الاتحاد

الملحق الثقافي

سيرة الفظائع البشرية..

هذا الكتاب الضخم الذي يحمل عنوان “الحرب العالميّة الثانية” يتضمن ألف صفحة يعرض فيها المؤلف أنطوني بييفر (66 عاماً)، وهو مؤرخ بريطاني مختصّ، كلّ تفاصيل الحرب الكونيّة الثانيّة بمعاركها وتخطيطاتها وتحالفاتها، ويشرح جزئياتها وخلفياتها وأسبابها الظاهرة والباطنة، وهو يحلل بعمق الأسباب التي جعلت الألمانيين يطيعون طاعة تكاد تكون عمياء أدولف هتلر وينفذون أوامره دون اعتراض أو نقاش، والمؤرخ يستشهد في هذا السياق بمقولة لبسمارك: “إنّ الألماني إذا ارتدى الزيّ العسكري فإنّه يتخلى عن كلّ شجاعة أخلاقيّة”. المؤلف يستنتج من قراءته لكل تفاصيل الحرب العالميّة الثانية أنه من النادر أن تجد جندياً أو قائداً عسكرياً ألمانياً خلال هذه الحرب الطاحنة اجتمعت لديه الشجاعة الجسديّة والشجاعة الأخلاقيّة.

نرجسيّة القادة
لا يتوقف المؤلف الإنجليزي عند نقد الألمان فقط، بل إنه أيضاً عدد أخطاء بعض القادة العسكريين الفرنسيين الذين ظنوا في خضم الحرب أنهم أوقعوا الألمان في فخّ مخططهم االتكتيكي، في حين أن العكس هو الذي حدث، حسب تحليل المؤلف، فالألمان هم الذين أوقعوا القادة العسكريين الفرنسيين أو بعضهم على الأقل في فخهم هم، وضرب المؤلف، مثلاً، بالقائد العسكري الفرنسي غاملان Gamelin الذي ارتكب العديد من الأخطاء التكتيكية في إدارة الحرب بسبب نرجسيّته وغروره وسوء تقديره، كما أبرز المؤرخ في كتابه هذا أخطاء القائد السوفييتي ستالين الذي لم تكن حساباته دقيقة؛ فعلى سبيل المثال فإنه عام 1941 أخطأ في قراءة قرب غزو الألمان للاتحاد السوفييتي ويستنتج المؤرخ أن ستالين لم يكن – من الناحية الاستراتيجية - قويا خلال الحرب العالميّة الثانية. وبالمقابل امتدح الكاتب قدرته الديبلوماسيّة ودهاءه في المناورة خاصة في علاقته بكل من ونستن تشرشل وروزفلت. وكشف الكاتب معلومة تاريخية لأول مرة مفادها أن ستالين نجح في زرع ميكروفونات في غرف ونستن تشرشل وروزفلت خلال اجتماع “يالطا” الشهير.
وقد تمكن المؤرخ، لأول مرة، من الاطلاع على الأرشيف السوفييتي وهو ما سمح له باكتشاف العديد من الحقائق التاريخية التي بقيت مجهولة، ومن المراجع الأخرى التي اعتمد عليها المؤرخ كراسات تضمنت يوميات لبعض الجنود والقادة، وهي وثائق لم تنشر وتضمنت شهادات ومعلومات انفرد بها أنطوني بييفر في كتابه هذا. وأبرز المؤلف أنّ ستالين رمى بجنوده في معارك خاسرة بسبب سوء تقديره، وفقد في إحداها 200 ألف جندي، وحلّل المؤرخ كلّ الخطط الحربية مبيّناً وشارحاً تفاصيلها، واستعرض كل جزئياتها بكلّ دقّة، كما قدم الكاتب في هذا المرجع الأساسي للباحثين والقراء ملامح كبار القادة العسكريين، مبيناً من خلال أحداث ومواقف أن بعضهم كان نرجسيّاً الأمر الذي أوقعهم في الكثير من الأخطاء الاستراتيجية. وخصّص المؤرخ فصولاً للحديث عن المعارك الحربية الطاحنة التي حدثت في صحراء البلدان العربيّة؛ إذ أنّ الحرب العالميّة الثانية اتّسعت إلى دول عربية وإفريقية كثيرة، وجرت على ترابها مصادمات بين جنود المحور وجنود الحلفاء من أكبر وأشرس النزاعات المسلحة في تاريخ الإنسانية.
ويؤكد المؤرخ أن الحرب العالمية الثانية هي أكبر نزاع مسلح في تاريخ الإنسانية من حيث الدمار الذي أحدثته وعدد الضحايا الذين هلكوا أثناءها، وأيضاً من حيث التحولات التي أسفرت عنها عند انتهائها؛ فقد تغيرت الخريطة السياسية للعالم بأسره وظهرت قوىً جديدة وانهارت قوىً أخرى.
وكشف أنطوني بييفر فظاعة ما ارتكبه هذا الجانب أو ذاك خلال هذه الحرب الضروس، وتحدث عن جرائم حرب يشيب لها الولدان من ذلك. على سبيل المثال، الأعمال الوحشية التي ارتكبها “الجيش الأحمر” عند دخوله ألمانيا المنهزمة، فقد عاث الجنود في الأرض فساداً فنهبوا وسلبوا واغتصبوا ملايين النساء الألمانيات.

