الاتحاد

الملحق الثقافي

ابحث عن خلاصكَ.. فيك

في رواية «كارما»، للروائية الإماراتية ناديا بوهناد، يجد القارئ نفسه في مواجهة شبكة من العلاقات الإنسانية المعقدة والمتشابكة تقوم في معظمها على ثنائية الخيانة والانتقام. علاقات إنسانية مشوهة وغير سوية تجمع بين شخصيات واقعة تحت ضغط دوافع نفسية مرضية ومضطربة تقيم علاقاتها على أساس المنفعة والغريزة والحقد. تسقط تلك الشخصيات في دائرة مغلقة من الفعل ورد الفعل مما يؤدي في النهاية إلى تحطمها وانهيارها المادي والمعنوي، لأنها غير قادرة على التجاوز والتصالح مع ذواتها وواقعها من خلال فعل التسامح والغفران.
تشرح الروائية في مقدمة تسبق المتن السردي للحكاية معنى مفردة كارما، فمصطلح الكارما في الفلسفة الهندوسية والبوذية يطلق “على عواقب السلوك الذي يقوم به الإنسان سواء كان عمل خير أوشر بشرط أن يكون السلوك ناتجاً عن وعي وإدراك مسبق بما يترتب عليه من عواقب أخلاقية، تنمو هذه النتائج وتنضج وتسقط على صاحبها فيكون جزاؤه من جنس عمله”.
ويبدو الإهداء وكأنه يلخص الحكمة التي تقوم عليها الرواية على مستوى شخصي يحيل إلى المؤلف الضمني للعمل: “شكراً لكل من أساء لي، جرحني، أو حتى خان... بسببكم اليوم أنا هنا وأنا ما أنا عليه الآن... شكراً لكم لأنني بسببكم وقعت في الغرام مع نفسي... سامحت وعفوت وأدعو الله لكم بالغفران”. وفي كتابه “الدين والتحليل النفسي “يذهب إريك فروم إلى أن الفلسفات الشرقية الإنسانية مثل البوذية والهندوسية والطاوية دائماً ما تحرض الإنسان على “أن ينمي قدرة عقله كيما يفهم نفسه، وعلاقته بغيره من الناس، وموضعه بالكون. كما ينبغي له أن يعرف الحقيقة فيما يتعلق بحدوده وإمكانياته على السواء. وعليه أن ينمي قدراته على حب الآخرين، كما يحب نفسه”.

علاقات مرضيّة
يقوم السرد في الرواية على حكاية مريم ومطر ويتشعب بعدها ليشمل عدداً من الشخصيات التي تدور في فلك تلك الحكاية المركزية، ويتوزع الحدث مكانياً بين الإمارات والولايات المتحدة الأميركية. تهيمن على الحكاية متوالية من العلاقات الثنائية بين الرجل والمرأة تعكس اضطرابات عميقة في الشعور والسلوك. فمع انهيار العلاقة الهشة التي تجمع بين مريم وخطيبها مطر أثناء دراستهما في الولايات المتحدة في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، تتكشف أمامنا سلسلة من الخيانات والأحقاد تعود بنا إلى أرض الإمارات والوضع الاجتماعي لشريحة معينة من النسيج المجتمعي، بدأت بالظهور على السطح كنتيجة للتحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد في تلك الفترة. وفي كل حلقة من حلقات تلك السلسلة من العلاقات الإنسانية المنحرفة يكرر السرد مقولته الأساسية والمتمثلة بمصطلح الكارما. فالإنسان يواجه عواقب سلوكه ولو بعد حين ودائما ما يكون الجزاء من جنس العمل.
لا توجد شخصيات بريئة في هذه الحكاية وبالتالي لا يمكننا الحديث عن ضحية أوجلاد. فالجميع مذنب وخاطئ، والجميع يشارك في لعبة الخيانة والانتقام. مريم لا تعامل خطيبها مطر باحترام، كما سبق أن تسببت بمشكلة لسمية، زوجة عمها عبيد، وصلت إلى حد الطلاق. سمية، الشخصية الأكثر شراً وحقداً وانحرافاً في الرواية، تنتقم من مريم بالزواج من مطر. وهي بهذا الزواج تنتقم من زوجها السابق، عبيد، لخيانته لها مع زوجة صديقه أم خالد. عبيد يدفع ثمن خيانته لصديقه الذي يستضيفه في بيته في كل مرة يتشاجر فيها مع زوجته ويترك البيت. أم خالد، الزوجة الخائنة تنتهي مشوهة تشوهاً روحياً وجسدياً وتبحث “عن الانتقام من كل من حولها تارة بالسحر وتارة بالقيل والقال”. والمال الذي جمعته سمية وأختها الصغرى بوسائل منحرفة وغير مشروعة يتبدد على العلاج والمصحات وعمليات التجميل التي لا تزيدهما إلا قبحاً.
تحضر مريم بوصفها الشخصية الوحيدة التي تنجح في الإفلات من دائرة الخيانة والانتقام، بعد معاناة تقودها نحو تجربة روحية عميقة تصل في نهايتها إلى لحظة الخلاص. تدرك مريم أن مواجهة إساءة الآخرين بالمزيد من الحقد والرغبة في الانتقام سوف تؤدي بالضرورة إلى تدمير الذات في نفس الوقت الذي تسعى فيه لتدمير الآخر. وتلجأ في محاولتها للتخلص من المشاعر السلبية إلى تجاوز أزمتها النفسية من خلال التسامح والغفران. ولن يتحقق هذا التسامح إلا من خلال النسيان الإرادي أو المتعمد. يقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور “أنا قادر على أن أنسى لأني أريد ذلك، وأنا قادر قبل كل ذلك على أن أتسامى على نفسي وأن أتخطى نزعتي نحو العنف كي أصل إلى عمقي الأصلي، عمقي الروحي الذي يتخطى التسامح إلى السماحة الرحبة”. ففقدان الذاكرة اللا إرادي أو النسيان في حالاته الاعتيادية يعني التبدد الكامل للتجربة المعاشة وما يرافقها من خبرة مكتبسة أو مستخلصة نتيجة المرور بتلك التجربة. أما النسيان الإرادي فيتحقق بتناسي المعاناة والرغبة في الانتقام المرافقة للتجربة المعاشة مع الاحتفاظ بالخبرة المكتسبة على المستوى الحياتي المعيش وعلى مستوى المفاهيم المجردة داخل الوعي. فالنسيان الإرداي ليس نمطاً من أنماط الكبت والقهر الذاتي وإنما هو حالة من التسامي تصل فيه الروح إلى السلام الداخلي المطلق. وفي ذروة هذا السلام الداخلي تكتشف مريم أنها بتحررها من مشاعر الحقد والكراهية تجاه الآخرين، أصبحت تعيش حالة من الحب المطلق وأنها قد “وقعت في غرام نفسها”.

اقرأ أيضا