صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

«أنشودة المطر».. اللوعة إلى آخرها

من بين الماء والطين والطيور المغردة في قرية جيكور القريبة من البصرة العراقية ولد بدر شاكرالسياب عام 1929م في عائلة فقيرة الحال كأغلب عوائل القرى البعيدة في أقصى الجنوب العراقي.

كانت طفولته سعيدة؛ يحب مراقبة السفن ومراكب الصيادين متأملاً حكايات جدته، تهدهده عند نومه بأساطير وقصص ستؤثر فيما بعد بأسلوبه الشعري. أتم تعليمه الثانوي فيها ثم التحق بدار المعلمين ببغداد وتخصص في اللغة العربية ثم اللغة الإنجليزية، كما ذكر الدكتور إحسان عباس في دراسته: “بدر شاكر السياب: دراسة في حياته وشعره”. زاول مهناً متعددة خسرها لمواقفه الوطنية مطارداً من قبل الحكومة. أصيب السياب بداء السلّ الذي أقعده عن العمل فتفجرت فيه روح الإبداع الشعري. وقد تأثر بالأدب الإنجليزي والآداب الأوروبية عموماً. وكان من رواد الشعر الحر الذي انبثق على يديه فكان رمزاً من رموزه. أنتج السياب أكثر من ثلاثين ديواناً شعرياً منها: أزهار ذابلة، أنشودة المطر، شناشيل ابنة الجلبي، الأسلحة والأطفال، والمومس العمياء كما أورد فيصل الياسري في كتابه: “غربال الذاكرة”.


كان بدر ينتقل بين بيروت وبغداد و باريس ولندن والكويت من أجل العلاج، وحين لم يستطع جسده النحيل المقاومة توفي في الكويت يوم 24/12/1964 بعد أن كان ديوانه (شناشيل ابنة الجلبي) قد صدر ومات ولم يشاهده. نشرت له مجلة الآداب في يونيو من العام 1954 قصيدة (أنشودة المطر) تصدرتها كلمة قصيرة جاء فيها: (من وحي أيام الضياع في الكويت على الخليج العربي).

(...)
وعبرَ أمواجِ الخليجِ تمسحُ البروق
سواحلَ العراقِ
بالنجومِ والمحار،
كأنها تهمُّ بالشروق
فيسحبُ الليلُ عليها من دمٍ دثار
أصيحُ بالخليج: “يا خليج
يا واهبَ اللؤلؤ والمحارِ والردى”
فيرجع الصدى كأنّهُ النشيج:
“يا خليج: يا واهب المحار والردى”

تؤرخ “أنشودة المطر” مرحلة من مراحل تصدع الفكر العربي وانكساره وهي حياة الشاعر نفسه وحياة الإنسان العربي بتناقضاته وأزماته المريرة … وقد استخدم السياب الرمز. والرمز تطور في الضمير (عيناكِ) بما فيه من حركة واضطراب توحيان بالحياة والتوق إلى الأم الحقيقية التي ماتت عندما كان الشاعر صغيراً… انه التطور الطبيعي من الحياة إلى الموت؛ فالخط الأول للقصيدة هو التجدد.. الولادة.. الخصب وهو الضياء والميلاد. فهذه التحولات النفسية واستخدامه للرموز أثارت في نفسه حزناً مأساوياً يؤكد تلازم الإنسان بالكفاح من أجل حياة أفضل (1).

