الاتحاد

الملحق الثقافي

فرسان الفكر..

“كلاسيكيات” سلسلة أدبية وفكرية وثقافية جديدة، تستهدف إعادة نشر التراث وتقديمه إلى القارئ العربي بصورة جديدة، بدأ إصدارها في الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة. خرج إلى النور منها حتى الآن كتب: العبرات والنظرات، والشاعر والفضيلة أو “بول وفرجيني” و”في سبيل التاج” و”ماجدولين” أو “تحت ظلال الزيزفون” لمصطفى لطفي المنفلوطي، ورواية “زينب” أول رواية عربية متكاملة فنيًّا، و”عُثمان بن عفان” و”الصدّيق أبو بكر” و”الفاروق عمر” و”حياة محمد” لمحمد حسين هيكل، و”حي بن يقظان” لابن طفيل، و”الإلياذة والأوديسة لـ هوميروس، و”في منزل الوحي”، و”حياتي” لأحمد أمين، و”هكذا خلقت” و”الأدب الصغير” و”الأدب الكبير” لابن المقفع، وغيرها من الكتب التي شكلت وجدان المصريين تباعًا، وهي بشكلها الجديد لا تزال قادرة على إثارة الدهشة، والقيام بالدور نفسه لدى الأجيال الجديدة.
يقول الناشر محمد رشاد رئيس مجلس إدارة الدار: “إن الدار لم تكتف بنشر الكتب فقط، بل قام المسؤولون عن السلسلة بشرح وضبط ما يصعب أو يغمض مدلوله على القارئ من الكلمات والعبارات، ففي رواية “زينب” التي مر قرن من الزمان على تأليفها، حرصت الدار على شرح الكلمات والعبارات الصعبة، خصوصًا الكلمات الريفية أو العامية التي كانت متداولة في القرية المصرية آنذاك وهكذا الأمر مع الكتب جميعها، نظرًا لتطور اللغة العربية منذ أول القرن حتى الآن”.

عنفوان فكري
يشرف على السلسلة محمد فتحي أبو بكر الذي قدمها وعلق عليها بتقديم وافٍ لكل المؤلفين والكتاب الكبار من أعلام القرن العشرين الذين تنشر السلسلة كتبهم، عبر سرد سيرهم الذاتية، وأهم محطات حياتهم، ومؤلفاتهم وتأثيرها في زمنها، وفي الأجيال المتعاقبة، وكيف رآهم روّاد عصرهم وقرَّاؤهم، وهم بهذا يعدون في رأيه المثل الأعلى للشباب، خصوصًا في هذا العصر الذي الْتَوَتْ فيه الألسن واختلط الحابل بالنابل، وضعفت فيه ملكة اللغة والأدب لدى الشباب والناشئين وغيرهم بسبب عوامل كثيرة وظروف قاهرة، فتراث هؤلاء الكتاب مثل أعلى ونموذج راقٍ يقتدى به في سلامة إنشائهم وصقل أساليبهم، واعتدال ألسنتهم وقوة لغتهم وسلامتها. ومن ناحية أخرى، يعطي التعريف الكامل في المقدمات بهؤلاء الكتاب صورة بانورامية لعنفوان مصر الثقافي في القرن العشرين، خصوصًا النصف الأول منه، وكانت مصر بسبب هؤلاء المفكرين رائدة أمتها العربية.

فجرُ الإسلام وضُحاه وظُهْرَه
السلسلة كتب أهم ثلاثة فرسان في بدايات القرن العشرين، الفارس الأول هو: أحمد أمين، فموسوعته مثلًا (فجر الإسلام) و (ضحى الإسلام) و (ظهر الإسلام)، تقدم صورة مشرقة ورائعة للإسلام الحضاري، الذي أسس كيانات معظم الدول الإسلامية، التي تحاول النكوص عنه الآن، فتناولت الإسلام وحضارته من شتى جوانبه أدبيًّا وفنيًّا وثقافيًّا وعلميًّا، فلم يقتصر الإسلام على الطقوس والفقه وفقط، بل امتد ليشمل جوانب الحياة كلها سياسة وإعاشة. وذلك هو السلاح القوي الماضي في مُواجَهة الهجمة الشرسة التي يشنُّها أعداءُ الإسلامِ هذه الأيام ضد العروبة والإسلام ونبيِّ الإسلام، وهو السلاح الفَعَّال في مُواكَبة هذا العصر، عصر المعلومات والمعرفة، وهو الذي يحقق الحاضِرَ الواعِدَ والمستقبل الـمُشرق للإسلام والأُمَّة العربية، والنهوض بها مِمَّا أصابها من ضَعْفٍ ووهن.
