الاتحاد

دنيا

ناج من السرطان يجوب العالم لجمع أموال تدعم الأبحاث الطبية

نورمان سربلس أمام طائرته الصغيرة ذات المقعدين

نورمان سربلس أمام طائرته الصغيرة ذات المقعدين

استقبل مطار أبوظبي مؤخراً الطيار البريطاني نورمان سربلس، الذي يجوب العالم في محاولة لتحطيم رقم قياسي جديد في التحليق بمروحية صغيرة من طراز «الأوتوجيرو» ويجمع تبرعات لمصلحة مرضى السرطان ودعم مؤسسة «باول» الخيرية في بريطانيا، التي تجري عدداً من الأبحاث الطبية لمكافحة سرطان الأمعاء.

انطلق الطيار البريطاني نورمان سربلس (45 سنة)، وهو أحد الناجين من مرض السرطان، بمروحيته الصغيرة في 22 من شهر مارس الماضي، في رحلة حول العالم، يقطع خلالها مسافة 27 ألف ميل، أي نحو 46 ألف كيلومتر، ليزور 26 دولة، ومن المتوقع أن تستغرق الرحلة نحو خمسة أشهر.
معركة الشفاء
في حوار أجرته معه «الاتحاد» لدى زيارته العاصمة الإماراتية أبوظبي، تحدث الطيار سربلس عن معاناته مع مرض سرطان الأمعاء ورحلة علاجه، موضحاً أنها بدأت منذ عام 2003، وكان حينئذ يبلغ من العمر أربعين عاماً، وبسبب تأخر اكتشاف الإصابة، انتشر السرطان في أنحاء متفرقة من جسده، وتم إجراء عدة عمليات جراحية للقضاء على الأورام السرطانية.
وأضاف أنه بحلول عام 2004، أدخل إلى مستشفى «بلفاست» لعلاج مرض السرطان بإيرلندا، وهناك خضع للعلاج الكيميائي، حيث قام أطباء متخصصون من قسم الأورام بالإشراف على وضعه الصحي، واستمرت فترة علاجه نحو ستة أسابيع.
ورغم صعوبة العلاج وتدني نسبة حالات نجاح شفاء مرضى سرطان الأمعاء، بحسب سربلس، ففي ذلك الوقت، كانت نسبة شفاء المرضى ضئيلة لا تتجاوز 40%، وكانت فرصة بقائهم على قيد الحياة لا تتجاوز ثمانية عشر شهراً فقط، إلا أنه أبدى تفاعلاً إيجابياً لمواجهة مختلف أنواع العلاجات التي تطلبت إجراء المزيد من البحوث الطبية لكشف مدى استجابة جسده لها، ليثبت أن الإرادة القوية تلعب دوراً مهماً في الشفاء من أصعب الأمراض الجسدية.
وقال نورمان «كانت رحلة العلاج، وخصوصاً عند البدء بالعلاج الكيميائي، أشبه بمعركة تتصارع فيها النفس مع الجسد لمقاومة الآلام التي تسببت بها الأدوية والمواد الكيميائية المختلفة التي تناولتها للقضاء على المرض، حاولت خلالها متابعة وضعي الصحي وماآلت إليه الأبحاث الطبية لمعالجة هذا النوع من مرض السرطان، وبنفس الوقت الكفاح للإبقاء على حياتي أطول فترة ممكنة من خلال دفع إرادتي نحو التفاؤل والإيجابية والتحلي بالصبر والإيمان».
وأضاف «لن أكذب لأقول إنني كنت شجاعاً على الدوام، بل كنت إنساناً طبيعياً اعترتني مشاعر متناوبة ومتضاربة أثناء فترة العلاج، فتارة كنت أشعر بقوّة جسدية أشبه بقوة الرجل الحديدي وتارة أخرى كنت أشعر بخمول شديد لا أستطيع بسببه مغادرة السرير أو حتى الوقوف، وذلك بسبب المنشطات التي كنت أتناولها، ومنها تلك المنشطات المعروفة طبياً باسم «ستيرويد» (steroids)، وهي أدوية مضادة لخلايا السرطان ومسببة للغثيان والقيء».


