الاتحاد

عربي ودولي

«واشنطن إكزامينر»: الثقافة السياسية القطرية «عفنة» ووضع نظام تميم في الداخل هش

دينا محمود (لندن)

طالبت مجلة «واشنطن إكزامينر» الأميركية المرموقة الرئيس دونالد ترامب بممارسة ضغوطٍ على النظام القطري، لإجباره على وقف الدعم «السخي» الذي يقدمه للتنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط حالياً، والذي قاد إلى أن يعاني هذا النظام العزلة في محيطيه الخليجي والعربي، بفضل الحملة التي تقودها الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين)، منذ الخامس من يونيو من العام الماضي.
وفي مقالٍ للكاتب توم روجان، شددت المجلة ذات التوجهات المحافظة على أنه من الواجب على ترامب العمل على «تغيير الاستراتيجية التي تتبعها قطر لكي ترفع.. (الدويلة المعزولة) راية التحدي للتنظيمات الإرهابية، بدلاً من أن تدفع لها أموالاً لاتقاء شرها، والحصول على معاملة خاصة من جانبها»، وذلك في دعوةٍ واضحةٍ إلى البيت الأبيض لانتهاج موقفٍ أكثر حزماً من «نظام الحمدين» الذي زعمت وسائل الإعلام الموالية له على مدار الأيام الماضية، أنه بات يحظى بدعمٍ نسبي من وزير الخارجية الأميركي الجديد مايك بومبيو، رغم ما هو معروفٌ عنه من تشددٍ حيال نظام الملالي الذي يشكل أحد أبرز حلفاء الدوحة في الوقت الراهن.
وشدد روجان في مقاله على أن ثمة ضرورةً ملحةً لأن تتخذ الإدارة الأميركية خطواتٍ تستهدف الضغط على نظام تميم بن حمد في هذا الشأن، قائلاً إنه على من لا يرى ذلك ضرورياً أن يضع في اعتباره الوثائق التي كشفت عنها صحيفة «واشنطن بوست» الرصينة النقاب يوم السبت الماضي، وأثبتت من خلالها أن السلطات القطرية دفعت 275 مليون دولار على الأقل لإرهابيين مقابل تأمين عملية إطلاق سراح 25 شخصاً يحملون جنسية الدويلة المعزولة، كانوا مختطفين لدى ميليشيات متطرفة مدعومة من إيران في جنوب العراق قبل أعوام.
وشملت الوثائق -التي أثارت رد فعلٍ دولياً غاضباً بشدة حيال ممارسات النظام القطري الداعمة للإرهاب- مراسلاتٍ دبلوماسيةً تضمنت اتهاماتٍ وجهها السفير القطري لدى العراق لهذه الميليشيات بالسعي لـ«سرقة» أموال بلاده. وكشفت «وثائق واشنطن بوست» كذلك أن هذه الصفقة المشبوهة شملت أيضاً حكومات العراق وإيران وتركيا، بجانب الحرس الثوري الإيراني، الذراع العسكرية لنظام الملالي في الشرق الأوسط، فضلاً عن جماعة مسلحة متورطة في شن هجمات دموية ضد القوات الأميركية في العراق، وفصيلين من المعارضة السورية، أحدهما هو ما كان يُعرف بـ«جبهة النصرة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» الإرهابي.
وأكد روجان في المقال الذي نشرته «واشنطن إكزامينر» أن الأموال التي دفعها القطريون لذلك الغرض «أخذت طريقها بعد ذلك إلى خزائن التنظيمات الإرهابية، مثل كتائب حزب الله (العراقي) ووحدات الحرس الثوري الإيراني»، قائلاً إن القادة القطريين «يعتبرون (منح) هدايا عبارة عن أموالٍ سائلة.. بمثابة وسيلةٍ مشروعة للتعامل مع الجماعات الجهادية.. من قبيل القاعدة وداعش» الإرهابييْـن.
وفنّد المقال المحاولات القطرية للتشكيك في صحة الوثائق التي كشفت عنها «واشنطن بوست»، قائلاً إنه «ما من شك في أن نظام تميم يتبنى نهجاً شديد التساهل على صعيد مسألة التعامل مع الإرهابيين». وأكد توم روجان أن الأنشطة القطرية في هذا المجال لا تقتصر على اضطلاع دولة «قطر بمد هذه المنظمات بأموالٍ على الطريقة الإقطاعية القديمة، وإنما (تصل إلى حد) قيام قادة الدوحة بذلك دون أي شعورٍ بالندم». بل يقول الكاتب، إن «المسؤولين القطريين يشعرون في واقع الأمر بالسعادة لتجاهل (الأنشطة الخاصة) بجمع التبرعات لصالح تنظيمات مثل تنظيم داعش» الإرهابي.