وليس أقدر على ذلك من مفكر غير أحمد أمين بحساسيته المعرفية وموسوعيته العلمية وبهذا المنهج، وهذا الأسلوب، وهذه النتائج التي تَوَصَّلَ إليها أحمد أمين في تأريخه للحياة العقلية في الإسلام، قد أَبْهَرَ الناسَ بذلك، ومَهَّدَ الطريق لكثيرٍ من الباحثين – مِمَّنْ أَتَوْا بعده – وبهذا أصبح واحِدًا من أبرز المفكرين والأُدباء من جِيلِ الرُّوَّاد. حتى أن طه حسين (1889 – 1973م) قال عنه: “لقد أَهْدَى أحمد أمين إلى العَالَمِ الحديث بتأليف «فجر الإسلام وضُحَاه وظُهره” كَنْزًا مِنْ أقْوَمِ الكُنوز وأعظمها حَظًّا من الغِنَى، وأقدرها على البقاء ومطاولة الزمان والإصراح”.
وقال عنه عبد الرازق السنهوري (1895 – 1971م): «إن سلسلة فَجْر الإسلام وضُحاه وظُهْره من أقوم وأروع ما وُضِعَ عن الحياةِ العقليةِ والفكرية الإسلامية». وقال أيضًا: «لقد أسس أحمد أمين مدرسةً في الفكر الإسلامي لا أعرف أن مُعَاصِرًا قام بعملٍ يُدانيه، وستبقى هذه المدرسة راسخةَ الأصْلِ باذِخَةَ الفُروعِ، وسيظل هو إمامها وزعيمها الفكري الكبير».
وقال أحمد حسن الزيات (1885 – 1968م) صاحب مجلة “الرسالة” “حَسْبُ أحمد أمين أنه حَلَّلَ الحياة العقلية للعرب والمسلمين في كُتُبه: فَجْر الإسلام وضُحَاه وظُهْره، تحليلًا لم يتهيأ مثله لأحَدٍ من قَبْلِه. وستظل هذه الكتب الخالدة شاهدة على الجهد الذي لم يَكِلَّ، والعقل الذي لم يَضِلَّ، والبصيرة التي نَفَذَتْ إلى الحق من حَجَب صَفِيقَةٍ واهتدت إليه في مسالك مُتَشَعِّبَة”.
وقال الدكتور أحمد فؤاد الأهواني (1908 – 1970م) “لم يظفرْ كتابٌ من الذُّيوع والانتشار والتأثيرِ بمِثْلِ ما ظَفِرَتْ به مجموعةُ الكتب التي أصدرها أحمد أمين حين أصْدَرَ فَجْر الإسلام وتَبِعَهَا بضُحَى الإسلام ثم ظُهْر الإسلام”.

نظرات المنفلوطي وعبراته
والفارس الثاني الذي تنشر السلسلة كتبه هو: مصطفى لطفي المنفلوطي أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، له شعر جيد فيه رقة، قام بالكثير من الترجمة والاقتباس من بعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية غاية في الروعة لم يحظ بإجادة اللغة الفرنسية لذلك استعان بأصحابه الذين كانوا يترجمون له الروايات ومن ثم يقوم هو بصياغتها وصقلها في قالب أدبي. كتاباه: (النظرات والعبرات).
