآن الكريم تقدم مجموعة من البرامج التي تواجه الفكر المتطرف والمتشدد خاصة في مجال الفتاوى والتي يجيب عنها علماء من الأزهر الشريف، بالإضافة إلى البرامج التي تشرح القرآن الكريم والسنة النبوية بالفهم الصحيح، بالاستعانة بعلماء يتمتعون بالفكر المعتدل وهذا سر نجاحها.