الاتحاد

عربي ودولي

أسابيع ساخنة بانتظار حكومة النسور «الرشيقة» في الأردن

الشارع الاردني والحراك الأسبوعي (رويترز)

الشارع الاردني والحراك الأسبوعي (رويترز)

جمال ابراهيم (عمان) - يبدو المشهد السياسي العام في الأردن متجها نحو مرحلة اكثر سخونة في غضون الأيام والأسابيع المقبلة. فطريقة تشكيل الدكتور عبد الله النسور حكومته الجديدة السبت الماضي، أثارت استياء واسعا لدى شيوخ العشائر والأحزاب السياسية والحراك الشعبي، وقبل كل ذلك المجلس النيابي الذي لوح بعض اعضائه بحجب الثقة.
والنسور الذي لم يعرف بعد سبب قيامه بعملية دمج للعديد من الوزارات حتى يحصل على لقب “أرشق حكومة” منذ عام 1967 مع اقتصار حكومته على 18 وزيرا، عالق بين حراك شعبي مستمر يصر على رئيس وزراء منتخب تختاره الأغلبية البرلمانية، وتداعيات ازمة اقتصادية متصاعدة بأعباء اللجوء السوري المتزايد إلى الأردن ومديونية عامة تتجاوز 22 مليار دولار.
وما يثير تخوفات المراقبين حاليا، اندلاع احتجاجات واسعة في انحاء الاردن، في حال نفذت الحكومة توصيات صندوق النقد الدولي بخفض الدعم بنسبة 75 بالمئة عن المواد التموينية ورفع أسعار الماء والكهرباء، وهو ما يعتبره البعض إجباريا للتخلص من عجز الموازنة البالغ مليارا و800 مليون دولار.
استياء نيابي وعشائري
استثناء رئيس الوزراء لأعضاء مجلس النواب من طاقمه الحكومي، دفع النواب لأن يكونوا أول المهاجمين للتشكيلة الجديدة. وما أن صدرت الارادة الملكية السبت الماضي بالموافقة على الحكومة حتى بدأت “منصات” النواب تطلق النار على الحكومة. وفسر نواب حالة الاستياء العام بعدم إدخال النسور في التشكيلة شخصيات اقترحوها رغم المشاورات معهم بهذا الشأن لأسابيع.
وقال النائب المخضرم في البرلمان خليل عطية “الأمور غير مشجعة والنواب يشعرون أن مشاورات تشكيل الحكومة مع النواب تشبه اي شيء مع عدا المشاورات”، واضاف “إن أسماء الطاقم الوزاري أثبتت انه ليس لدى النواب أي دور في اختيار الوزراء، وأن الرئيس وحده من قام بالمهمة”.
ولم تسلم الحكومة حتى من نقد النواب القريبين منها والمحسوبين على السياسات الرسمية تاريخيا، حيث وصفها النائب محمود الخرابشة بـ”أنها لم تكن بالمستوى المطلوب، خاصة بعد مشاورات ماراثونية ومدة زمنية طويلة”، وتوقع أن تضيف هذه التشكيلة للحراكيين على الأرض مزيدا من الأتباع، وهو آخر ما يجب ان يطلبه صانع القرار”. واضاف “الإعلان عن اسماء الفريق الوزاري كان مفاجأة غير سارة، والتشكيلة مخيبة للآمال”.
ويبدو أن النسور سيواجه غضبا نيابيا عارما قد يظهر خلال تقديمه بيان الحصول على الثقة من البرلمان وفقا لما ينص عليه الدستور الذي يشترط أن يتقدم رئيس الوزراء بطلب الثقة خلال شهر من تعيين الملك له رئيسا. ورجح الخرابشة عدم منح الثقة للحكومة قائلا “أرجح حجب النواب ثقتهم بنسبة عالية وبهذا سيكون الوضع حرجا جدا”. واضاف “الكرة في ملعب مجلس النواب، وعليه ان ينهض بطرح الثقة عن هذه الحكومة”.
ودعم النائب علي السنيد رأي الخرابشة، ورأى انه من الصعوبة بمكان منح الثقة الى النسور. كما انضم إلى الخرابشة والسنيد عدد من النواب أعلنوا صراحة أنهم لن يمنحوا الثقة للحكومة الجديدة بينهم نائب من العيار الثقيل هو رئيس مجلس النواب الأسبق عبد الكريم الدغمي الذي اعلن صراحة حجبه الثقة عن الحكومة، وخاصة أنه نائب ما يزال ذو تأثير واسع على الكتل النيابية، حتى أن البعض يصر أنه ما زال يقود مجلس النواب رغم وجود رئيس جديد له.