قراءة رسمية
ويشير المؤلف إلى أنه رغم العدد الهائل من الكتب التي خصصها المؤرخون والباحثون للحديث عن الحرب العالمية الثانية بكل تفاصيلها، ورغم عدد الأفلام الكبير التي صورت مختلف أطوار الحرب والأشرطة الوثائقية التي أرخت لها؛ فإن الكثير من أسرار هذه الحرب وخفاياها ما زال غير معلوم، لأن كل دولة ألفت كتباً وأنتجت أفلاماً تمثل وجهة نظرها وقراءتها هي للأحداث، وهي قراءة رسمية لكل دولة حسب موقعها ودورها في الحرب العالمية الثانية.
والمؤلف متمكن بحكم تكوينه العسكري من فنون المعارك وأسرارها وكيفية إعدادها وتنفيذها، فأنطوني بييفر كان ضابطاً في الجيش البريطاني سنوات طويلة قبل أن يتفرغ تفرغاً تاماً منذ عشرين عاماً للبحث التاريخي، ويتخصص في الحرب العالمية الثانية. وسبق له أن ألف كتاباً وأصدر كتباً عن معركة “ستالينغلراد” الشهيرة، وأخرى عن سقوط برلين. وله مؤلفات أخرى مختلفة من بينها كتاب عن عملية إنزال الجنود الأميركيين في مقاطعة “النورماندي” الفرنسية، وهو ما كان له دور أساسي في انتصار دول الحلفاء على دول المحور، وقد نال المؤرخ عديد الجوائز البريطانية والعالمية تقديراً لمجهوداته في الكشف عن خفايا الحرب العالمية الثانية وتحليل كل مفاصلها تحليلا موضوعياً بحثاً عن الحقيقة.. ولاقت كتبه رواجاً كبيراً لدى المختصين ولدى عامة القراء على نحو سواء.. وتبلغ مبيعات كتبه التي خصصها كلها للحرب الكونية الثانية خمسة ملايين نسخة، كما ترجمت كتبه إلى ما يناهز الثلاثين لغة. ومن بين المصادر الجديدة التي اعتمدها المؤلف لأول مرة، محاضر الاستجوابات للأسرى وعثر فيها على معلومات مفيدة عن هذه الحرب الطاحنة التي بدأت في أغسطس عام 1939 وتواصلت على امتداد ست سنوات بأكملها.
ومن المعلومات المثيرة التي أكدها أنطوني بييفر أن قائداً سوفييتياً بقي مجهولاً إلى اليوم، اسمه جوكوف، كان له أكبر الفضل في انتصار دول الحفاء على ألمانيا النازية، إذ نجح في صد الهجوم الألماني على الاتحاد السوفييتي، وقارن إنجازه بما قدمه الرئيس الأميركي روزفلت من دعم كبير كان حاسماً في تحقيق انتصار الحلفاء.
والكتاب بشكل عام ممتع، وربما زاده متعة أن المؤلف تعمد تطريزه بالكثير من المواقف والأحداث الطريفة، واتباعه أسلوب سردٍ قريب من الخرافة، وهو ما يفسر الرواج الكبير الذي تلقاه كل كتبه لدى القراء.

اقرأ أيضا