في المضمون وترميزاته
جعل الشاعر من موطنه العراق حبيبة يتغنى بها ويتمنى أن تنشر الخير والخصب والنماء، منطلقاً من همه الفردي الخاص إلى الهم العام. بدأ الشاعر بالحديث عن امرأة قد تكون البصرة أو جيكور أو العراق أو امرأة يقصدها، مشبهاً عينيها بغابتي نخيل هجم عليهما الليل، ثم بشرفتين راح القمر ينسحب عنهما، فيتركهما غارقتين في سواد الليل. هاتان العينان عندما تلمعان أو تبتسمان، فإن الشجر العادي يكتسب خضرة، وتتراقص الأضواء تشبه الأقمار تنعكس على صفحة نهر ينساب فيه زورق يجذف صاحبه برفق وسط الليل، وكأن النجوم تخفق في محجري عينها. وهاتان العينان غارقتان في الحزن ـ حزنهما يشبه حزن البحر حين يغمره المساء. وهذا البحر/ العينان يحوي متناقضات دفء الشتاء، ذبول الخريف، وصور الموت والميلاد والعتمة والضياء .(2).. كل هذه الصور تبعث في نفس الشاعر شعوراً بضرورة البكاء، و شعوراً آخر بالنشوة العاتية التي ترتفع روحه من خلالها إلى عناق السماء، وهذه النشوة شبيهة بنشوة الطفل عندما يبعث فيه القمر خوفاً غامضاً، وهو في هذه الأثناء يستشعر أمراً غريباً يتمثل في أن السحب تبتلع الغيوم المحملة بالمطر وتذوب فيها.
يتخيل الشاعر العراق حبيبة له ويتذكر من خلالها ذكرياته الجميلة به؛ غابات النخيل الشامخة في أواخر الليل بهدوئها وسكونها، فعندما يعم السلام والسعادة في العراق تتحرك كل مباهج الكون وتعزف أنشودة الحياة التي يراها في شجر الكروم الذي كثرت أوراقه، وكذلك في الأضواء المنبعثة من القمر التي تتراقص وتتلألأ على سطح الماء عندما يتحرك المجداف بضعف قبيل الصباح. يتذكر الشاعر لمعان النجوم الخافت الذي يكاد يختفي في الضباب الشديد مما يسود البلاد من حزن شديد للأوضاع العامة فيعم الظلام على البحر والبر. يستشعر السياب العراق فيشعر بدفء شتاء الوطن ورعشة الخريف فيه فتدور بداخله ملحمة عظيمة يروي من خلالها قصة الحياة بين الموت والميلاد، بين النور والظلام، مما أفاق بداخله الشعور الجارف بالبكاء على هذا الوطن، (3) فيشعر بالرغبة الشديدة للتحرر والارتباط بعالم السماء الرحب فيرى بصيصاً من الأمل المتمثل في المستقبل والطفل، ويعود مرة أخرى فيتذكر طفولته في العراق وقد امتلأ الجو فيها بالسحب الماطرة التي بدأت تقضي على الغيوم فيسقط المطر قطرة قطرة وقد تهلل الأطفال فرحين في عرائش العنب وبدا محركاً لصوت العصافير على الشجر يعزف الحرية والخصب والنماء “مطر... مطر.... مطر”.
وسقط المطر وجاء نهار وذهب مساء والسماء تجود بالمطر الذي يشبه دموعاً مقهورة وثقيلة، يشبه هذيان طفل، فقد أمه من عام، وبحث عنها في كل مكان، لكنه لم يجدها، ولما سأل عنها قيل له إنها ستعود قريباً، رغم أنها ماتت ودفنت في جانب ذلك الشق، وكأنها في موتها تسف التراب، وتشرب ما ينزل على قبرها من مطر، ولعل حال هذا الطفل الحائر السائل عن مصير أمه وأمله الضائع في العثور عليها، يشبه حال صياد حزين رمى شباكه أملاً بالتقاط الأسماك وهو يتسلى بالغناء، عند غروب القمر متمنياً أن يحظى بنصيب من السمك، كما يأمل الشاعر وأهل العراق بالحصول على الخير المتمثل في سقوط المطر.
