الاتحاد

تقارير

إسرائيل··· مؤشرات الديمقراطية العنصرية

المجتمع الإسرائيلي··· نسيج ممزق

المجتمع الإسرائيلي··· نسيج ممزق

بعد أن توقفت الحرب في غزة الآن، يمكن القول -إلى حد كبير- إن إسرائيل التي كانت تتحرق شوقاً للرد على آلاف الصواريخ المزعجة، والمحدودة الفاعلية في الوقت ذاته، والتي كانت تخشى تكرار أخطاء حربها في صيف عام 2006 مع ''حزب الله''، قد انتصرت في تلك الحرب، بيد أن الشيء الواضح مع ذلك، هو أن إسرائيل تخسر كثيراً بتركيزها على التهديدات الخارجية أكثر مما تركز على الإخفاقات المحلية· وتلك الإخفاقات التي استمرت لعقود غالباً ما كانت تمر دون اهتمام كبير، على الرغم من أنها يمكن أن تجعل مصير إسرائيل على المحك، وأن تشكل خطراً على وجودها من الخطر الذي تمثله ''حماس'' و''حزب الله'' أو حتى إيران· ويتفق كثيرون، على أنه إذا لم تتبلور دولة فلسطينية قابلة للحياة في المستقبل القريب، فإن خيار الدولة الواحدة ثنائية الجنسية سيبرز كبديل· وفي الحقيقة أن إسرائيل الحاليـــة هي كذلك بالفعـــــل -دولة ثنائية الجنسية- حتى وإن كان ذلك بحكم الأمر الواقع، حيث يبلغ عدد السكان من الفلسطينيين العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية 1,4 مليون نسمة، من إجمالي سكان إسرائيل (7,1 مليون نسمة) وهو عدد مرشح للتزايد· وهؤلاء العرب ينحدرون من نسل 160 ألف نسمة فلسطينية لم يغادروا أراضيهم عامي 1948و،1949 وفرضت عليهم إسرائيل بعد ذلك حمل الجنسية الإسرائيلية· والديمقراطية تعني حق الانتخاب، والقضاء المستقل، وحرية التعبير، وهي أشياء توفرها إسرائيل بالفعل· ولكن الديمقراطية، على الأقل في بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، تعني أيضاً أن الجنسية والمواطنة شيء واحد أي أن من يكون لديه الجنسية متمتعاً بكافة حقوق المواطنة، وهو أمر لا يتوافر في إسرائيل· فديمقراطية إسرائيل عنصرية: فلكي يصبح جزءاً من المجموع، فإن المواطن في إسرائيل يجب أن يكون جزءاً من الأمة اليهودية، وهو شيء لا يمكن للقانون المدني أن يوفره للعرب، حتى، وإن كانوا من الناحية الظاهرية حاصلين على الجنسية· فإسرائيل ـ كما كتب ذات مرة ''يواف بيليد''، وهو من كبار المفكرين المتخصصين في العلاقات اليهودية/ العربية- محكومة من قبل العرق اليهودي، وليس من خلال مجموع الأعراق التي تمتلك الجنسية، مما يعني -في التحليل الأخير- أنه لا يوجد شيء اسمه الأمة الإسرائيلية·
لذلك، تحتاج إسرائيل إلى هوية تتسامى على الوحدات ''الما دون'' قومية سواء كانت عرقية أو دينية، لديها القدرة على توحيد جميع المواطنين كأعضاء متساوين في دولة مشتركة، ذات أهداف مشتركة، ومصير مشترك·
والطبيعة المتشظية للمجتمع الإسرائيلي تتجاوز عدم الاتفاق والسجال الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من الديمقراطية الصحية، ويصل تأثيرها بدلاً من ذلك إلى حد إثارة سؤال هو ما إذا ما كان سكان إسرائيل، الذين يبلغ عددهم في المجمل 7,1 مليون نسمة يريدون حقاً أن يكونوا إسرائيليين·