البرنامج الملهم
في الوقت الذي كان فيه سربلس يتماثل للشفاء وقبيل خروجه من المستشفى، كان يفكر في غيره من مرضى السرطان والذين يعانون ويتألمون مثله، ويعدّ العدة من أجل إحداث تغيير في واقع هؤلاء المرضى ومساعدتهم في التعافي من المرض، إلى ذلك، قال «خلال الفترة التي سبقت شفائي، كنت معتاداً على مشاهدة التلفزيون، تلك الشاشة الصغيرة في غرفتي المليئة برائحة الأدوية الكيميائية والأجهزة الطبية، والتي أبقتني على اتصال دائم مع العالم الخارجي، وفي يوم من الأيام، عرضت إحدى القنوات التلفزيونية برنامجاً وثائقياً عن أنواع الطائرات، وشاهدت نموذجاً لطائرة مروحية من طراز «الأوتوجيرو» ذات المقعد الواحد تم تحديثها لاستخدامها في التحليق على ارتفاعات منخفضة». ويتابع «أثر فيَّ مشهد الطيار وهو يحلّق بهذه المروحية الصغيرة وحرصت على متابعة الأجزاء الباقية من البرنامج للتعرف عن كثب على المروحية والأجهزة الدقيقة المركبة فيها. وحينها تملكني شعور غريب ورغبة عارمة في التدريب والتحليق بالمروحية حول العالم، لقد كان هذا البرنامج التلفزيوني الملهم الحقيقي لفكرة التحليق وأحد الأسباب التي دفعتني لمقاومة المرض والألم والتفاؤل والإصرار للوقوف من جديد والخروج من غرفة المستشفى لاكتشاف العالم من حولي والحياة بصورة أكثر إشراقاً ملؤها الأمل».
وأضاف «لأنني أسهمت بشكل معنوي في دعم الأبحاث الطبية والقبول بتجربة وتناول الأدوية الكيميائية التي اكتشفها الأطباء في مستشفى «بلفاست» لعلاج مرض سرطان الأمعاء، فقد قررت الخوض بتجربة التدريب على التحليق بالمروحية خلال فترة شفائي بدعم من الأطباء في المستشفى ودعم من مؤسسة «باول» الخيرية المعنية بأبحاث مرض السرطان وعلاج المرضى المصابين به في المملكة المتحدة، وبالفعل أصبح الحلم واقعاً، ففي 22 مارس 2010، انطلقت في أول جولة لي حول العالم لأحلّق بمروحية ألمانية الصنع من طراز «الأوتوجيرو» ذات مقعدين، أقطع خلالها مسافة 27 ألف ميل، أي ما يوازي 46 ألف كيلومتر، وأزور نحو 26 دولة».


