رغم قيام المسؤولين الهنود والباكستانيين ببذل جهود لافتة لإصلاح العلاقات بين بلديهما، فإن الجارين النوويين مازالا على خلاف حاد حول مصير سبعة باكستانيين متهمين بالضلوع في هجمات 2008 في بومباي. المشتبه فيهم محتجزون في السجون الباكستانية منذ اعتقالهم قبل عامين، وجميعهم أعضاء في المجموعة الإسلامية المقاتلة التي كانت تعرف في الماضي بـ"عسكر طيبة"، لكن لم توجه لهم أي تهم رسمية حتى الآن، كما لم يحدد موعد لمحاكمتهم. ويقول معظم المراقبين هنا إن الوتيرة البطيئة لمتابعة المتهمين إنما تعكس القوة التي بات يتمتع بها أعضاء الجماعات الدينية في باكستان، وبخاصة "عسكر طيبة"، وهي مجموعة عنيفة كانت تدعمها باكستان في وقت من الأوقات، ذلك أنه على مدى أشهر بعد موجة العنف التي دامت ثلاثة أيام في بومباي وأسفرت عن مقتل 164 شخصاً، كانت الحكومة الباكستانية تنفي أن يكون الإرهابيون باكستانيين. وقد تم الحصول على معظم الأدلة في الهند، ومنها اعتراف "أجمل كساب"، المشتبه به الوحيد التي قُبض عليه حياً هناك، وأشرطة مكالمات هاتفية من باكستان مع منفذي الهجوم. وقد سمحت الهند بالاطلاع على بعض تلك الأدلة، كما وجد المحققون الباكستانيون أدلة أخرى، غير أن كلا الحكومتين تقاومان تقاسم المعلومات الاستخباراتية وتتبادلان الاتهامات بالتلكؤ والمماطلة. وفي هذا السياق، يقول "بي. رامان"، وهو محلل أمني هندي استجوب من نيودلهي: "إن 90 في المئة من الأدلة اللازمة من أجل متابعة قضائية هي لدى باكستان"، مضيفاً: "قد يقولون إن الهند لم تمنحهم أكثر، لكنهم غير مهتمين بمتابعة هذا الموضوع". وقال أيضا إن هذه القضية عرفت إجراء أزيد من 80 جلسة استماع تمت وراء أبواب مغلقة في محكمة خاصة بقضايا الإرهاب داخل سجن أديالا في مدينة روالبندي، مما يعطي "الانطباع بأنهم يتحاشون اتخاذ خطوات فعلية"، على حد قوله. وقد رفض ممثلو الادعاء العام هنا طلبات إجراء مقابلات معهم، لكنهم عبروا في تصريحات قصيرة بعد جلسات الاستماع عن إحباطهم من التأخير وعدم تمكنهم من الوصول إلى "كساب"، الذي صورته كاميرات المراقبة وهو يحمل بندقية وسط الفوضى في بومباي. وكان قاض رفض الأسبوع الماضي طلباً لإصدار مذكرة اعتقال في حقه، حيث جاء في الحكم أنه مادام في قبضة الشرطة الهندية، فإنه لا يمكن أن يُعتبر هارباً. وفي هذه الأثناء، تتأثر جهود متابعة مشتبه به آخر لا يقل أهمية، بالنفوذ الذي يتمتع به كزعيم لـ"عسكر طيبة"، ويتعلق الأمر بـ"زكي الرحمن لخفي" الذي يشير إليه المحققون الهنود بأصبع الاتهام. وقد قامت الشرطة الباكستانية باعتقاله في 2009 تحت الضغط الدولي، لكن الخبراء يقولون إن نفوذه الديني وشهرته في باكستان، كمقاتل بمنطقة كشمير المتنازع عليها، جعل السلطات مترددة في محاكمته. وفي هذا السياق، قال محلل غربي، طلب عدم الكشف عن هويته، "إنه صيد كبير سيجدون صعوبة كبيرة في التعامل معه"، مضيفاً أن الحكومة الباكستانية تسعى إلى إحداث توازن بين