يبدو أن المطر بدلاً من أن يبعث الفرح في نفس الشاعر، كان باعثاً على الحزن، وقد سحب الشاعر الحزن أيضاً على المزاريب التي يتسرب من خلالها المطر، وكيف يكون وقع المطر على الشخص المفرد مشعراً له بالضياع. المطر عند السياب يشبه الدم المسفوح، ويشبه الجياع، والحب والأطفال، والموتى (كما يقول عيسى بلاطة) وما زال يتذكر عيني من ذكرها في البداية وما زال يرى من خلال أمواج الخليج الرعود تمسح شواطئ العراق بالنجوم واللؤلؤ، وكأن هذه الشواطئ وأهلها يهمون بالنهوض من واقعهم المر الذي يودون تغييره إلى الأفضل، ولكن الليل والظلم يغطي هذي الشواطئ بثوب دامٍ ثقيل، وفي هذه اللحظة يتدخل الشاعر صائحاً بالخليج واهب اللؤلؤ والمحار والموت لأهله، ليجود على أهله بالخير لكن صيحته ترتد وكأنها البكاء الشديد، مرددة صدى نفس صيحته دون أن تلبيها.
ومع ذلك فالشاعر غير يائس من سقوط المطر، المؤذن بتغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السيئة، حيث إنه يسمع صوت العراق وأهله وهم يخزنون حزنهم وثورتهم في كل بقعة من أرض العراق، في انتظار يوم يعصف فيه أهله بكل الطغاة، ولا يبقون أثراً لهم على ثرى الوطن(4).

خيالات الحنين
ويتصور الشاعر أن المطر نزل على نخل العراق، وقام هذا النخل بامتصاص كل كميات المطر النازلة، وهو يتخيل بل ويسمع صوت أنين أهل القرى وشكواهم، ويرى المهاجرين الذاهبين والعائدين إلى الوطن، يصارعون بمجاذيفهم وصواري قواربهم عواصف الخليج التي تهب عاتية عليهم آملين بالوصول إلى شط الأمان، وهم ينشدون للمطر الذي هو عنوان خلاصهم من مآسيهم. ومع إيمان هؤلاء والشاعر معهم بأن المطر سينزل بالتأكيد، لكن نزوله لن يحل مشكلة الفقر والقهر والجوع، إذ رغم سقوط المطر، وجودة مواسم الحصاد للزرع والنخل، فإنهم سيعانون أكثر من الجوع والفقر، لأن الخيرات لن تعود على الزراع والحاصدين بل سيجنيها السادة المتنفذون ـ الغربان والجراد ـ ليشبعوا ويزيدوا من ثرائهم، بينما سواد الشعب، يحصلون على الفتات حيث يتحلق هؤلاء الناس حول طواحين يدوية تطحن أسوأ أنواع الحبوب الممزوجة بالحجارة والشوائب.
والشاعر في تداعي الذكريات التي تربطه بالوطن ينسج تعبيرات رمزية رائعة، فيرى دخول الليل فيما الغيوم تنزل المطر الذي أثقل كاهلها؛ ويرى أبناء العراق الذين استفاقوا من غفوتهم للتحرر يحملون معهم الأمل الذي سيتحقق طالما أصروا عليه.
ويستذكر السياب بهذه المناسبة، صورة المواطن عندما يهم بالرحيل، طلباً للرزق أو هرباً من الظلم، متعللين ـ مخافة أن نلام على رحيلنا ـ بالبحث عن الرزق ونشدانا لنزول المطر! وما زال يستذكر أنه منذ صغره، كان يرى الغيوم شتاء ويشاهد سقوط المطر، وكانت الأرض تهتز وتربو بالزرع الأخضر ولكن مع ذلك يستمر جوع الشعب، رغم كثرة الخير، فقد كان قدر الشعب أن يجوع، رغم جودة المواسم، وكان ذلك يتكرر كل عام.
