الاتحاد

دنيا

السينما.. لها سحرها وتأثيراتها وإن خفُت بريقها

ثار كثير من الجدل بين أروقة مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي 2009 الذي اختتم فعالياته أمس بين الجمهور والمعنيين بالفن السابع حول مستقبل صناعة السينما، ودور السينما الإيجابي والسلبي في تكوين ثقافة الناس وتأثيراتها على النشء، وتفعيل الحراك الثقافي والفني، ومدى تراجع هذا الدور أمام المتغيرات الثقافية والتكنولوجية والثورة الرقمية التي فرضت نفسها على كافة وسائل الاتصال والإعلام والإنترنت في السنوات العشر الأخيرة على وجه التحديد.
وتباينت بالضرورة الآراء والأفكار والرؤى بين من يرون أن السينما العالمية فقدت بريقها الذي حظيت به في العقود السابقة أمام وسائل الإعلام المختلفة التي فرضت وجودها بقوة، بينما يرى آخرون أن السينما ستبقى سينما لها خصوصيتها وتأثيراتها مهما بلغت وسائل الإعلام الأخرى من تطور.
«الاتحاد» طرحت تساؤلاتها: هل لا تزال السينما تلعب دورها في التأثير على الناس والمجتمع؟ وهل لا تزال تحتفظ بذلك التأثير في تشكيل ثقافة الفرد؟ أم أن التأثيرات السلبية تطغى على الإيجابية منها، وهناك كثيرون عزفوا عن الانبهار بها كما كان في السابق؟
تساؤلات عديدة فرضت نفسها، وحظيت باهتمام كثيرين، سنحاول الإجابة عليها.
يقول باسل صليبيا «مدير شركة دعاية وإعلان»: «ربما كانت السينما خلال العقود الأربعة الأخيرة المصدر الأهم والمؤثر في تشكيل ثقافة الناس بفضل الموضوعات والمعالجات التي كانت تطرحها، وقوة وانبهار المتلقي بما يشاهد، ولاسيما إذا كانت الأفلام تتناول موضوعات جادة تهم الناس، لكن ربما تراجع الدور قليلاً في السنوات العشر الماضية بفعل عوامل عديدة، لكن لم تفقد السينما تأثيرها، ربما تحولت الى مقصد للنخبة المهتمة بالسينما فقط، لكن الأفلام تصل الناس عبر الإنترنت أيضاً، ولا نستطيع أن نجزم بفقدان تأثيرها، فالمتلقي يتأثر بما يشاهده بطبيعة الحال، وإن لم تكن السينما هي المصدر الوحيد للمعرفة والثقافة».
- أما الفنان السوري رشيد عساف فيقول: «على المستوى العام لا يمكن الجزم بتراجع دور السينما في حياة الناس وتأثيراتها الفكرية والثقافية، والسينما العربية بشكل عام لم تكن مؤثرة بشكل كبير ربما لأنها كانت مجرد وسيلة من وسائل الترفيه أكثر منها وسيلة لتوجيه الوعي والفكر الثقافي، وكان تأثيرها في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي أكبر، وقبلها كانت السينما العالمية والهندية تحظى بانتشار كبير وتأثير أكبر، لكن المسرح كان تأثيره أقوى في تلك الحقبة، وكذلك التليفزيون، وأصبح المتلقي هنا أسير الفكر الجمعي للناس حيث تؤثر الجماهير في بعضها، كذلك لعب التليفزيون دوره المؤثر في حياة الناس بشكل أكبر، وبقي دور السينما محدوداً. والآن تعددت وسائل الإعلام والاتصال، ولعب الإنترنت دور السحر في جذب الناس والتأثير عليهم، ومن ثم يمكن القول إن تأثير السينما محدود في تشكيل ثقافة الفرد مقارنة بالوسائل الحديثة الأخرى.