بالإضافة إلى ذلك، لم يتردد الكاتب الأميركي في إلقاء الضوء على الدور التخريبي الذي يضطلع به النظام القطري في منطقة الشرق الأوسط، بما يجعل قادته مسؤولين عن الجرائم الإرهابية التي تُرتكب هناك، وذلك عبر توفيرهم الموارد المالية اللازمة للإرهابيين لتنفيذ عملياتهم الدموية؛ سواءٌ بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. إذ قال إن المسؤولين في هذا النظام «يغضون الطرف» عن الأنشطة التي يقوم بها الأشخاص الذين يتولون تمويل التنظيمات الإرهابية في أنحاء مختلفة من المنطقة بشكلٍ فردي، مُشيراً إلى أن هؤلاء الممولين «يواصلون تقديم مبالغ طائلة إلى أشخاصٍ عازمين على قتل أميركيين، ومهاجمة حلفائنا».
ولم يغفل روجان في المقال العلاقات المتنامية بين قطر ونظام الملالي المُهيمن على الحكم في إيران، والتي ازدادت قوتها مع ارتماء النظام القطري في أحضان طهران في مسعى يائسٍ لفك طوق المقاطعة المُحكم المُطبق عليه منذ نحو أحد عشر شهراً. وشدد الكاتب على أن هذه الروابط التي تتعزز في كل يوم، تصب في صالح السياسات العدوانية التي ينتهجها النظام الإيراني في المنطقة، والتي تستهدف بطبيعة الحال الدول الخليج الأخرى بخلاف قطر في المقام الأول. وقال روجان في هذا الشأن إن «اتفاقات التعاون الاقتصادي القطرية -التي يتزايد عددها- مع إيران، تدعم الأنشطة التخريبية التي تقوم بها الأخيرة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط».
وبحسب وسائل إعلام أميركية مرموقة، يسود البيت الأبيض حالياً قلقٌ متصاعد إزاء التطورات المتسارعة على صعيد تعزيز العلاقات بين الدوحة وطهران، خاصةً في ظل تقديراتٍ تفيد بأن حجم التبادل التجاري بين البلدين، شهد طفرةً على مدار الأشهر القليلة الماضية، في ظل المحاولات المستميتة من قبل الدوحة لإيجاد مساراتٍ تجاريةٍ بديلة للهروب من العزلة، وكذلك في ضوء توقف الصادرات القادمة إليها من المملكة العربية السعودية والإمارات.
ويركز الكاتب الأميركي في نهاية مقاله على إلقاء الضوء على ما يصفه بـ«العفن الأوسع نطاقاً في الثقافة السياسية القطرية»، والذي يتمثل في استفادة النظام الحاكم في الدويلة المعزولة من «الاحتياطيات الهائلة للغاز الطبيعي التي تتمتع بها البلاد، والاعتماد على الإيديولوجيات المتطرفة من أجل ترسيخ (الوضع) السياسي»، مما يؤكد الهشاشة التي يتسم بها وضع نظام تميم في الداخل، بعكس ما تدعيه وسائل الإعلام الموالية له من أنه يحظى بالشعبية في الشارع القطري. وفي تكذيبٍ واضحٍ وقوي لكل المزاعم التي يروجها المسؤولون القطريون أن نظامهم يضطلع بدورٍ إيجابي على الصعيد الإقليمي أو أنه غير ضالعٍ في أي أنشطة تخريبية، وجه روجان اتهاماً مباشراً لنظام تميم، بأنه غير مهتم بأي شكل على ما يبدو بـ«أي إصلاحات تجري في الأماكن الأخرى من منطقة الشرق الأوسط»، مُشدداً على أن هذا النظام «يبدو راضياً -بدلاً من ذلك- بمواصلة المسار الحالي (الذي يقوم) على شراء النفوذ السياسي».
وكانت مجلة «واشنطن إكزامينر» التي نشرت هذا المقال، قد انفردت -قبل أسابيع- بقيادة حملةٍ لمطالبة وزارة الخارجية الأميركية باستدعاء السفير القطري لدى واشنطن، لكي يوضح أسباب مشاركة رئيس وزراء الدويلة المعزولة في حفل نجل الإرهابي البارز عبد الرحمن النعيمي -الممول المعروف للتنظيمات الإرهابية في العالم- والذي أقيم بعد 48 ساعة فحسب تقريباً من اجتماعٍ ضم الرئيس ترامب وأمير قطر في البيت الأبيض مطلع الشهر الماضي، وهو الاجتماع الذي زعم تميم خلاله أن نظامه ملتزمٌ بمكافحة الإرهاب، مُدعياً -وإلى جواره الرئيس الأميركي- أن قطر لا تدعم الإرهاب، ولا تتسامح مع أي شخصِ يموله!

اقرأ أيضا

رئيس سريلانكا الجديد يؤدي اليمين الدستورية بعد فوز قياسي