رغبتها في أن تُظهر أنها صارمة وحازمة بخصوص الإرهاب الدولي ورغبتها في أن تظل "منخرطة"مع "عسكر طيبة"، على أمل الإبقاء على بعض السيطرة على المجموعة. "عسكر طيبة"، التي أعادت خلق نفسها تحت اسم "جماعة الدعوة"، وهي جمعية خيرية دينية، تتمتع بأتباع كثر بين الشباب المسلم والباكستانيين الفقراء بفضل نشاطها في أزمات مثل فيضانات الصيف الماضي. وقد اعتُقل زعيمها، حافظ سعيد مراراً، لكن سرعان ما كان يفرج عنه بعد ذلك من قبل المحاكم الباكستانية. ويمكن الاستماع إلى خطبه المعادية للأميركيين أيام الجمعة بمسجده في مدينة لاهور. لكن يحيى مجاهد، المتحدث باسم سعيد، ينفي أن تكون لمنظمته أي صلة بهجوم بومباي مشيراً إلى أن سعيد لم يسبق أن أدين بجريمة في باكستان، إذ قال في حوار معه مؤخراً: "إن كل مشاكلنا هي بسبب الضغط الأميركي. وهم لا يفرقون بين المنظمات العنيفة والمنظمات غير العنيفة". وقال مجاهد، الذي وصل متأخراً عن الموعد بساعات، إنه كان ينظم جهود المساعدة لفائدة ضحايا عاصفة غبارية. ورغم هويتها الجديدة، إلا أن المحللين الباكستانيين يقولون إن "عسكر طيبة" مازالت تشكل حضوراً مرهباً هنا في إقليم البنجاب، حيث يميل القضاة والسياسيون إلى إرضاء المتطرفين الدينيين. ثم إنه رغم أن الحكومة الفدرالية لديها قانون قوي مناوئ للإرهاب وجهاز فدرالي للتحقيقات مدرب تدريباً جيداً، فإنها كثيراً ما تفتقر إلى الموارد والدعم لكسب القضايا في المحاكم. إلى ذلك، يعد اللقاء الودي الذي جمع رئيسي وزراء الهند وباكستان في مباراة للكريكيت الأسبوع الماضي، الأحدثَ ضمن سلسلة من جهود الانخراط الدبلوماسي. وخلال الاجتماعات التي تمت بين الجانبين، وافق المسؤولون الباكستانيون والهنود على فتح "خط ساخن" خاص بالإرهاب، كما أعلنت باكستان أنها ستسمح للمحققين الهنود في قضية بومباي بزيارة باكستان لأول مرة. إلا أنه لم يتم تحديد أي تواريخ، كما لم يتم تحقيق أي تقدم بشأن طلبات هندية للقاء المعتقلين الباكستانيين أو اختبار هوياتهم الصوتية ومقارنتها مع مكالمات هاتفية أجراها منفذو الهجوم مع قادتهم المفترضين في باكستان. المسؤولون الباكستانيون، ولئن كانوا يشددون على أنهم يريدون الوصول إلى نهاية التحقيق في هجوم مومباي، يعترفون بأنهم ليسوا في موقف قوي لقمع "عسكر طيبة"، معبرين عن استيائهم بشأن الضغط الأميركي المستمر حول الموضوع. كما يلفتون إلى أن باكستان نفسها كانت ضحية للإرهاب على مدى سنوات مما أثار مشاعر معادية للحكومة بين الجمهور بسبب سماحها بهجمات صاروخية أميركية ضد المقاتلين المشتبه فيهم. وفي هذا السياق، يقول وكيل وزارة الخارجية سلمان بشير: "لا بد أن هجوم بومباي كان فظيعاً، لكننا عانينا العديد من الهجمات المشابهة له"، مضيفا: "إننا جميعاً نريد تحرير المنطقة من الفيروس القاتل، لكن وصم صورتنا لا يفيد ولا يساعد على ذلك". باميلا كونستابل - إسلام آباد ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»