ومع ذلك فالشعب والشاعر ما زالوا ينشدون للمطر، وكأن المطر في نظره ونظرهم هو الذي سيغسل أرض العراق ويطهرها مما تعاني من ظلم وقهر. فالمطر لا محالة آت، وأن أطياف ألوان هذا المطر قد بدأت ترتسم على أزهار ونباتات بلاده الحمراء والصفراء، كما بدت ترتسم على وجوه أبناء شعبه الجياع والعراة، وأن كل قطرة من دماء أبناء الشعب، الذين صاروا في نظر الطغاة عبيداً، ستتحول إلى أمل بسام على ثغر الطفل الذي سيولد ويحمل في دمائه الإصرار على التغيير والثورة في قادم الأيام المبشرة بنزول المطر الذي سيغير الواقع وسيكون هذه المرة من نصيب المظلومين لا من حظ السادة (5).

في الأسلوب وفنياته
إن التنوع في قوالب عرض الأزمة التي أراد الشاعر أن يعبر عنها، نابع من أن الأدواء التي تعيشها الأمة كثيرة ومتنوعة ومتجذرة أيضاً. والتنوع في تصويرها ربما يساهم في جذب اهتمام أبناء أمته إليها بعد تعريتها وسيكون له أثر فاعل في إيمان أبناء الأمة بضرورة التغيير، والتبشير به بل والعمل على تحقيقه في النهاية. لذا حشد الشاعر عديداً من الأساليب ووسائل التعبير، في سبيل تحقيق ما ذكر: أسلوب التصوير القائم على التماس والمشابهة بين الأشياء المادية والمعنوية، استثمار إيراد الصور المتناقضة أو المتسقة، وإلى استخدام أسلوب الاستفهام والتعجب والتقرير والنداء والمقارنة وتكرار بعض الألفاظ، كما كرر بعض المقاطع (أنظر: المصدر السابق).
أما الصور فقد كانت كلها ملتقطة من البيئة، الخليج وخيراته وكوارثه، الغيوم والمطر، الصيادون والمحار واللؤلؤ، الموتى على شواطئ الخليج، ضحكات الأطفال وسط الكروم، المهاجرون يصارعون الموج العاتي، النخيل وهو يشرب المطر، قطرات المطر الملونة بلون الزهر وبلون ضحكات الأطفال، الأرض الحبلى بالخيرات وغير ذلك من صور الأرض والسماء والإنسان.
يعتبر النص من الشعر الحر أو ما سمي فيما بعد بشعر التفعيلة، والذي كان السياب من أوائل من دعا إليه وقال الشعر وفقه، فهو شعر يلتزم بوزن مخصوص تتكرر فيه تفعيلة واحدة بغير التزام بعددها في الشطر الشعري، وقد تتكرر فيه تفعيلتان ولكن بنظام مخصوص أيضاً، ولا يلتزم فيه الشاعر بالقافية كما في الشعر العمودي (6). وهو يتيح بذلك حرية أوسع أمام الشاعر للتلاعب بعدد التفعيلات في الدفقة الشعرية ويعفيه من القافية الموحدة. والنص يتصف بالوحدة الموضوعية، إذ يدور حول محور واحد هو تصوير ما يحس به الشاعر من خلال شعب العراق، وهو من لون الشعر الملتزم الذي يعالج قضايا الأمة. وفيه نبوءة واستشراف لما يحلم به الشاعر وشعبه من تغير نحو الأفضل.
يقول أدونيس: “الشعر رؤيا بفعل، و الثورة فعل برؤيا” ومن هنا فهو يوضح الجدل بين الشعر والثورة و ما في الشعر من شوق إلى الحياة المتحركة المتصاعدة، وما في الثورة من نار الإلهام الشعري، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية بدر شاكر السياب كواحد من أبرز أعلام الحركة الشعرية المعاصرة بوجهها الثوري على حد تعبير الدكتور أحمد زياد. و هنا تنزل قصيدته “أنشودة المطر “من مجموعته التي تضم أشهر قصائده، والتي ألفها في فترة كان وضع العراق متأزماً على جميع الأصعدة.