ولد مصطفى لطفي المنفلوطي في سنة 1293هـ الموافق 1876م من أب مصري وأم تركية في مدينة منفلوط من الوجه القبلي لمصر من أسرة حسينية النسب مشهورة بالتقوى والعلم نبغ فيها من نحو مائتي سنة، قضاة شرعيون ونقباء، ومنفلوط إحدى مدن محافظة أسيوط. نهج المنفلوطي سبيل آبائه من الثقافة والتحق بكتاب القرية كالعادة المتبعة في البلاد آنذاك فحفظ القرآن الكريم كله وهو في التاسعة من عمره ثم أرسله أبوه إلى الجامع الأزهر بالقاهرة تحت رعاية رفاق له من أهل بلده، فتلقى فيه طوال عشر سنوات علوم العربية والقرآن الكريم والحديث الشريف والتاريخ والفقه وشيئًا من شروحات الأدب العربي الكلاسيكي، ولا سيما العباسي منه. وفي السنوات الثلاث من إقامته في الأزهر بدأ يستجيب لتتضح نزعاته الأدبية، فأقبل يتزود من كتب التراث في عصره الذهبي، جامعًا إلى دروسه الأزهرية التقليدية قراءة متأملة واعية في دواوين شعراء المدرسة الشامية (كأبي تمام والبحتري والمتنبي والشريف الرضي) بالإضافة إلى النثر كعبد الحميد الكاتب وابن المقفع وابن خلدون وابن الأثير. كما كان كثير المطالعة في كتب: الأغاني والعقد الفريد وزهر الآداب، وسواها من آثار العربية الصحيحة. وكان هذا التحصيل الأدبي الجاد، الرفيع المستوى، الأصيل البيان، الغني الثقافة، حريًا بنهوض شاب كالمنفلوطي مرهف الحس والذوق، شديد الرغبة في تحصيل المعرفة. ولم يلبث المنفلوطي، وهو في مقتبل عمره أن اتصل بالشيخ الإمام محمد عبده، الذي كان إمام عصره في العلم والإيمان، فلزم المنفلوطي حلقته في الأزهر، يستمع منه شروحاته العميقة لآيات من القرآن الكريم، ومعاني الإسلام، بعيدًا عن التزمت والخرافات والأباطيل والبدع، وقد أتيحت له فرصة الدراسة على يد الشيخ محمد عبده وبعد وفاة أستاذه رجع المنفلوطي إلى بلده حيث مكث عامين متفرغًا لدراسة كتب الأدب القديم فقرأ لابن المقفع والجاحظ والمتنبي وأبي العلاء المعري وكون لنفسه أسلوبًا خاصًا يعتمد على شعوره وحساسية نفسه.
وللمنفلوطي أعمال أدبية كثيرة اختلف فيها الرأي وتدابر حولها القول وقد بدأت أعمال المنفلوطي تتبدى للناس من خلال ما كان ينشره في بعض المجلات الإقليمية كمجلة الفلاح والهلال والجامعة والعمدة وغيرها ثم انتقل إلى أكبر الصحف وهي المؤيد وكتب المقالات بعنوان: «نظرات» جمعت في كتاب تحت الاسم نفسه على ثلاثة أجزاء. من أهم كتبه ورواياته التي نشرتها الدار المصرية اللبنانية طبعة عصرية:
النظرات: (ثلاثة أجزاء)، و (العبرات) ويضم تسع قصص، ثلاثًا وضعها المنفلوطي وهي: الحجاب، الهاوية. وواحدة مقتبسة من قصة أمريكية اسمها صراخ القبور، وجعلها بعنوان: العقاب. وخمس قصص عربها المنفلوطي وهي: الشهداء، الذكرى، الجزاء، الضحية، الانتقام. وقد طبع في عام 1916، و رواية (في سبيل التاج) وهي أساسًا مأساة شعرية تمثيلية، كتبها فرانسو كوبيه أحد أدباء القرن التاسع عشر في فرنسا، ورواية (بول وفرجيني) صاغها المنفلوطي بعد ترجمته لها من الفرنسية وجعلها بعنوان الفضيلة. وهي في الأصل للكاتب برناردين دي سان بيير من أدباء القرن التاسع عشر في فرنسا وكتبت في العام 1789م، و رواية (الشاعر) هي في الأصل بعنوان «سيرانو دي برجراك» عن شخصية بنفس الاسم للكاتب الفرنسي أدموند روستان، و رواية (تحت ظلال الزيزفون) صاغها المنفلوطي بعد أن ترجمها من الفرنسية وجعلها بعنوان مجدولين وهي للكاتب الفرنسي ألفونس كار.

في رحاب الإسلام
ثالث هؤلاء الفرسان هو محمد حسين هيكل (1888 – 1956م) الشاعر والأديب والسياسي، ولد في 20 أغسطس 1888م الموافق 12 ذو الحجة 1305هـ في قرية كفر غنام في مدينة المنصورة، محافظة الدقهلية، مصر. درس القانون في مدرسة الحقوق الخديوية بالقاهرة وتخرج فيها في عام 1909م. حصل على درجة الدكتوراه في الحقوق من جامعة السوربون في فرنسا سنة 1912م، ولدى رجوعه إلى مصر عمل في المحاماة عشر سنوات كما عمل بالصحافة. اتصل بأحمد لطفي السيد وتأثر بأفكاره، والتزم بتوجيهاته، كما تأثر بالشيخ محمد عبده وقاسم أمين وغيرهم.
