الاتحاد

دنيا

الصداقة طريق الأطفال إلى المشاركة

طفلان يتشاركان ألعابهما على الشاطئ

طفلان يتشاركان ألعابهما على الشاطئ

يجمع اختصاصيون تربويون على أن غرس قيمة المشاركة في نفس الطفل يبدأ تدريجياً في مرحلة ما قبل المدرسة وباستخدام أساليب تمكنه من التفريق بين الملكية العامة والخاصة، محذرين في الوقت نفسه من أن أنماط التربية الخاطئة تنتج جيلاً أنانياً غير مبال·
إلى ذلك، تقول الأخصائية النفسية في وزارة التربية والتعليم منى اليافعي: إن ''أطباء الصحة النفسية للأطفال يؤكدون أن تعليم الطفل المشاركة يجب ألا يأتي مرة واحدة لكن تدريجياً، إذ يجب أن تسبقه مرحلة يتعلم فيها معنى الملكية الخاصة وكيفية احترامها''·
غير أن الواقع، وفقها، مختلف إذ تتعجل أمهات في غرس قيم التعاون والمشاركة والعطاء في نفوس أبنائها، فتبدأ في ترديد عبارات تحمل معنى أن كل شيء متاح للجميع في حين أن الطفل قبل بلوغه سن الرابعة تقريباً لا يمكنه تفهم معنى المشاركة بمفهومها الواسع، مبينة أن ذلك يشعره بنوع من التهديد لأشيائه التي يعتز بها، ما يدفعه لاستخدام العنف، ويجعله يعاني من صراع على الاستحواذ·
وتشير اليافعي إلى أن الطفل عادة ما يردد كلمة ''لي''، موضحة أنها ليست كلمة سيئة في حد ذاتها، لكنها تعكس محاولته تأكيد ذاته· لكن الاختصاصية تلفت إلى ضرورة أن تعلم الأم طفلها أن هناك أشياء خاصة به وحده، عليه المحافظة عليها وتحاسبه إذا أهمل في صيانتها أو ضاعت منه، كما عليها أن تجعله يدرك أن هناك أشياءً خاصة بشقيقه عليه الحفاظ عليها أيضاً واحترامها، قبل أن تنتقل لتعليمه مبدأ ''المشاركة بالتبادل'' بمعنى أن يفهم أن بإمكانه اللعب بلعب شقيقه لفترة إذا سمح له بذلك، وإعادتها إليه بعد ذلك·
وتحذر اليافعي من أن شعور الطفل بأن كل شيء مباح للجميع سيجعله يحاول الحصول على مقتنيات الآخرين، فقد يعود يوماً من الحضانة ومعه أدوات لا تخصه وهو لا يدرك أن هذا خطأ، لاعتقاده أن هذا متاح للجميع·
وتؤكد اليافعي أن الفترة التي تسبق دخول المدرسة في حياة الطفل هي القاعدة الأساسية لكل ما يمكن أن ينمو ويتطور في المستقبل، منوهة إلى أنه مع نمو الطفل تظهر عوامل جديدة متنوعة، يمكن أن تؤثر على تشكل نفسيته سلباً أو إيجاباً؛ فيشتد تأثره بمن يحيط به من الناس، والأتراب، وبيئة المدرسة، والوسط الاجتماعي الذي يعيش ضمنه·
وتبين أن إجبار الطفل على مشاركة أقرانه قبل بلوغه سن المدرسة لن يخلف إلا العناد والبكاء؛ فالطفل لن يقبل أن يقتسم ألعابه وطعامه مع من حوله· غير أن الطفل يبدأ تدريجياً بتمييز الشيء الذي يخص ذاته، وفق اليافعي التي تؤكد أنه في هذه الحالة يمكن البدء بتنمية حب المشاركة لديه مع الآخرين واستخدام عبارات ''لا تكن أنانياً أو بخيلاً''·
من جهتها، تقول الأخصائية النفسية سوسن حلاوى إن الأهل قد يسهمون بشكل ''غير مقصود'' في تغذية الأنانية في طفلهم عن طريق محاولة إشباع كل رغباته دون تمييز، والمبالغة في الإطراء عليه والثناء الزائد على مناقبه·
وتوضح أن السعي الى تحقيق جميع ما يطلبه الطفل يقود إلى ''تبدلات جوهرية'' في نفسه يصعب فيما بعد محاربتها والتغلب عليها، حيث تنقلب إلى نكران للجميل، وشعور باللامبالاة تجاه الأهل، مشيرة إلى أن نقص الحب والحنان ينمي عند الطفل الأنانية والعكس صحيح لأن الحب والحنان يشعرانه بأنه ليست هناك حاجة لأن ينتزع شيئاً من أحد، أو أن يلفت الأنظار إليه فهو واثق أن بإمكانه الحصول على كل ما يحتاجه·
في السياق ذاته، تؤكد سامية عبدالواحد، الخبيرة في منظمة الأسرة بالجامعة العربية، أن التربية الخاطئة للطفل، ونمط تعامل الأهل معه من بين الأسباب التي تؤدي إلى تكوين النزعات الأنانية لديه، لافتة إلى أن اختلاط الطفل بأطفال الجيران، وزملاء المدارس، وأطفال الأقارب يساهم في تطور الطفل إيجابياً حيث يقتبس العادات والمعارف من الأطفال الآخرين فتزداد معارفه، وتنمو قدرات تعامله مع الآخرين·
وتتابع ''صداقة الطفل مع الأطفال الآخرين تولّد قوة نفسية واجتماعية تقود إلى حب التعاون فيما بينهم، كما تبعث الصداقة عند الأطفال فيهم روح الاحترام المتبادل أثناء اللعب والمشاركة الجماعية، وتجنبهم روح الأنانية والانعزالية''·
وتركز عبدالواحد على أن الصداقة تشجع المبادلات الاجتماعية بين الأطفال فيما بينهم وبين الأطفال والأهالي؛ إذ يسارع بعض الأطفال لمعاونة أهاليهم في المنازل أو الحقول، أو في أشغال آبائهم، فيما يساعد أطفال إخوتهم الصغار، كما يساعد التلاميذ المتفوقون نظراءهم الضعفاء·
وتشدد على ضرورة أن يغرس الأهل قيم العطاء والمشاركة عند الطفل وتهذيب نزعة الأنانية لديه، في الوقت الذي عليهم أن يكرسوا لديه قيمة احترام حق الآخر وصولاً لتعويد الطفل على تهذيب غرائزه، وتأجيل تلبية حاجاته·
وتحذر الخبيرة من استجابة الأهل للطفل عندما يبدأ بالبكاء والصراخ طالباً الحصول على اللعبة التي بحوزة الآخر، ناصحة الأهل بمحاورة الطفل بالمنطق وتوضيح أسباب الرفض· وتنوه إلى أنه في حال ضعفت الأم أمام هذا الصراخ فهي تشجع الطفل على هذا السلوك للضغط عليها لتنفيذ طلباته·
وتقول عبدالواحد: إن ''رضوخ الأهل لبكاء الطفل عندما يريد شيئاً مرفوضاً سيسهم في تشكيل شخصية فوضوية غير متكيفة مع الذات أو مع الآخرين لأنها لا تأبه بحق الآخر، ولا تتقيد بقانون أو بقيمة تربوية أو اجتماعية''·

اقرأ أيضا