تأثير محدود
يوافق المنتج السينمائي علي السامرائي ما ذهب إليه الفنان رشيد عساف ويقول: «إذا قصدنا السينما العربية فنجدها قد سارت لسنوات عديدة على وتيرة واحدة، وضيعت سنين طويلة متأثرة بالسينما الغربية والهندية، وعانت من مشاكل الإنتاج والتمويل، وانحصر التأثير في رواد السينما وهم فئة قليلة غير مؤثرة في المجتمع، والآن الوضع قد تغير في العالم كله، وأصبح قطاع كبير من الناس يجد في الذهاب إلى صالات السينما مشقة وعبئاً مادياً كبيراً، فالسينما تأثيرها كبير ولا يمكن نكران ذلك، وإنما لكي تصبح مؤثرة بشكل أكبر فإن الحالة تحتاج الى تمويل وإنتاج أكبر حتى تستطيع أن تنافس قوة تأثير وسائل الاتصال الأخرى وأهمها الإنترنت، وإذا كان المتلقي سيتأثر بما يطرح في السينما، فلا ننكر تأثير وسائل الإعلام الأخري وغير ذلك من مكونات ثقافية».

تأثيرات جديدة
من جانب آخر ترى الفنانة اللبنانية مي حريري أنه رغم ظهور وسائل اتصال أكثر حداثة وتطوراً وسط متغيرات عديدة فرضت نفسها على حياة الناس، فإن السينما احتفظت بتأثيراتها الخاصة في تشكيل ثقافة الناس، وحافظت على سحرها عاى الرغم ما يواجه الإنتاج السينمائي من مشاكل، لكن في النهاية يبقى للفيلم تأثيره، وتبقى عملية الذهاب الى دور السينما مذاقاً خاصاً، وبغض النظر عن نوعية الجمهور الذي يحرص على ارتياد دور السينما، فإن الفيلم أو الرواية أينما كان عرضهما ولو على شبكة الإنترنت لابد وأن يترك تأثيره في فكر المتلقي سلباً أو إيجاباً، وهذا يتوقف على نوع ما يشاهده الناس من أفلام».
كذلك يرى النجم السينمائي محمود حميدة أن تأثير السينما في حياة الناس لا يزال موجودا، ويقول: «عندما تحسب حسابات السينما، تحسب على أماكن العرض ودور العرض الموجودة، والمنتج ومكوناته، ورواد السينما، وغير ذلك، فإننا نلاحظ أن الإنتاج السينمائي كان يرى أن الشريحة العمرية التي ترتاد السينما بشكل أكبر بين 14 - 24 سنة والآن أصبح ما بين 12 - 28 سنة، ومن ثم عليهم أن يوجهوا إنتاجهم الى هذه الفئة العمرية، لكن بصورة عامة نجد أن تأثير السينما «كفيلم» لم يتغير، فإذا سألنا ما هو تأثير الفيلم في النهاية؟ فإننا نجد أن المشاهد أو المتلقي يشاهد الأسطورة أو ما وراء الشاشة، ويتأثر بموقف أو شخصية حياتية، وهذا يتوقف على الشخص نفسه، وربما تغيرت الطريقة وأصبح هناك الوسيط بين السينما والمتلقي مثل التليفزيون أو الإنترنت بدلاً من قاعة العرض، لكن التأثير سيبقى موجوداً وإن اختلف الطقس أو اختلف الوسيط».

ويرى المخرج السينمائي يسري نصر الله أن تأثير السينما كان ولا يزال موجوداً، ورغم أن الأفلام تسرق، فإن شغف الناس بمشاهدة السينما لم يتغير، لكن الطريقة تغيرت، بل وتزايدت عن طريق التليفزيون والإنترنت، وازدادت تأثيراتها بالتالي. بل يمكن القول إن السينما هي القلعة الوحيدة المحصنة ضد التطرف الديني، لأنها بطبيعتها تصطدم بكل ما هو نمطي، وكل الحركات السياسية التي تتخذ الدين ستاراً لها تحاول تنميط الناس، والسينما ضد النمطية، والجمهور لا يميل ولا يحبذ التحول الى مجرد نمط، فالسينما إذن بالنسبة لهم متنفس عظيم لمقاومة هذا التطرف، ولا يمكن أن يزول تأثير السينما بأي حال، وإنما يمكن القول إن هناك تأثيرات إيجابية وأخرى سلبية، أما كيف نتعامل مع هذا أو تلك فإنها قضية أخرى».

