الاتحاد

عربي ودولي

الفلسطينيون غير آسفين على رحيل «السفاح» شارون

فلسطينية تبكي بينما يحمل الدفاع المدني قتلى من مخيم صابرا وشاتيلا (أ ب)

فلسطينية تبكي بينما يحمل الدفاع المدني قتلى من مخيم صابرا وشاتيلا (أ ب)

أعلن مستشفى تل هشومير الإسرائيلي أمس وفاة رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون عن عمر يناهز السادسة والثمانين عاماً، بعد أن ظل حبيس غيبوبة دماغية (موت سريري) مدة 8 سنوات.
وكان شارون أصيب بجلطة دماغية خفيفة نهاية ديسمبر عام 2005، ومكث في المستشفى فترة قصيرة قبل أن يغادرها. وفى 4 يناير 2006 أصيب بجلطة دماغية قوية وأدخل المستشفى مرة أخرى، ونقلت صلاحياته للقائم بأعماله آنذاك، إيهود أولمرت. ومكث شارون منذ ذلك الوقت في غيبوبة دماغية مستمرة.
قدم شارون عبر تاريخه رقماً قياسياً أحادي اللون من الفساد الأخلاقي، الذي لم يتلوث باللون الأبيض على الإطلاق. ويعود سجله الموثق في جرائم الحرب إلى أوائل الخمسينيات. فقد تنازل عن دراسته الجامعية لتأسيس وقيادة الوحدة 101 للعمليات الخاصة، التي كان هدفها شن هجمات على القرى العربية. وفي الواقع، كان الغرض من الوحدة 101 هو ممارسة الإرهاب والقتل، ليس فقط ضد القادرين جسدياً على القتال، ولكن ضد الشباب، والمسنين والنساء ومن لا حول لهم ولا قوة.
وفي أغسطس 1953 قامت هذه الوحدة في إحدى عملياتها، بشن هجمات على معسكر البريج للاجئين جنوب غزة، الذي راح ضحيته 50 قتيلاً. وحسب شهادة قائد قوات الأمم المتحدة آنذاك فان بينيكي فإن أعضاء هذه الجماعة الإرهابية قاموا برمي القنابل اليدوية من نوافذ الأكواخ التي كان ينام فيها الفلسطينيون العُزل. وعندما استيقظوا طالبين النجاة والهرب، أمطر المجندين الذين يعلمون تحت قيادة شارون الفلسطينيين برصاص الأسلحة الآلية.
ولم يخف قياديون فلسطينيون أمس ارتياحهم لوفاة أرييل شارون، وأعرب بعضهم عن أسفه لعدم التمكن من محاكمته قبل موته، بينما تساءل البعض الآخر عن إمكانية القيام بذلك حتى بعد موته. وارتبط اسم شارون، بالعديد من المناسبات المؤلمة للشعب الفلسطيني. واعتبر نائب أمين سر حركة “فتح” جبريل الرجوب إن شارون “كان مجرما بحق الشعب الفلسطيني وقاتلا، والمسؤول عن قتل الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات”.
وتابع “كنا نتمنى أن يحاكم أمام محكمة دولية بسبب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني وقياداته”. وأضاف “أن شارون مسؤول عن قتل عرفات وأبوعلي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والشيخ أحمد ياسين زعيم حركة حماس ومحاولة قتل خالد مشعل رئيس حركة حماس والعديد من القادة الفلسطينيين والعرب”. وأضاف أن “شارون أسس لشبكة الإرهاب الرسمي ضد شعبنا وهو بطل جرائم الإرهاب الرسمي الإسرائيلي بمخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982”.
وأرغم شارون الذي لقب بجزار بيروت على الاستقالة من وزارة الدفاع بعد أن حملته لجنة تحقيق إسرائيلية “مسؤولية غير مباشرة” عن المجازر التي راح ضحيتها مئات المدنيين الفلسطينيين ونفذتها عناصر من ميليشيات مسيحية لبنانية في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982. وتلقى ياسر عرفات حتى وفاته في نوفمبر 2004، تهديدات عدة من شارون، بعد حصاره في مقر الرئاسة الفلسطينية بالدبابات الإسرائيلية منذ ديسمبر 2001، ما أثار شكوكا في إمكان أن يكون توفي مسموما، وهو ما نفته إسرائيل باستمرار. وأصدرت مؤسسة هيومان رايت ووتش الدولية بيانا أمس أعربت فيه عن أسفها لرحيل شارون دون محاكمته ومواجهة العدالة على مجزرة صبرا وشاتيلا.
وانتهت حرب لبنان بشكلها المعترف عام 1985، إلا أن آثارها لم تنته حتى أبريل 2000، عندما انسحب الجيش الإسرائيلي وأعوانه فعلياً من جنوب لبنان. وفي العام نفسه (29 سبتمبر 2000) أدى تدنيس شارون ساحة المسجد الأقصى لاندلاع انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية) عام 2000، واستشهد خلال هذه الانتفاضة 9000 فلسطيني خلال 3 سنوات فقط. وقاد شارون الجيش الإسرائيلي في اجتياح مدن الضفة الغربية، عقب اندلاع الانتفاضة، في عملية أطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم عملية «السور الواقي»، والتي اعتبرت أكبر هجوم على الضفة الغربية منذ 1967. وكان من أهداف العملية تدمير مقر عرفات، وفرض حصار عليه. كما كانت حكومة شارون هي التي شرعت في بناء “جدار” الفصل العنصري والتوسع الاستيطاني بين إسرائيل والضفة الغربية. وكان الرجوب حينها قائدا لجهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية.
