الاتحاد

دنيا

محمود الرحبي: اللفتات المعنوية تشكل رافداً مهماً للمبدعين

محمود الرحبي أحد الأسماء التي حفرت لها حضورا في ذاكرة القصة العمانية المعاصرة، يلتقط حكايته من حكايات الناس اليومية، ويقدمها في المسافة الواقعة بين الواقع والخيال، يرى قراؤه أنفسهم في قصصه، ويتساءلون عن سر هذا الكاتب الذي يعرف كيف يلتقط خيوط الحكاية من يومياتهم، حصد مؤخرا المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة في دبي الثقافية للإبداع عن مجموعة «أرجوحة فوق زمنين».
بقي الكاتب العماني مخلصا للقصة، وثمة سبب لذلك يشير إليه الرحبي، ويقول: «توفر القصة من الاختزال والتركيز وما تكتنزه من تأثير وتصاعد، يجعل منها حقلا مغريا للاستمرار، وصديقة وفية يصعب مفارقتها لمن يشعر بها حقيقة، لذا فإن مستقبل القصة ومنافستها للشعر في السلطنة كلام مفروغ منه، لكون السرد يعيش الآن زمنه الذهبي، سواءً على مستوى الرواية أو القصة».
وعن المواهب اللافتة على صعيد الكتابة الإبداعية التي تتلاشى بعد تركها لمقاعد الدراسة والأسباب التي تدفع لذلك، يقول الرحبي (انطلاقا من دوره بتبني المواهب الأدبية في وزارة التعليم العالي): «استمرار أي تجربة فتية رهين بمعرفة ووعي صاحبها مستقبلا بتقنيات القصة القصيرة من لغة وتصاعد وتكثيف وادهاش وغيرها، لذلك فإن الكثير من المبتدئين لا يلبثوا أن يتوقفوا في بداية الطريق ويتعبوا».

واقع ملموس
عما إذا كان العمل الثقافي المؤسسي نضج في السلطنة وباتت جمعيات المجتمع المدني قادرة على تحمل مسؤولياتها في رسم مشهد ثقافي قادر على الوصول لمناطق أفضل من الإبداع، يقول الرحبي: «أتصور بأن الجمعيات يجب أن يترك لها الطريق واسعا للمضي بحقول الإبداع المختلفة، وذلك لكونها بيت القصيد، أي أنها الأقرب والأعرف بمناخات الإبداع من أي مؤسسة رسمية». يسترسل مضيفا: «مشكلة الجمعيات أنها تشتكي كثيرا من قلة الموارد المالية، وهذا واقع ملموس، ولكنه يأخذ وقتا طويلا حتى تترسخ لدى الجميع ثقافة المجتمع المدني، وبالتالي سيكون تلقائيا لدى الجمعيات موارد ثابتة، من خلالها يمكن كذلك ترسيخ برامج ثقافية ثابتة لا تعتمد فقط على المناسبات والمواسم، إنما يمكنها أن تشكل هوية ثابتة ومستديمة لثقافة البلد تستمر عبر السنين ولا تنقطع».

اللون البني
أوجد الرحبي لنفسه بعد مجموعته «اللون البني» مكانة متميزة بين أبناء جيله من كتاب القصة، لذا فإن اللون البني كلون أو مجموعة يعني له شيئا ما، يقول في ذلك: «إنه بصراحة لون الطين، وقد انطلقت من ردهات الذاكرة والواقع وأنا اكتب هذا العمل، الذي تناوبت كتابته بين المدينتين العريقتين مسقط والرباط، فأجواء هذا اللون كانت طاغية في هذه المجموعة، وفي اعتقادي بأن هذا اللون هو أساس الحياة، وما سواه من ألوان ليست سوى اشتقاقات منه. فتأمل معي طغيان اللون البني في حياتنا، بداية من الجسد وانطلاقا الى مشتقات الأرض المتعددة، إنه لون يحيط حياتنا ويرش عليها روحا من الدفء والجمال ويجعلها محتملة».
وفيما يخص النقد الذي نالته مجموعاته أو تجربته القصصية، يقول الرحبي: «خصصت الكاتبة غادة السمان أحد أعمدتها في مجلة الحوادث للكتابة عن مجموعة الرحبي «لماذا لا تمزح معي» لقيت بعض الأصداء النقدية الجيدة، كما فازت مجموعتي الرابعة «أرجوحة فوق زمنين» بجائزة دبي الثقافية لهذا العام. فهذه اللفتات المعنوية لابد وأن تشكل رافدا مهما للكاتب الى جانب الرافد الإبداعي الذي يجب أن يتطور ويفاجئ بالجديد في كل مرة. فلن يكون ثمة إبداع إذا لم يأت بالمختلف، لذلك على الكاتب أن يبذل مجهودا جبارا كي يسلك طرائق جديدة في إبداعه».

تأثر وتأثير
بشأن دراسته في بلاد المغرب العربي ومدى تأثيرها ونتائجها ثقافيا عليه، يقول الرحبي: «قضيت ردحا من عمري في المغرب، واستطعت إنجاز قرابة الثلاث مجموعات قصصية إلى جانب بحث في الجمالية الشعرية، نشرت تباعا فيما بعد وأغفلت عن نشر البدايات التي كنت انشرها في صحف محلية وفي صحف مغربية وكذلك في جريدتي القدس العربي والشرق الأوسط بلندن، هذه التجربة جعلتني على تماس مع الوسط الثقافي المغربي وخاصة الأكاديمي منه، وجمعتني صداقات راسخة بنقاد في الأساس أساتذة أصبحوا أصدقاء لي فيما بعد، فالمغرب بلد غني جدا ومتنوع ثقافيا ويحتوي على كنوز حياتية وتاريخية لا تحصى».
ومن يعتقد أن «حياتنا قصة» سوف يفاجئ بقول الرحبي: «أنا سأعكس هذه العبارة، فأقول «القصة هي حياتنا» فالثابت بأن لكل إنسان قصة تختلف تفصيليا في معظم الأحيان وجذريا في بعض الأحيان عن قصة إنسان آخر مهما اشترك معه في الملبس والمأكل وأحيانا في سقف البيت الواحد تجد بأن لكل إنسان قصة مستقلة بآفاقها وطموحاتها ونهاياتها، هذا الكنز الوجودي العجيب والمسمى بالحياة يمكنه أن يشكل مادة حكائية مشوقة وجاذبة للكثير من الكتاب، شريطة أن يعرفوا كيف يوظفوها بعيدا عن التكرار والمباشرة».

حكاية الحياة
وعن مدى كون الحياة مغرية لكتابة الحكايات، يقول: «يضطر الكاتب في كثير من الأحيان أن يعزل نفسه من أجل الانتصار لمشروعه الكتابي، لذلك فهو كثيرا ما يتهم بالابتعاد عن الطقوس الاجتماعية اليومية، ورغم أنه يعيش هموم الناس، لكنه يفعل ذلك -غالبا- وهو في معزل عنهم، أي أنه يفكر تفكيرا جماعيا ولكن في مركنه ومعتكفه الخاص».
ارتباط الرحبي بالمكان واضح في قصصه، وكذلك الطفولة وتذكاراتها، في ذلك يقول: «الطفولة ينبوع خفي نستقي منه نسغ حكاياتنا، لا غنى لأي كاتب عن طفولته، مهما حاول أن يتصنع الابتعاد عنها والانبهار بما سواها، فإنه يرتد إلى ردهاتها وعوالمها» يسترسل قائلا: «أحيانا تطغى الحياة الحاضرة على الكتابة وتتسلل إليها، فالكاتب الذي يعيش في مكان ضيق ومزعج يمكن أن يتسلل هذا الشعور إلى كتابته، والذي يعيش في مكان وظروف جيدة فلا ريب أن هذا سيؤثر وينعكس بصورة من الصور على كتابته، فالكاتب ابن لحظته وشعوره ومحيطه».

ذكريات الطفولة
وفيما يتصل بمنطقتي (سرور ومطرح) القرية والمدينة التي عاش بهما الرحبي، والمحفزات الإبداعية لكل منهما، يقول الرحبي موضحا: «كانت سرور بالنسبة لنا مصيفا مهما، حيث كنا نقضي معظم أوقات القيض، وقد ولدت في سرور لكن والدي انتقل للعمل في مطرح، وهي أوقات محفوفة بكل ما تحمله الطفولة من تربية ولعب وعنفوان، حيث تعلمنا قراءة القرآن على يد المعلم سعود وطاردنا صغار النعاج وتسلقنا النخيل وجمعنا التمر المتساقط في الجبب. مطرح كانت وما تزال سوق قديم يعج بمختلف الهويات وتكون الحركة فيه سريعة وهو محيط لا يخلوا من دهشة وجمال وتفاصيل».

اقرأ أيضا