عامل الزمن
من جانب آخر ترى الفنانة السورية منى واصف أن الزمن قد تغير، وهناك كثير من المتغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية قد طرأت وفرضت نفسها على حياة الناس، وبالتالي فإن تأثيرات وسيلة إعلامية أو ثقافية قد تغير.
وتقول: «الآن أصبح هناك بدائل ثقافية وفنية وترفيهية كثيرة ومتاحة أمام الناس دون عناء مثل التليفزيون والإنترنت، وبإمكانها مشاهدة الأفلام من خلالها وهم في البيت أو المكتب دون عناء، فالوسيط قد تغير، لكن لا يعني ذلك أن نهمل التأثير الثقافي للفيلم مهما كان بسيطاً، لكن لم يصبح الفيلم وحده سيد الموقف، فالسينما لها بريقها، وتأثيراتها، ولا يمكن أن ننكر ذلك، إنما يجب عدم إغفال هذا التأثير وسط المتغيرات والعوامل العديدة الأخرى».

سينما الأمس واليوم .. ماذا تغير؟

ترى المخرجة والمنتجة السينمائية السورية رولا بريجاوي أن السينما لم يعد لها ذلك البريق الذي كان تتمتع به منذ الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي في فترة ما قبل ظهور التلفزيون وتطور الوسائل الإلكترونية التي تستخدم الصوت والصورة كالتلفزيون وتوابعه الفيديو ثم الاسطوانات. وأخيراً ظهور الانترنت» التي تطورت فيما بعد إلى استخدام الوسائل المتعددة ، فقد تراجع الاهتمام بها عالمياً كظاهرة اجتماعية تقام لها الدور التي تقدم العروض للأفلام الممتازة ويذهب إليها الجمهور بشكل منتظم لمشاهدة الأفلام التي كانوا يجدون فيها غاية المتعة والراحة الذهنية ويتعلمون منها الكثير عن حياة الشعوب الأخرى وعن تاريخ الحضارات السابقة وغير ذلك من المواضيع التي تغطيها عادة قصص السينما أو الأفلام الروائية.
أما الجانب الآخر لاستخدامات السينما في التوثيق والتعليم والأخبار والثقافة والإبداعات الإنسانية الأخرى فقد تأثر إلى حد كبير أيضاً بظهور كاميرات الفيديو التي تتمتع بالقدرة على القيان بكل مهام السينما التوثيقية بكفاءة واقتدار مع مرونة فائقة وسهولة وتوفير لكثير من الجهد الذي تتطلبه السينما.
يضاف إلى ذلك كله عامل الزمن. فالفيلم يحتاج إلى فترة طويلة ليعد ويكون جاهزاً للعرض، وظهور وسائل الاتصال الالكترونية وخاصة التلفزيون وتطوره السريع أثر على كثير من وسائل الاتصال الجماهيرية كالصحافة والكتاب وكل الإعلام المطبوع، لكنه لم يلغها ولم يقدم نفسه بديلا عنها بل ظلت كما هي تقوم بدورها ربما في إطار أضيق، وتحتفظ لنفسها بالقدرة على إحداث التأثير الفعال في من يتعاملون معها، فالذي تأثر بالنسبة للسينما الروائية هنا طريقة العرض، والذي قلت نسبته هي دور العرض، وعدد الذين يذهبون إلى دور العرض، وهذه ظاهرة عالمية، نجدها أينما ذهبنا أو بالأحرى أينما حل التلفزيون ، وبالتالي فان تأثير السينما تقلص وفق هذه المعطيات، وان بقى موجوداً. ونظراً للضغوط المستمرة التي مارسها ظهور التلفزيون على السينما فقد اتجهت صناعة السينما في السبعينات والثمانينات وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص إلى إنشاء الشركات المختلطة التي تسعى لتحقيق الأرباح أكثر من اهتمامها بالإبداع وبالقضايا التي يناقشها الفيلم. والمهم أن يحقق الفيلم لها الربح المعقول. لذلك فقد تحولت القضية كلها إلى تجارة، وقد أدى هذا الاتجاه إلى حدوث خسائر كبيرة لم يتحملها الممولون. وبدأت السينما نفسها تبحث عن جمهور فوجدته في الشباب. وأعتقد أن الشباب هو الشريحة الأكثر تأثراً بالسينما اليوم.

اقرأ أيضا