إن أنشودة المطر، تندرج ضمن النصوص التي تنتمي إلى الحقل الوجداني، وبنيت على مجموعة من الحركات المتداخلة، ينبني هيكلها الخارجي على تسع مقطوعات و ينبني هيكلها الداخلي على ثلاث علاقات: علاقة الشاعر بالحبيبة ثم علاقة الشاعر بالأم، و أخيراً علاقة الشاعر بالوطن المصدر السابق). وتدور القصيدة حول محور واضح تدور حوله كل المعاني، وهو كلمة مطر عنصر موحد لكل الحركات المتداخلة في نسيج النص، يربط بين الحبيبة التي يخصبها المطر و بين الأم التي استحالت إلى عنصر من عناصر الطبيعة وبين الوطن العراق الذي تحوله إلى خصوبة.
إن كلمة مطر منبع حركة مسترسلة تنبض منها المعاني وتنمو ومنها ينسج الشاعر أحاسيسه ويتواصل في الزمان. وبدخول كلمة مطر في شبكة من العلاقات مع بقية المفردات اكتسبت إمكانات متعددة من الدلالات تتضافر جميعا لتوحي بمفهوم الثورة، كما جاءت هذه الكلمة على لسان الأطفال و على لسان الصياد و على لسان المهاجرين و في صوت الرحى و على لسان الشاعر وفي ترجيع الصدى، والمطر فعل تغيير في الطبيعة وفي النفس (ريم العيساوي، مرجع سابق).
ويأتي الخطاب الشعري دفقا من المعاني، و حشدا من الصور تتنامى شيئا فشيئا، وتتولد صورة العينين: غابتا نخيل ساعة السحر، صورة رومانسية توحي بالهدوء و السكينة، والصورة الثانية لشرفتين ينأى عنهما القمر، صورة توحي بحركة الفعل تنأى و بمفهوم البعد في القصائد التقليدية و لكن التعبير عنه جاء بأسلوب جديد اعتمد على الإيحاء. وصورة ثالثة، تجلت في ابتسام العينين، ربطها الشاعر بحركة الطبيعة، وكأن الحياة مصدرها عيني الحبيبة، كما يوحي فعل ابتسم بالسعادة التي تتحقق بفضل حركة العينين، هذه الصور حسية بصرية تساهم الحركة تدريجيا في تشكيلها ونحتها. وعناصر الطبيعة تتجمع في العين على أساس اعتبار العين محل البصر و وسيلة الرؤيا و النفاذ إلى عناصر الوجود. وعناصر الطبيعة تخص العراق، غابات نخيل فتتطلع الرؤيا نحو الوطن الحبيب.

اتجاهات الخطاب الشعري
و ينطلق الخطاب في القسم الأول من القصيدة في اتجاه أول، من الشاعر إلى الحبيبة، يصور فيه أثر الضباب في نفسه، معبرا عن حزنه بالبكاء، ويعود بنا فعل “تستفيق” إلى ذاكرة الشاعر، يصوغها في شكل ومضات واقعية تمتزج بالمسار الغنائي الإنشادي، وتسمه بنبرة واقعية، وتجعله يكشف عن المتناقضات. و نتساءل عن المعنى الذي حمله الشاعر لإنشاد الأطفال للمطر؟ و للإجابة نكتفي بالإشارة إلى أننا نستطيع أن نأخذ كلمتي الأطفال و العصافير في معناهما الحقيقي و تظل الوحدة مع ذلك موحية نتيجة الصورة التي ترسمها وما تخلفه من أبعاد تخييلية لكن الرمز يسحب على الكلمتين فتوحي الأولى بتجدد الحياة، و طفولة العالم البريء، و تدل الثانية على الحرية والانطلاق (7)، ومن هنا يتمكن الشاعر من استدراج السامع و يحمله في رحلة ذهنية، داخل عالم الدلالات المتنوعة. ونحن أمام هذا التركيب الإنشادي، كأننا بالشاعر يقص علينا أنشودة الأناشيد، رابطا بين همومه والعالم الخارجي. وينغلق القسم الأول باللازمة جعلها الشاعر على لسان الأطفال، لأنه ربط بين واقعه و ماضيه وأسس التقابلية بين حاضره المليء بالقلق و الحزن، و طفولته السعيدة.. مؤكدا حنينه إلى الماضي، كما نلاحظ جملة من التداعيات بين الشاعر وذاته، فيقع المزج بينه و طفولته و قدسية المطر.