رسالة أمل وتفاؤل
بزيّه الأحمر العاكس، وطيارته الصغيرة ذات المقعدين، يجوب سربلس العالم حاملاً معه رسالة نبيلة يوصلها إلى جميع المرضى، ولا سيما مرضى السرطان، وهي رسالة أمل وتفاؤل بالحياة، وإقبال عليها واحتضانها واكتشافها بصورة مختلفة، يقول نورمان: «رسالتي لجميع المرضى أن يحتضنوا الحياة ويكتشفوها بصورة أخرى، وذلك دافع إضافي لتحقيق الشفاء الكامل، وبالإضافة إلى التحلي بالإيمان والرضا للانتصار في المعركة النفسية التي يمرون بها خلال فترة العلاج وتحدي الألم في وقت يشعرون فيه بالاكتئاب واليأس وعدم الرغبة بالمقاومة.. أما فيما يتعلق بالدور الإنساني لرحلتي العالمية هذه، فإنني أجمع التبرعات للمساعدة في دعم الأبحاث الطبية وبرامج التوعية حول مرض سرطان الأمعاء الذي تقوم به مؤسسة «باول» الخيرية المعنية بأبحاث مرض السرطان وعلاج المرضى المصابين به في المملكة المتحدة». ويصف سربلس، الذي حطّت طيارته في مطار أبوظبي الشهر الماضي، ليستقبله موظفو شركة أبوظبي للمطارات «أداك»، رحلته إلى العاصمة الإماراتية بقوله: «في الواقع، لم تكن رحلتي إلى أبوظبي سهلة، فقد مرّت المروحية بخلل فني بعد الإقلاع ظهراً من مطار الدوحة الدولي، ما تسبب في صعوبة الاتصال مع برج المراقبة الجوية في مطار أبوظبي الدولي، لكنني تمكنت من الهبوط بها في المدرج في تمام الساعة الخامسة والنصف عصراً بالتوقيت المحلي لأبوظبي، حيث كان في استقبالي عدد من موظفي شركة أبوظبي للمطارات العاملين في إدارة العمليات ومهندسين الطيران العاملين لدى شركة أبوظبي لخدمات المطارات وطيران أبوظبي».
يضيف قائلًا: «وبسبب الخلل الفني والعطل الذي أصاب جهاز الإرسال، فقد قامت شركة أبوظبي للمطارات بمساعدتي من خلال إصلاح الخلل وضمان راحتي خلال فترة إقامتي بالعاصمة، والتي استغرقت لمدة يوم واحد، قبل أن أتوجه إلى وجهتي النهائية في شبه الجزيرة العربية والسفر إلى شبه القارة الهندية لمتابعة الجولة العالمية، حيث أقلعت من مطار البطين للطيران الخاص متجهاً إلى مطار مسقط الدولي بسلطنة عمان».


مواجهة تحديات التحليق
لفت الطيار البريطاني نورمان سربلس إلى أنه لمواجهة التحديات المتعلقة بتحليق المروحية، فقد تم تصميم صهريج إضافي لتخزين الوقود وإضافة محركات لدفع سرعة المروحية من 300 ميل في الساعة إلى 800 ميل في الساعة للوصول إلى الوجهات البعيدة مثل كندا وأسكتلندا، ولضمان سلامته أثناء رحلة التحليق، قامت شركة أورست (Ursuit) الفنلندية بتصميم زيّ باللون الأحمر مزوّد بأشرطة عاكسة يمكن رؤيتها عن بعد.

الزي الأسود
رحلة المرض بالنسبة لنورمان سربلس وصراعه مع سرطان الأمعاء، مازالت ماثلة بوضوح في مخيلته حتى بعد الشفاء، وهي تجربة شخصية وإنسانية تعلّم منها الكثير في حياته المستقبلية، إلى ذلك، قال «لن أنسى المناظر التي شاهدتها خلال فترة علاجي، خصوصاً تلك المتعلقة بالممرضات وطريقة حصولي على العلاج الكيميائي كل صباح، الأمر الذي كان يشكل تحدياً حقيقياً لي ولهن على حدّ سواء. فقد اعتدت على رؤيتهن وهن يرتدين الزيّ الواقي باللون الأسود مع أقنعة حماية لتغطية وجوههن أشبه بتلك التي يرتديها أبطال أفلام حرب النجوم، وذلك لحماية أنفسهن من التعرض للأدوية الكيميائية أو الإصابة بمخاطر نتيجة لملامستها بالجلد، والتي كنّ يحملنها في أكياس سوداء واقية من أشعة الشمس كتب عليها عبارة خطر بيولوجي، هذه التجربة أعطتني حافزاً لمقاومة المرض والتمسك بالحياة التي أعدت اكتشافها من جديد بعد شفائي».

اقرأ أيضا