ويبدو أن مستويات عدم الرضا لا تقتصر على أعضاء بارزين في البرلمان فقط، بل تشمل حلقات مهمة في مؤسسة القرار. فقد تردد أن مستشارية شؤون العشائر في الديوان الملكي منزعجة جدا وتتلقى اتصالات سلبية من قادة العشائر في بعض المناطق بعد تجاهل مكونات عشائرية واجتماعية بارزة كانت تتمثل دوما في المقاعد الوزارية.
النسور و «فخ» الباب المفتوح
وفي المقابل، وبعد تصريحات النواب القاسية وتهديد العديد منهم بحجب الثقة، سارع النسور الى الدفاع عن خلو حكومته من النواب قائلا”يوجد نحو 91 نائبا جديدا في البرلمان، والعديد منهم لم التق بهم من قبل فكيف لي ان أراهن على هذا او ذاك وادخلهم الى مجلس الوزراء ما لم أتأكد من معرفة ادائهم”. غير أن النسور ترك الباب مفتوحا امام النواب لدخولهم إلى الحكومة الرشيقة المكونة من 18 وزيرا وهي اصغر حكومة في تاريخ المملكة، وقال “إن المجال ما زال متاحا لدخول عدد من هؤلاء النواب إلى تشكيلة الوزارة”.
غير أن نوابا وصفوا تصريحات النسور بـ“الفخ”، فهي تربط دخول النواب للوزارة بمنح الثقة للحكومة أولا. وحذرت النائبة رولا الحروب “النواب من ا?نجرار إلى هذا الفخ”، وقالت “إن طريقة النسور في التشكيل الحكومي غايتها إبقاء النواب في خانة الحياد تجاه نقد أداء الحكومة ليبقى لديها أمل في الدخول للوزارة”.
ومن المفارقات العجيبة استهزاء رئيس كتلة “وطن “ عاطف الطراونة وهي الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان بالتشكيلة الجديدة واصفاً اياها بـ”حكومة الشواغر”، واضاف “أن حديث الرئيس عن التوزير يفهم منه أن من ترضى عنه الحكومة نضعه وزيراً وان حسّن دوره يفوز بحقائب وزارية”، معتبراً أن هذا الحديث يُعد تغولاً على أداء مجلس النواب”.
المعارضة تخشى «البعد الأمني»
وشنت جماعة الأخوان المسلمين وذراعها السياسية حزب جبهة العمل الاسلامي هجوما واسعا على حكومة النسور باعتبارها “ذات بعد أمني في التعاطي مع الملفات السياسية لاختيارها شخصيات تحمل طابعاً أمنياً” (في اشارة إلى اسناد حقيبة الداخلية الى مدير الأمن العام السابق حسين المجالي). وقال الناطق الاعلامي للجماعة زكي بني ارشيد “تشكيل الحكومة على هذا النحو يعبر عن فشل النظام باحداث التغيير المطلوب حيث يعيد إنتاج نفسه، ويلجأ إلى التدوير لملء الفراغ السياسي”. واضاف “ان مجلس النواب الذي يمنح الثقة لهذه الحكومة ليس قادرا على اداء دوره السياسي الحقيقي المنوط به، او في الرقابة على اعمالها مستقبلا. اما وصف النسور لحكومته بأنها برلمانية انما هو مجرد كذبة سياسية.. هذه الحكومة فاشلة بامتياز، ولا طعم لها ولا لون ولا رائحة”.
ولم يتوان “التيار السلفي الجهادي” عن الالتحاق بركب “الأخوان” في إطار نقد الحكومة. ورأى القيادي البارز في التيار السلفي الجهادي محمد الشلبي الملقّب بـ”أبي سياف” “ان الحكومة الجديدة لا تمتلك قرارها، وان وصفات الحكومات الاردنية بائسة في الحكم ، وهي حكومة مسيرة وليست مخيرة”. ولم تبتعد الأحزاب اليسارية والقومية كثيرا عن هذا الرأي خاصة حزب الوحدة الشعبية والتيار القومي التقدمي.