بعد أن أرسى هيكل فن الرواية العربية بروايته (زينب) ذهب إلى مصادر الإسلام الأولى فألقى عليها أضواءً جديدة، وقد تفوق هيكل في الكتابة التاريخية لاتساع نظرته ودقة بحثه فكتب حياة محمد صلى الله عليه وسلم، في منزل الوحي، الصديق أبا بكر، الفاروق عمر (في جزأين)، عثمان بن عفان (بين الخلافة والملك).. ثم رجع هيكل أخيرًا إلى كتابة القصة، فأخرج في سنة 1955م قصة (هكذا خُلقت)، وهي قصة طويلة تقصُّ حياة امرأة مصرية عصرية أُصيبت بشذوذ الغيرة، واضطربت بهذا الشذوذ في محيط الدعوة الجديدة إلى الحرية النسوية، وسلطته على حياتها الزوجية فحطمها مرتين كما يحطم الطفل لعبته... ويتابع هيكل بعد ذلك كتابة القصة القصيرة وينشرها في الصحف الأسبوعية... وما يلبث أن يلبي داعي ربه في ديسمبر سنة 1956م، ورثاه الكثيرون من علماء الأمة وأدبائها، وقد جُمع ما قيل فيه من تأبين ورثاء في كتاب يحمل اسمه، وقد طبع في القاهرة سنة 1958م.
وكانت البداية التاريخية مع “الفاروق عمر” حيث تناول الكاتب في فصول هذا الكتاب صُوَرًا من حياة الفاروق في جاهليته، وفي العهد الأول من إسلامه، ومُلازمته للرسول صلى الله عليه وسلم وحضوره المواقع معه، ووقوفه بجانب أبي بكر إبَّانَ خلافته وحربه على الرِّدَّةِ والمرتدّين، فَمَهَّدَ بذلك لوحدة شبه الجزيرة العربية السياسية، ثم مَهَّدَ للفتح والإمبراطورية الإسلامية بغزو العراق والشام.. ثم كيف تَابَعَ الفاروق هذه السياسة من يوم استُخْلِفَ، فواصلت الجيوشُ العربية في عهده الفتوحات التي كانت قد بَدَأَتْ في عهد أبي بكر، وتمكَّن قُوَّادُ جَيْشِه - بفضل يقظته وحَزْمِهِ وسداد رأيه - من إكمال فتح الشام والعراق وغالبية فارس، ومن فَتْح مصر وفلسطين، وبذا وثَّقَ أواصِرَ الوحدة العربية في شبه الجزيرة العربية، وأزال مُلْكَ الأكاسرة من العراق، ومُلك القياصرة من الشام، ومَدَّ وَحْدَةَ العرب من خليج عَدَن جنوبًا إلى أقصى الشام في بادية الشام، حتى قيل : انتصبَ في مُدَّتِهِ اثنا عشر ألف منبر في الإسلام.
إن الفاروق يُعَدُّ - بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد خليفته أبي بكر - من أعظم الشخصيات الإسلامية العربية، وهو بحق يُعَدُّ مؤسس الإمبراطورية الإسلامية، وهو أول مَنْ دَوَّنَ الدواوين في الإسلام لضبطِ المال، وعمل إحصاءً للمسلمين، وفَرَضَ لهم الأُعطيات والمرتبات، مبتدئًا بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أهْلِ السَّابقة.. وهو أول من استقضَى القضاةَ، وأولُ مَنْ وَضَعَ للعرب التاريخ الهجري - وكانوا يُؤرِّخُون بالوقائع - وقد رفَضَ أن يجري على أرض السَّوَاد حُكْم الغنيمة، فتركها في أيدي أصحابها يدفعون عنها خَراجًا، ويُنْسَبُ إليه كثير من أحكام أهل الذِّمَّة الذين حَرِصَ على عَدَم إرهاقهم.
