الاتحاد

ثقافة

?«هكـذا تحـدث نيتشـه».. عن القـراءة

نيتشه (أرشيفية)

نيتشه (أرشيفية)

عصام أبو القاسم (الشارقة)

في وسع قارئ كتابات فريدريش نيتشه (1844‏?(?1900، ?على ?تعددها ?واختلاف ?موضوعاتها، ?أن ?يعثر ?دائما ?على ?تعليق ?أو ?مداخلة ?لصاحب ?كتاب «العلم ?المرح» ?حول «القراءة» ?و«?القارئ»?. ?لقد ?ظل ?الفيلسوف ?الذي ?عُرف ?بجرأته ?العالية ?واعتزازه ?بفكره، ?وغروره ?الذي ?يوشك ?أن ?يكون ?بلا ?قرين، ?يشكو ?من ?سوء ?فهم ?تتعرض ?له ?كتاباته ?خصوصاً ?في ?ألمانيا، ?وهو ?يفسر ?ذلك ?بعطب ?أو ?ضعف ?لدى ?القارئ ?ويبرئ ?كتاباته ?من ?أي ?مشكل ?أو ?تعقيد!
بالنسبة لصاحب كتاب «مولد التراجيديا»، فإن الكاتب «عندما ينكر موهبته لا لشيء إلا ليجعل نفسه في مستوى القارئ فإنه يقترف الخطيئة المميتة الوحيدة التي لا يغفرها له هذا الأخير.. فالكاتب يستطيع أن يقول كل أنواع الشرور عن الإنسان لكن ينبغي له أن يعرف كيف يحفظ له غروره في الطريقة التي يقول بها ذلك»!.
يرد في بعض المصادر أن صاحب كتاب «أصل الأخلاق» كان ناقماً وحانقاً من الساحة الثقافيّة في بلده (ألمانيا) التي لم تظهر له الحفاوة التي انتظرها. ومن هنا، راح ينتقم عبر نصوصه من حال القراءة والفكر في ألمانيا. ونقرأ له في كتابه «هذا هو الإنسان» ما يوضح ذلك: «لي في كل مكان، عدا ألمانيا، قراء من صفوة الأذكياء.. في فيينا وسان بيترسبورغ وستوكهولم وباريس.. في كل مكان وقع اكتشافي لكن ذلك لم يحصل في البلاد المسطحة من أوروبا: ألمانيا».
ويشير، بنبرة لا تعوزها السخرية، إلى حضور مؤلفاته في إيطاليا، فيقول: «في تورينو.. البائعات العجائز لا يهدأ لهن بال إلا بعد أن ينتقين لي ألذ ما لديهن من عنب..إلى هذا الحد على المرء أن يكون فيلسوفاً..».
لكن، أي قارئ يريده نيتشه؟ لعل الحاشية التي تعقب العنوان الرئيس لكتابه الأوسع انتشاراً تعكس حساسية نيتشه تجاه مسألة «القراء»، فهو يكتب عنوانه، على هذا الرسم: «هكذا تحدث زرادشت.. كتاب للجميع ولا لأحد». وثمة كتاب آخر له شاء أن يوجهه لطائفة محددة من القراء، فكتب عنوانه بحسب الترجمة العربية هكذا: إنسانيٌّ مفرط في إنسانيته.. كتاب للمفكرين الأحرار».
تبدو«القراءة»في منظور نيتشة كعمل شاق لا يقدر عليه إلا من يتسم بالقوة والصبر والمثابرة. يقول نيتشة، على لسان زرادشت:» إنني أبغض كل قارئ كسول»، ويضيف:«إذا أعطي لكل إنسان الحق في أن يتعلم القراءة فلن تفسد الكتابة مع مرور الزمن فحسب، بل إن الفكر نفسه سيفسد».
ما معنى القراءة بالنسبة لنيتشه شخصياً؟ إنها«استراحة»، فهو لا يقرأ إلا لكي يستريح أو يهدأ، يقول:»كل أنواع القراءة تعد استراحة وهي من الأشياء التي تبعدني عن نفسي وتمكنني من التفسح بين علوم وأنفس غريبة عني أي ما لم أعد آخذه بجدية. إن القراءة تريحني بالفعل من جديتي».
بيد أن ما يقرأه نيتشه هو الأقلّ إذ انه يعتمد منهجية محكومة بقاعدتي«الانتقاء والاتقاء» في اختياراته من الكتب، ويبقى يعيد قراءة تلك الكتب التي لمس فيها الفائدة والمنفعة بأكثر مما يتوجه لكتاب صدر حديثاً، فحين يتعلق الأمر بالكتب الجديدة فإن«الحذر»و«المعاداة»يكونا أقرب إلى شعوره تجاهها من «التسامح»و «رحابة الصدر».

اقرأ أيضا

زايد.. قوة الإمارات الناعمة