الحراك الشعبي وأزمة اللاجئين
ولم ينتظر الحراك الشعبي تشكيلة الحكومة الأردنية الجديدة بقيادة رئيس الوزراء عبدالله النسور بل تظاهر منذ الاعلان رسميا عن رئيسها، مطالبا برحيله والحكومة قبل تشكيلها، ذلك أن عودته تذكر بقراره المتمثل برفع اسعار المشتقات النفطية ودخول الحراك في مواجهات مع قوات الأمن أدت الى اعتقال وجرح العشرات.
ويعارض الحراك الشعبي بقاء مهمة اختيار رئيس الوزراء بيد العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني، فهو يطالب منذ عامين بتعديلات دستورية تفضي الى ملكية دستورية، وان تشكل الحكومة كتلة الأغلبية في البرلمان، وهو ما يعني أن الحراك سيصطدم مجددا برئيس الوزراء بغض النظر عن شخصيته. وقال الناشط المحامي رضوان النوايسة “ان تواصل الاعتصامات منذ عامين يأتي تأكيدا لحالة الرفض لكل السياسات الحكومية”. وشدد على اجراء اصلاحات دستورية وتشكيل حكومة انقاذية تأخذ على عاتقها النهوض بكل متطلبات الاصلاح الوطني.
وتحت شعار “لا شرعية للحكومة، لا شرعية للنواب” رأى بيان لـ”الحراك الشعبي” في جنوب الاردن “ان الجهات الرسمية ما تزال تماطل في إجراء إصلاحات حقيقية تلبي طموح أبناء الوطن وتهيئ البلاد لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية”.
وتواجه حكومة النسور تحديا اقتصاديا يعتبر الأكبر من نوعه في تاريخ المملكة، والمتمثل بتدفق كبير للاجئين السوريين إلى بلد محدود الموارد، ويعاني من مديونية عامة تجاوزت (22 مليار دولار)، إذ بلغ عدد النازحين من تردي الوضع الأمني في سوريا نحو 600 ألف لاجئ. والتدفق اليومي المتزايد للاجئين دفع أعضاء مجلس النواب إلى شن حملة على الحكومة وتوجيه انتقادات قوية لها، فمن وجهة نظرهم يعتبر ما أسموه بالتدفق اللاشرعي مؤامرة على هوية الدولة الأردنية والدولة السورية على حد سواء “، وهو ما حدا بعدد من النواب إلى دعوة الحكومة إلى إقامة منطقة عازلة بين الأردن وسوريا تديرها الأمم المتحدة.
لكن مخاوف المجلس النيابي تبعد اكثر من ذلك اثر اعلان السلطات الأمنية غير مرة عن القائها القبض على خلايا نائمة مندسة بين اللاجئين للعبث بأمن المملكة، فضلا عن تخوفهم من جر بلادهم إلى تدخل عسكري ضد سوريا. واعتبر النائب حابس الشبيب “أن مخيم الزعتري قنبلة موقوتة، لأنه من الصعب السيطرة على الوضع الامني فيه”.
ولم يتوقف الحال عند التخوفات بل ذهب بعض النواب إلى المطالبة بإعلان الشمال الأردني منطقة منكوبة بسبب استنزاف اللاجئين للسلع المدعومة وللمياه وللكهرباء والخدمات الصحية. بينما دعا النائب قاسم بني هاني إلى نقل اللاجئين الى الدول العربية. غير أن التذمر من اللاجئين وجد في مجلس النواب اقلية ترفضه من بينهم ?النواب سعد البلوي، باسل ملكاوي، وفواز الزعبي، وعساف الشوبكي عاطف الطراونة.

اقرأ أيضا

قتلى وجرحى في اشتباكات بين طالبان و"داعش" شرق أفغانستان