أما القسم الثاني في القصيدة، يتغير فيه عنصر الزمن: “تثاءب المساء”، زمن يؤدي به الشاعر معنى الحزن و يتدرج بنا عن طريق التداعي، فيصلنا صوت الشاعر من أعماق الذكرى المنبثقة من طبقة الوعي السفلي، وتحتل تداعيات الشاعر المنبثقة من ذاكرة الطفولة حيزا مهما في سلسلة التداعيات وتصدر عنها أغلب الومضات الواقعية النابعة من الماضي، ويتقابل القسم الثاني مع القسم الأول، فالطفولة فيه تنشد الفرح، وفي الثاني يتكثف معنى الحزن عن طريق ذكرى الموت، كما أن الذاكرة لا تبني أحداثاً منسقة في الزمان حسب مسار منطقي، إنما تصدر من مخزون الألم والحرمان (المصدر السابق).
وفي هذا القسم ربط الشاعر بين الجو الممطر الموحي بالكآبة و بين كآبة الطفل اليتيم و عمق حزنه بسؤاله، وهنا يضمن الشاعر الخطاب الشعري مضمونا قصصياً: قصة يتمه واصطدامه بالموت، كما صور الشاعر معاملة الكبار للصغار في قضية الموت فهم لا يصرحون بها و لو همساً، ويضمن الشاعر قصة الصياد الحزين الذي يلعن المياه و المطر ليضيف مأساة جديدة دون أن يصرح بها فنفهم أن المطر تحولت إلى مصدر شقاء بعد أن كانت مصدر سعادة. و يتدرج الشاعر في رسم علامات الحزن في الوجود، فيبدؤها بحزن الطفولة المصدومة بالموت ويربطها بحزن الصياد الشقي و بحزنه، فتبدو معاناته المكثفة، و تبرز صورة المطر المتناقضة و يتوجه الشاعر إلى كل الذوات و يصبح الخطاب مرثية تكسبه لغة المراثي لونا قاتما (دموع .. لحود ..تنشج .. المزاريب).
في القسم الثالث يتحول السياب من ذاكرة الغريب اللاجئ إلى ذاكرة المناضل المقموع في العراق، ويوظف كلمة العراق توظيفاً سياسياً واضحاً و يتدرج في تعرية واقع وطنه و يحمل مدلول المطر معنى الثورة على القهر الاجتماعي و السياسي (انظر كتاب العمق الثقافي في أنشودة المطر للدكتور أحمد زياد).
و يربط بين المطر و بين جوع الفقراء الدائم و يتفاءل بالثورة التي تهب الحياة لكل الناس. وهنا يصور المأساة الجماعية من خلال نشيد المهاجرين، نلمس عمق الفاجعة، فالجوع دائم رغم خصوبة الأرض و الرحى لا تطحن حبا بل تطحن الحجر، و التمر الرديء و في دورانها تدعو إلى الثورة و تظهر مرة أخرى ثنائية الحياة والموت و تتحول تجربة الشاعر من بعدها الذاتي إلى بعد إنساني أعمق، لتعانق جرح الإنسان في كل زمان و في كل مكان ويصبح الخطاب الشعري احتجاجاً على لسان المضطهدين للتعبير عن تطلعاتهم ولتحقيق حياة أفضل. كما لعبت الأصوات دورا هائلا في التعبير عن الثورة، إذ خلقت جواً حماسياً مكثفاً أداه صوت الرحى و نداء الشاعر و أصوات المهاجرين، وزاد الشاعر هذا الواقع إيقاعا درامياً بتضمينه قصة الغريق المجسدة لمأساة الإنسان و صراعه مع الطبيعة.