كما قاد شارون حملة عسكرية شهيرة اجتاح فيها الجيش الإسرائيلي مخيم جنين في الضفة الغربية، وحضر شخصيا في مروحية عسكرية للإشراف الميداني على العملية، في أبريل 2003. وقتل في العملية عشرات الفلسطينيين، وهدمت أحياء كبيرة من المخيم، ولا تزال آثار الهدم ظاهرة فيه حتى اليوم. وقال جمال حويل، أحد المقاتلين الذين شاركوا في التصدي لعملية الاجتياح الإسرائيلي للمخيم في تلك الفترة “شارون هدم المخيم وقتل أبناءنا ونساءنا وأطفالنا، ونحن سعيدون جدا أن يكون مات قهرا عندما هزم في معركة المخيم، لأنه لم يستطع القضاء على المقاومة”.
وأضاف “تاريخه أسود بالجرائم وتاريخه مكتوب بدماء الفلسطينيين الذين قتلهم، وستبقى دماؤنا لعنة تلاحقه في قبره، ونحن مصرون على ملاحقة كل من شاركه في مجزرة مخيم جنين”. وقال حويل، الذي أصبح عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني “شارون قتل السلام وقتل حل الدولتين بقتله لرمز الشعب الفلسطيني ياسر عرفات، الذي كان يريد سلام الشجعان”.
وقال القيادي في حركة فتح سلطان أبو العينين، الذي كان قائدا عسكريا في منظمة التحرير عام 1982، “شارون مجرم حرب وقاتل، وكان شريكا مباشرا في أكثر من مجزرة نفذت بحق الفلسطينيين، بدءا من مجزرتي دير ياسين وقبيا، وصولاً إلى جريمته الأخيرة بقتل ياسر عرفات”. وقال أبو العينين “كنت أتمنى أن يأتي يوم نحاكم فيه شارون أمام محكمة دولية، ولكن طالما أنه اصبح اليوم خارج الحياة فلا أسف على موته وموت أمثاله من القتلة والمجرمين الذين لا زالت جرائمهم ماثلة في دمنا حتى اليوم”. وأشار أبو العينين إلى أنه رغم موت شارون “فإنه من حق الضحية مواصلة العمل لمقاضاة قاتلها حتى ولو كان ميتا”. وكان الجيش الإسرائيلي اغتال الزعيم التاريخي لحماس الشيخ احمد ياسين عام 2004 بأمر من شارون.
من جانبها، أعلنت حركة «حماس» أمس أن وفاة شارون “لحظة تاريخية” للشعب الفلسطيني، ووصفته بـ”المجرم القاتل”. وقال سامي أبو زهري المتحدث باسم “حماس” إن “شعبنا الفلسطيني يعيش لحظات تاريخية برحيل هذا المجرم القاتل الذي تلطخت ايديه بدماء شعبنا الفلسطيني وقياداته”. وأضاف ابو زهري أن “وفاة شارون بعد 8 أعوام من الغيبوبة تعتبر آية من آيات الله وعبرة لكل الطواغيت”.
وكان شارون رئيس الوزراء الـ11 لدولة الاحتلال، وشغل منصب وزير في حكومات عديدة. وبعد انتخابه رئيسا لحزب الليكود اليميني في سبتمبر 1999، انتخب رئيساً للوزراء بأكثر من 62% من الأصوات في فبراير 2001، وشكل حكومة وحدة وطنية. وفي ظل رئاسته للوزراء انتهجت إسرائيل سياسة أكثر تشدداً. فقد أقصت رئيس السلطة الفلسطينية آنذاك ياسر عرفات سياسيا، وفرضت عليه إقامة جبرية في رام الله بالضفة الغربية. كما شرعت في بناء “جدار” الفصل العنصري والتوسع الاستيطاني بين إسرائيل والضفة الغربية. وفي عام 2003، عاد شارون لرئاسة الحكومة بعد فوز ساحق لليكود في الانتخابات التشريعية (40 من أصل 120 مقعدا في الكنيست). وشكل حكومة جديدة وصفت بأنها “الحكومة اليمينية الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل”. وانتهجت دولة الاحتلال مبدأ “فك الارتباط”، الذي يقضي بتفكيك مستوطنات في غزة والاستيلاء على أجزاء من الضفة، رغم رعاية الولايات المتحدة لمباحثات “خارطة الطريق” بين الطرفين. واتخذ شارون قرارا أحاديا بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وإخلاء المستوطنات فيها في عام 2005، دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية. وواصلت إسرائيل زيادة الرقعة الاستيطانية بقوة بعد إعلان محمود عباس وشارون انتهاء أعمال العنف بين الطرفين في شرم الشيخ عام 2005.
وفي العام التالي نقل شارون إلى المستشفى بعد إصابته بجلطة دماغية خطيرة. وفي 11 أبريل أعلنت الحكومة أنه لم يعد قادرا على الحكم. وأصبح أولمرت رئيسا للحكومة. وفي الشهر التالي نقل شارون من مستشفى هداسا إلى تل هاشومير في تل أبيب في حالة موت سريري.

اقرأ أيضا

كوريا الشمالية: نزع السلاح النووي غير مطروح للتفاوض مع أميركا