والكتاب الثاني هو “الصِّديق أبو بكر” ويتناول فيه هيكل قصة حياة الصحابي الجليل أبوبكر الصديق رضي الله عنه: “كان سيدًا من سادات قريش، وغنيًّا من كبار مُوسِرِيهم.. وُلد بمكة سنة واحدٍ وخمسين قبل الهجرة (573م)، وكان عالمًا بأنساب القبائل وأخبارها وسياستها، وكان يُلَقَّبُ بعالِمِ قُريش... وحَرَّمَ على نفسه الخَمْرَ في الجاهلية، فلم يشربها.. وفي عصر النبوة كانت له مواقفُ كبيرة، فَشَهِدَ الوقائعَ والغزوات مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واحتملَ الشدائدَ، وبَذَلَ الأَمْوَالَ.. وبُويِـعَ بالخلافَةِ يومَ وفاةِ النبي صلى الله عليه وسلم سنة 11 هجرية.. فَحَارَبَ المُرْتَدِّينَ والمُمْتَنِعِينَ من دَفْع الزكاة. وفي أيامه افتُتِحَتْ بلادُ الشامِ وقِسْمٌ كبير من العراق.
كان موصوفًا بالحِلْمِ، والرأفة بالعامَّة، قال صلى الله عليه وسلم: “أرحم أمَّتِي أبو بكر، وأشدها في دين اللَّه عمر، وأشدها حياء عثمان». قال إِثْرَ بيعته : “قد وليت عليكم ولستُ بخيركم، فإنْ أحسنتُ فأَعِينُوني، وإن أسأْتُ فَقَوِّمُوني”. كانت حُكومته حكومةَ شُورَى في منشئها وفي نزعتها، حكومةً لم تعرف السُّلْطَانَ المطلق - وهذا هو الحُكْمُ في الإسلام.. حُكْمٌ مُقَيَّدٌ، خاضِعٌ لرقابةِ المسلمين جميعًا، لكل فرد منهم أن يُحاسِبَ القائمَ به، وكان يقول : «أَطِيعُوني ما أَطَعْتُ اللَّه فيكم، فَإِنْ عَصَيْتُهُ فلا طَاعَةَ لي عليكم»، وهذا إقرارٌ صريحٌ بِحَقِّ الرَّأْيِ العام في مُراقبته وإرْشَادِهِ، وبحقِّ الناسِ في العِصْيَانِ إذا عَصَى الخليفة اللَّه وصَدَفَ عن أمْرِهِ، وحقهم في عَزْلِهِ.
وثالث الكتب لمحمد حسين هيكل هو “في منزل الوحي”: وقد تَمَثَّلَ الكاتبُ حياةَ النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من حوله، ووقف عند كل مكانٍ سَارَ فيه النبي الكريم، ووقف عند آثاره يُحَدِّثُها وتُحَدِّثُهُ، فنراه يُعَبِّرُ بقلمه الفيَّاض عن آي الجلال والعظَمَة في حياة محمد وأصحابه، وعن الأماكن أو المواقع التي تهفو نفوس ملايين المسلمين وقلوبهم إليها، والتي تثيرُ في النفس معاني الإكبار والإعظام، فيهزُّهُم الحنين والشوق إلى زيارة تلك البلاد التي ضَمَّتْ تلك الأماكن المقدسة، ومنها البيت العتيق، وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبور أصحابه، وغير ذلك من المعالم التي زارها المؤلف وكتب عنها في هذا الكتاب.
يقول د. صلاح فضل في تقديمه للسلسلة إنها تمثل نافذة لمن يريد أن يتعرف على العقل العربي في أوج توهجه، وعلى لغة العلوم والآداب والفنون، وهي تتشكل بأنساقها الغنية. وهذه الكلاسيكيات تجسد حرية العقل ونقد النقل وفريضة التفكير وضرورة الاجتهاد، إلى جانب جني لذة الإبداع في الشعر والسرد، ومتعة التداول الحر للمعرفة والمعلومات عبر الأجيال المتتالية، وربط شباب الأمة بتراثها الجامع وهويتها الحقيقية.
وعن معايير اختيار الكتب الكلاسيكية التي يتم اختيارها في السلسلة، يحددها د. فضل في: إجماع أهل الذكر من العلماء والأدباء على أهميتها وتقدمها على غيرها. واعتراف الأجيال المتتالية بها، وبناؤهم على أسسها المعرفية والفنية. وتقديمها لأفضل ما يمكن أن يتعرف به الآخر علينا عند ترجمتها إلى اللغات الحية المختلفة.

اقرأ أيضا