قصيدة أنشودة المطر، جاءت في شكل ابتهال، مزج فيها الشاعر بين الغنائية الحالمة والواقعية الحادة، وجاء فيها الرمز على جملة من الثنائيات منها: الحياة و الموت، الذات والموضوع، الجفاف والخصب، الظلام والنور، الحزن والفرح. كما لعب الرمز دور الرابط الأساسي لجميع العلاقات، فتبنى الحركة من الأنثى رمز الطبيعة إلى الأم و من الأم إلى العراق إلى الخليج، إلى المطر، حلقة دائرية تمثل دورة الحياة. و نهض الرمز بوظيفة أخرى مهمة في كسر خط الغنائية الرومانسية الحالمة وخلق حركة انفعالية توحي بنغم تفجعي يبرز عمق المفارقات المتجذرة في عمق الوجود المجسدة للصراع الإنساني في جل مظاهره.
إن الرمز في قصيدة أنشودة المطر، كسر هندسة القصيدة التقليدية، و جعل بنيتها تجمع بين الشعر والغناء و القصة و الخطاب الباطني و تستقطب موضوعات متعددة يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي و تنفصل عما يسمى في النقد بالغرض (انظر: قراءة في أنشودة المطر للدكتورة ريم العيساوي) وتجعل الحياة بكل مفارقاتها غرضها الرئيسي. و نلاحظ حركة التداعيات التي تصلنا عبر صوت الشاعر الذي يحملنا من الحاضر إلى الماضي ثم يربط الحاضر بالمستقبل، ثم يتحرك صوته من الغور إلى السطح ومن الذات إلى الواقع الخارجي و تفصح ذاكرة الشاعر عن مخزونها في شكل ومضات واضحة، تنبثق من ذاكرة الطفل و من ذاكرة الغريب اللاجئ و من ذاكرة المناضل المقموع، و هذه التداعيات بمثابة الأساس الذي تتكئ عليه القصيدة و قد ظهرت في شكل صور تتوالد فصار النص تراكما من الصور، أولها صور تنبني على التشبيه وهي طريقة تحصر الصورة في مجرد وظيفة الوصف. أما الصور التي بناها الشاعر على الطباق فقد استطاعت أن تبرز المفارقة الكامنة في عمق الحياة.
و يبدو التناغم بين الصورة و الموسيقى الداخلية، فنلاحظ كثرة الأصوات المتضمنة لحرف الشين، المؤدية لوشوشة صوت المطر، و بعض الصور أداها الشاعر بأسلوب الجناس و الطباق والوسائل البلاغية القديمة و بهذا التلوين من التصوير، تخرج قصيدة أنشودة المطر عن التصنيف الكلاسيكي إذ الصورة فيها وحدة بنائية محورية توحي بالأفكار و تلح عليها، وارتكز إيقاع القصيدة الداخلي على أسلوب التعاود وهو أهم عواملها فقد تكررت كلمة: مطر ( 35) مرة و كلمة خليج (7) مرات، و كلمة الردى (5) مرات و كلمة العراق (5) مرات و تكرار جملة (يا واهب …) و (في كل قطرة مطر) و تكرار اللازمتين الأولى تختص بالمدى و الثانية تتعلق بالمطر، و عموما فإن العبارة يغلب عليها طابع الماء: (نهر، مجداف، يغرق، بحر، سحاب، غيوم، مطر، قطرة، خليج..الخ) (راجع: أنشودة المطر تحت المجهر للدكتور أحمد عبد الكريم). إن ما يمكن الإشارة إليه أن إثراء القصيدة بالبناء القصصي الدرامي بلغ أقصاه في أنشودة المطر، وقد ألغت رومانسية الماضي بشكل غير واضح و رسمت الخطوط الكبرى للقصيدة العربية المعاصرة مجسدة قلق البحث و التجديد في أفق مستقبلها.
ولعلنا نتساءل عن توظيف بدر شاكر السياب للأسطورة في هذه القصيدة، وللإجابة لابد من الإشارة أن قصائده السابقة لم تكن الأسطورة فيها دائما قادرة على الالتحام العضوي لما جاء فيها من ثقل في التوظيف و لما كانت الألغاز فيها واردة لتضليل الرقابة، ولكنه في قصيدة “أنشودة المطر”، ابتكر رمزا خاصا به هو “المطر “، جعله يلف النص و يتغلغل في جسده، له شحنة دلالية ثرية وهو العمود الذي انطلاقا منه تتفرع القصيدة في اتجاهين، اتجاه أسطوري واتجاه واقعي. كما نسجل كيف تناول السياب موضوع الخصب في الطبيعة فقد وثب به وثبة عبقرية وحمل المطر رمز الثورة الاجتماعية التي يريد أن تتفجر في العراق، وكيف جسد بإيقاع صوت المطر صورة درامية في المفارقات بين الخير والشر والمجاعة والاخضرار، لقد جعل السياب كلمة مطر رمزا أفرغ فيه معاناته و رؤياه.
إن الأبعاد الأسطورية في القصيدة أهم مفاتيح فضاء المعنى و الإلمام بأسطورة الخصب الأساسية، أسطورة أدونيس وعشتروت (راجع: أنشودة المطر للباحثة عطاف سالم)، فضاء دلالي تتجدد منه دورة الحياة، وتنبع منه جل العلاقات: علاقة الابن بأمه.. علاقة الأنثى بالطبيعة.. علاقة الفصول بالموت والميلاد.. علاقة الصياد بالماء.. علاقة الغريق باللؤلؤ.. علاقة الماء بالماء في دورته.. علاقة الذكر بالأنثى.. علاقة الوطن بالأرض الأم عشتروت.. علاقة الشاعر بالمجتمع.
إن الأسطورة عالم لخلق فضاء الصورة و البنية الأسطورية عمارة تشكل عروق الواقع و أنسجته. و أنشودة المطر رمز الأمل و الانتصار على القمع والبوار، والأسطورة فيها عالم لخلق فضاء الصورة و بنيتها عمارة تشكل عروق الواقع وأنسجته وجمع حقلها الدلالي تجربة السياب السياسية والاجتماعية والذاتية والرؤيا الشعرية التحديثية. ورغم ما فيها من أصداء شعر أليوت ومن أساطير الخصب البابلية والكنعانية بشكل عام تبقى إنجازاً باهراً من إنجازات الشعر العربي في خمسينيات القرن العشرين (8).

مراجع
1- الرزاز، نبيلة، بدر شاكر السياب، حياته وشعره (أنظر: bride.ahlamontada.com/t1515-topic )
2- سالم، عطاف: أنشودة المطر. أنظر: (www.alqaseda.com/showthread.php?t=5044 )
3- بلاطة، د. عيسى: بدر شاكر السياب - حياته - شعره. انظر: (www.goodreads.com/books/show/12921711)
4- عبد الكريم، أحمد: أنشودة المطر تحت المجهر. أنظر: (www.ruowaa.com)
5- العيساوي، ريم: قراءة في أنشودة المطر. أنظر (alezandrie.yoo7.com/t270-topic)
6- زياد، أحمد: العمق الثقافي في أنشودة المطر. أنظر: (?www.dahsha.com/old/viewarticle.php)
7- العظمة، د. نذير: اديث سيثويل ومؤثراتها في شعر السياب. انظر (thiqaruni.org/arab/688/(28)/com)
8 - عباس، د. إحسان: السياب، دراسة في حياته وشعره. أنظر (?www.alwaraq.net/Core/Exlib/excoverpage)