الاتحاد

دنيا

الاقتصاد الأخضر

يبدو جليا هذه الأيام أن نموذج التنمية الحالي لم يحقق تطلعات الناس والمجتمعات ولم يراع احتياجات الطبيعة ويبدو أن النظام بأسره سواء المرتبط بالمناخ والغذاء والطاقة وأيضا التنوع الحيوي والقطاع المالي في حالة أزمة مستعصية، وقد أدى ذلك إلى إعادة التفكير عالميا في نموذج التنمية وطريقة تنفيذ الأعمال، وبالتالي كان الاتجاه بقوة للانتقال للاقتصاد الأخضر الذي سيعود بالعديد من المنافع على الناس والأرض والتنمية، وتعتبر فكرة الاقتصاد الأخضر الوصلة بين الاقتصاد والبيئة والاعتبارات الاجتماعية. كما يعني تضمين تأثيرات مثل التغير المناخي والقدرة الاستيعابية وحقوق الأجيال القادمة. ويمكن تشبيه الاقتصاد الأخضر بالطفل الرضيع الذي يبكي بأعلى صوته جاذبا انتباه الكثيرين، لذلك فإن من الأهمية بمكان لمتخصصي السياسات وصانعي القرارات التأكد من أن التحول للاقتصاد الأخضر ليست مجرد حجة للأفراد والشركات لتحقيق المزيد من الأرباح، والقيام بأعمالهم كالمعتاد في حين أنهم يدعون تخضير أعمالهم، فعملية التنمية يجب أن تكون موجهة بطريقة مسئولة نحو الاقتصاد الأخضر حتى لا نكرر أخطاء الماضي. لذا يجب أن تكون المبادئ التي يقوم عليها الاقتصاد الأخضر واضحة ومفهومة للجميع، ولابد من تطوير المؤشرات الخضراء وتوحيدها على مستوى الدولة على الأقل، لكي نتمكن من القياس والمتابعة ومقارنة النتائج بين الفترات وبين القطاعات. ويذكر أن الأمم المتحدة منذ حوالي عامين أطلقت مبادرة الاقتصاد الأخضر، لتغتنم هذه الفرصة التاريخية للتحول لاقتصاد المستقبل الصديق للبيئة، وطبقا لتعريف الأمم المتحدة فإن الاقتصاد الأخضر هو نظام من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإنتاج والتوزيع والاستهلاك للسلع والخدمات، والتي ينتج عنها تحسين لنوعية الحياة للأفراد على المدى البعيد، وبدون أن تتعرض الأجيال القادمة لمخاطر بيئية أو نُدرة في الموارد الطبيعية.
وفي الخليج العربي بصفة عامة وفي الإمارات العربية بصفة خاصة هناك مجهودات في هذه المجالات لا ننكرها، فبجانب مدينة مصدر، أول مدينة خالية من الكربون في العالم، هناك مبادرة المباني الخضراء مترو دبي، ومشروعات مراقبة وحماية البيئة البحرية والإصلاحات في السياسات المتعلقة بالموارد المائية. والاقتصاد الأخضر يهدف إلى تشجيع النمو الاقتصادي المبني على القيم الصحيحة والأخلاقيات، وخاصة إدخال العديد من الاعتبارات البيئية والاجتماعية في الحسبان، ليسير بطريقة سليمة تعتمد على مبادئ التنمية المتواصلة والتي تأخذ في الاعتبار أبعاداً مختلفة، مثل احتياجات الحياة الأساسية للفرد العادي، والعدالة، والعقد الضمني بين الأجيال في الحقوق البيئية. وقد يضع نهاية لبعض الأعمال لكنه سيعطي دفعة لقطاعات جديدة، مثل الطاقة المتجددة، وإعادة التدوير، والتكنولوجيا النظيفة بصفة عامة في كافة القطاعات.
لتشجيع الاقتصاد الأخضر يجب على الحكومات أن تعمل على تعديل الكثير من سياساتها، خاصة فيما يتعلق بسياسات الدعم، والضرائب الخضراء، وخلق سوق الانبعاثات، ودمج التنمية المتواصلة في قطاعات مثل التجارة والصحة، والتخطيط العمراني، والإدارة المتكاملة لمواد المياه والسواحل، بالإضافة إلى المراقبة وتفعيل القوانين. ولابُدّ للحكومة من اتباع مزيج أو سلة من السياسات تجمع بين السيطرة والتحكم والأدوات الاقتصادية، والتوعية والتدريب من أجل دفع التحول تجاه الاقتصاد الأخضر.

د. محمد عبدالرؤوف
مدير برنامج أبحاث البيئة في مركز الخليج للأبحاث دبي

اقرأ أيضا