ومن المعروف أن موضوع عدم الاستقرار الداخلي يشكل في إسرائيل عملية ثقيلة الوطأة، تأجلت أكثر مما ينبغي، وفيما يلي أورد ثلاثة أهداف يجب على القادة والناخبين الإسرائيليين أن يعملوا على تحقيقها من أجل بناء الهوية الإسرائيلية:
الهدف الأول: ويمثل حداً أدنى بالنسبة لإسرائيل، وهو جعل الخدمة الوطنية إجبارية بالنسبة للجميع، خصوصاً أنه توجد في الوقت الراهن ظروف مواتية تساعد على تحقيق هذا الهدف، منها مثلا ما أشارت إليه صحيفة ''هآرتس'' العام الماضي من أن عدد العرب الذين يخدمون في الجيش قد وصل إلى أعلى رقم له -وإن كان لا يزال محدوداً مقارنة بالعدد الإجمالي للجيش- ومنها ما أعلن عنه من أن الكنيست ينظر حالياً في إمكانية جعل الخدمة العسكرية إجبارية للعرب مثلما هي بالنسبة لليهود·
الهدف الثاني: توحيد النظام التعليمي· فمن المعروف أن هناك في الوقت الراهن ثلاثة أنظمة تعليمية مختلفة، تدرس مناهج مختلفة في إسرائيل· فاليهود العلمانيون يلتحقون بالمدارس العامة المماثلة لما هو موجود في كافة الدولة الغربية· واليهود المتدينون يلتحقون بمدارس تركز على المناهج الدينية اليهودية، أما العرب فهم يلتحقون بنظام ثالث من المدارس، يكون التعليم فيه باللغة العربية، ويهتم اهتماماً مكثفاً بتدريس التاريخ العربي·
الهدف الثالث: اعتماد دستور موحد لإسرائيل· فعــــدم وجود مثل هذا الدستور يمثل أبرز نواحي القصور في الديمقراطية الإسرائيلية على الإطلاق، حيث تدار الدولة حالياً بناء على مجموعة من القوانين الأساسية المتفق عليها والتي تكتسب وضعاً شبه دستوري·
يجب على إسرائيل أن تصادق على دستور يعزز الحقوق المتساوية، ويوفر الحماية لجميع المواطنين من دون استثناء، ويعترف بالجالية العربية في إسرائيل باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الدولة· كما يجب أن يُراعى في ذلك الدستور فصل الدين عن الدولة، مع المحافظة في ذات الوقت على الطابع اليهودي للبلاد، على ألا يفتئت ذلك على حدود الأقليات الأخرى التي تعيش في إسرائيل (فبريطانيا على سبيل المثال دولة مسيحية كما ينص على ذلك دستورها، ومع ذلك فإن تلك الطبيعة لم تكن تمثل أي افتئات على اليهود مثلاً الذين يعيشون في بريطانيا من دون أي مشكلات)·
التعامل مع موضوع الهوية الإسرائيلية، أو الافتقار إليها في الحقيقة، يمكن أن يؤدي إلى تمزيق نسيج المجتمع الإسرائيلي، وهو تحديداً السبب الذي جعل الزعماء الإسرائيليين منذ إنشاء الدولة يتجنبون التطرق إلى هذا الموضوع، ويفضلون بدلاً من ذلك مهاجمة المتطرفين الخارجيين بدلاً من مواجهة مواطنيهم· ولكن على هؤلاء القادة الآن أن يعرفوا أن تأمين ''الدولة اليهودية'' وهويتها، شيء ضروري إذا ما كانت إسرائيل تريد الحديث كصوت واحد مع الأمة الفلسطينية، وتريد حماية نفسها من الابتلاع من قبل الأغلبية الإقليمية، وأنها إذا لم تفعل ذلك، فلن يكون أمامها سوى اتخاذ إجراءات قاسية ولا إنسانية لمنع ذلك الابتلاع من التبلور على أرض الواقع·

بيل جلوكروفت
محلل سياسي أميركي عمل لدى مؤسسة للدعوة إلى السلام بين الإسرائيليين والعرب في حيفا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا