الاتحاد

الملحق الثقافي

هل ينالها «ابن بابل»؟

مشهد من فيلم «ابن بابل»

مشهد من فيلم «ابن بابل»

تبعا لتنوع أشكال الرسائل والأهداف المرجوة التي طرحتها أفلام المهرجان، وكذا تباين مستواها الفني، اختلفت رؤى النقاد والإعلاميين في تقديرهم لتلك الأفلام وترشيح أي منها الأقرب للفوز بإحدى الجوائز، بعد هذا الماراثون السينمائي الذي استمر عشرة أيام، وهي فترة إقامة مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في أبوظبي، والذي قدم هذا العام 129 فيلماً من 49 دولة وبلغ عدد الأفلام الطويلة التي تم عرضها 72، في حين يبلغ عدد الأفلام القصيرة 57 فيلماً، كما عرض 21 فيلماً بإخراج نسائي، فيما بلغ عدد الأفلام المشاركة في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة والتي تمثل دول الشرق الأوسط 9 أفلام.

وكان هناك 11 فيلماً لمخرجين جدد. أما عدد الأفلام الوثائقية الطويلة المشاركة في المسابقة والتي تمثل دول الشرق الأوسط فيبلغ 8 أفلام وشارك المخرجون الجدد بـ 8 أفلام في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة.
يقول حميد حداد وهو كاتب سيناريو ومخرج عراقي وشارك في مسابقة الأفلام الوثائقية القصيرة بأحد الأفلام: إن مستوى الأفلام التي عرضت في المهرجان يمكن وضع أكثرها في فئة الأفلام الجدية والجيدة جداً أحياناً، وكانت قلة من الأفلام هي التي يمكن اعتبارها ضعيفة، وهذا شيء طبيعي في أي مهرجان سينمائي في العالم.
ولكن حميد عاد وأشار إلى أنه لم يتوقع وجود مثل هذا الكم من الأفلام الناجحة والقوية، وهو الشيء الذي يحسب للقائمين على إدارة المهرجان في قدرتهم على استقطاب تلك المجموعة المميزة من الأفلام، والتي تمثل هدية قيمة لكل من حرص على مشاهدة أفلام المهرجان ومتابعة فعالياته.
ولفت حداد، إلى أن وجود قلة من الأفلام المثيرة للجدل، يعتبر أيضاً من إيجابيات المهرجان، لأنها لولا كانت جيدة فنياً ما أثارت مثل هذا الجدل.
وفي الإطار ذاته أوضح حداد أنه يرشح فيلم «هليوبليس» لنيل جائزة أحسن فيلم في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، لأنه مختلف عن السائد في السينما العربية، من حيث كتابة السيناريو والرؤية الفنية لتنفيذ الفيلم، فضلاً عن أنه الفيلم الروائي الطويل الأول لمخرج شاب، ولذا فهو يستحق الحصول على جائزة الأفضل لهذا العام.
أما للأفلام الوثائقية، فقد رشح حداد فيلم «جيران» للمخرجة المصرية تهاني راشد، ويعتقد حداد، أنه فيلم مهم جداً ويتحدث عن مرحلة مهمة في تاريخ مصر من خلال حي جاردن سيتي، وهو أحد الأحياء القديمة والأرستقراطية في القاهرة، وقد اتهم الفيلم، حسبما يقول حداد، بالإغراق في الحنين إلى الماضي، والمعاداة لثورة يوليو 1952 في مصر، ولكنه يرى، أن الفيلم يتحدث عن مصائر ناس ومعاناتهم، وهم في النهاية بشر حتى لو كانوا من الطبقة الأرستقراطية، والفيلم يرصد معاناتهم والكوارث المعيشية التي تعرضوا لها عقب قيام الثورة، ولذلك فهو من الأفلام التي تتناول الحس الإنساني والمشاعر الإنسانية برؤية مختلفة ولذلك يتوقع حصوله على جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل.
أما مسابقة الأفلام القصيرة فيرشح حداد فيلم «شوتاج» للمخرج الألماني مارفن كرين، ويتحدث عن المنطقة المشتركة بين الهند وباكستان، وصراعات حرس الحدود في الجانبين، وقد صور المخرج ذلك الصراع بأنه أشبه بصراع الديكة، ولفت حداد إلى أن الفيلم ممتع إلى حد كبير من حيث جميع مفردات وعناصر العمل السينمائي، لا سيما المونتاج، الذي كان إيقاعه سريعاً ومميزاً.
ومن الأفلام المميزة أيضاً فيلم «ربيع 89» للمخرجة المصرية آيتن أمين، وما يميز هذا الفيلم، هو معايشته لتجربة فتاتين تقعان في حب شخص واحد، وهو لا يعلم شيئاً عن هذا الحب، فتدفع غيرة إحداهما الأخرى إلى التقرب من هذا الشخص إلى أن تنجح في الإيقاع به، هنا تبدأ في الشعور بالذنب تجاه صديقتها، لأنها سلبت منها حبها الوحيد. والفيلم يدور في إطار رومانسي ناعم يشي بمخرجة واعدة لها مكانة متميزة في المستقبل القريب.
وعن موقع المهرجان من المهرجانات العالمية، أوضح حداد، أن الدعم اللامحدود الذي يلقاه المهرجان من قبل القائمين على الشأن الثقافي في الإمارات دفع به في خلال 3 سنوات إلى أن يصبح واحداً من المهرجانات السينمائية المهمة على خريطة السينما في الشرق الأوسط والعالم. وهذا يتبين من حضور نجوم كبار ومعايشتهم كل فعاليات المهرجان، وكذلك وجود أفلام قوية ويتم عرضها للمرة الأولى عالمياً، مثل فيلم «ابن بابل»، فضلاً عن مجموعة من الأفلام الأميركية والغربية، تعرض لأول مرة في الشرق الأوسط، وهو ما يحسب للمهرجان ومنظميه، وبالدرجة الأولى لأبوظبي بصفتها الراعي الأول لهذا الحدث الكبير.
ارتفاع المستوى
الإعلامية إيناس محمد، قالت بدورها أن هناك أفلاماً كثيرة شاركت في مهرجان هذا العام وتميزت بارتفاع مستواها، وإن كان هناك بعض من تلك الأفلام لم يكن على المستوى المتوقع مطلقاً ومنها فيلم «صيف بومباي»، فكان ضعيفاً فنياً من حيث المستوى العام والإخراج والسيناريو، وغيره من عناصر العمل السينمائي.
من ناحية أخرى رشحت إيناس فيلم «ابن بابل» للفوز في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، لأنه الأكثر تميزاً من حيث المحتوى والرؤية الفنية واللغة السينمائية المستخدمة، وكذا حرفية المخرج في إنجاز الفيلم، فضلاً عن جودة تصويره، وهي جميعاً عناصر تؤهل الفيلم للفوز بجائزة أفضل فيلم روائي طويل، كما لفتت إيناس إلى أن فيلم «هليوبليس» يعد من الأفلام ذات المستوى الجيد وتتوقع حصوله على نصيبه من التقدير من قبل لجنة الحكام القائمة على تقييم أفضل الأفلام الروائية الطويلة.
أما عن قيمة مهرجان الشرق الأوسط الدولي ودوره في دعم صناعة السينما في المنطقة، فقد أوضحت أن المهرجان في حد ذاته فرصة هائلة لصناع الأفلام للتعرف إلى ما يفعله الآخر، ونقل تجاربهم والاستفادة بها، خاصة أن مهرجان الشرق الأوسط أسفر عن مجموعة من المشروعات السينمائية الهائلة ومنها مؤتمر «ذي سيركل» الذي يمثل دفعة لصناعة السينما في المنطقة.
جهود الإماراتيين
الصحفي اللبناني طارق حجازي، قال إن مستوى الأفلام المشاركة في المهرجان كان متميزاً بالنسبة لغالبيتها، وإن كان هناك قلة من الأفلام ذات المستوى غير المقبول فنياً، فهذا لا يقلل من حجم الجهد المبذول وقدرة المنظمين على استقطاب عدد كبير من الأفلام المميزة، وأشار طارق إلى أن ذلك سمة طبيعية تلازم أي مهرجان سينمائي مهما ارتفع مستواه. وفي السياق ذاته أوضح طارق أن فيلم «ابن بابل» استوقفه نظراً للمستوى الراقي الذي لمسه في كل عناصر الفيلم، على العكس من ذلك كان فيلم «BLUE» الذي جاء أقل مما توقعه بكثير.
وعن الأفلام الإماراتية المشاركة في المهرجان، لفت، إلى أن هناك طفرة في تلك الأفلام بما يتناسب مع جهود الشباب الإماراتيين في تجاربهم السينمائية الأولى، ولذا وجب علينا أن نشد على أياديهم، ونقدم لهم العون والدعم كي يتمكنوا من المضي قدماً في سبيل عمل أساس قوي لصناعة سينمائية خليجية تكون انطلاقتها من أبوظبي، مستفيدين من هذا الدعم اللامحدود للفن والثقافة في دولة الإمارات.
وشدد طارق على حسن الضيافة والتنظيم الرائع الذي كان السمة المميزة للفعاليات وأحداث وأنشطة المهرجان، وهو ما جعل المهرجان على الرغم من سنوات عمره الثلاث يرقى إلى سوية المهرجانات السينمائية المهمة في العالم.
وجه إنساني
الإعلامية هبة الجرمي، بدأت حديثها بالإشادة بفيلم «ابن بابل» ورشحته للحصول على جائزة أفضل فيلم روائي طويل، وتمنت لو تم وضعه كفيلم افتتاحي للمهرجان، نظراً لمستواه المبهر، فضلاً عن أنه العرض العالمي الأول للفيلم، كما أنه الفيلم الأول في العالم العربي الذي يتناول قضية المفقودين والأسرى العراقيين، منذ أن بدأت المأساة العراقية وسقوط بغداد في أيدي الأميركيين، ويحسب للمخرج أنه قدم طرحه بجراءة ومعقولية في الوقت ذاته، وهو ما أكسب فيلمه احترام الجمهور والنقاد، وهو ما لمسته هبة بنفسها، حسبما تقول، من خلال مناقشاتها لهم في مستوى الأعمال السينمائية التي عُرضت على مدار أيام المهرجان، وكذلك أشادت بفيلم «الزمن الباقي» للمخرج إيليا سليمان، وارتأت أنه من الأفلام القليلة المميزة، التي تعبر عن نمط الحياة الحقيقية التي يعيشها الفلسطينيون منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، والفيلم يبتعد عن منطق الحروب والصراعات ويقدم الوجه الإنساني لشعب تعود أن يتعامل مع الظلم والمعاناة، وذلك في إطار من السخرية الناقدة، التي أجاد المخرج التعبير عنها من خلال مجريات الفيلم، الذي أتاح للمشاهدين التعرف إلى الوجه الآخر للإنسان الفلسطيني وكيف يعيش حياته الاجتماعية العادية داخل الوطن المحتل، وهي صورة مغايرة ومن النادر أن يتطرق إليها أحد الأعمال السينمائية المطروحة على الشاشة الفضية. وعن المهرجان وتنظيم فعالياته، قالت هبة، إن المهرجان يمثل دعماً غير مسبوق للعمل السينمائي العربي والخليجي، وذلك من خلال نجاحه في استقطاب هذا الكم من الأعمال المتميزة وكبار نجوم السينما وصناعها في العالم، ومن ثم يجب على المهتمين بالشأن السينمائي لدينا الاستفادة من هذا الزخم الفني المصاحب للمهرجان في تبادل الخبرات مع الغير، والتي لابد وأن تسفر في النهاية عن تقديم سينما راقية ومتقدمة تبرز الأعمال السينمائية العربية في الساحة العالمية، وتضع صناعها في مكانة متميزة على خريطة الفن في العالم.
مشاعر القلب
الناقد الفني مصطفي درويش، ذكر أن مهرجان هذا العام تميز بوجود إيجابيات عديدة، منها، وجود 18 فيلماً في المسابقة الرسمية منها 17 فيلماً تُعرض لأول مرة في الشرق الأوسط، كما أن المهرجان قدم احتفالية لعرض أحدث ما انتجته السينما في هوليوود، وكذلك عرض أحدث ما انتجته السينما التركية، فضلاً عن عقد مؤتمر «ذي سيركل» الذي ضم كل صناع السينما في العالم، من أجل دعم صناعة السينما في العالم العربي.
وعن توقعه لفوز فيلم معين بإحدى الجوائز، لفت إلى أن معظم الأفلام على مستوى عالٍ من الجودة، ولذا يصعب التنبؤ وتحديد أسماء معينة من دون غيرها للفوز بهذه الجائزة أو تلك. غير أن مصطفي، عاد ليشيد بفيلم «ابن بابل» لأنه وحسبما قال، يمس مشاعر القلب ويعبر عن مأساة إنسانية، ولفت إلى أن أهم ما في الفيلم، هو اعتماد مخرجه على امرأة كردية لم تخض تجربة التمثيل من قبل، عانت بالفعل من فقدان ابنها وأخذت تبحث عنه بين المفقودين الذين خلفتهم المأساة العراقية، ومثلت تلك المرأة الدور ببراعة متناهية يصعب أن تصل إليها ممثلة عادية مهما بلغت من موهبة، ولفت مصطفى أيضاً إلى أن لغة المخرج في الفيلم كانت عالية جدا، وهذا ما قد أنبأت عنه تجربته الأولى، عبر فيلم «أحلام» الذي تعرض لاغتصاب العراق.
وأشار مصطفي أيضاً إلى أن فيلم «هليوبوليس» من الأفلام الجيدة، واعتمد فيه المخرج على مجموعة من الشباب الذين قاموا ببطولة فيلم لأول مرة، وتنازلوا جميعاً عن أجرهم من أجل المساعدة في إظهار الفيلم كأفضل ما يكون، وهو ما حدث بالفعل من خلال رؤيتنا له كواحد من الأعمال التي لاقت الإعجاب والاستحسان سواء من قبل جمهور المهرجان، أو النقاد والإعلاميين المتابعين لأنشطته وفعالياته.
والفيلم يتعرض لمجموعة من القضايا المهمة في المجتمع المصري، من خلال رصد حياة أبطال الفيلم اليومية، في حي مصر الجديدة وهو أحد الأحياء المهمة في العاصمة المصرية القاهرة.
وعن المهرجان، قال مصطفي إنه ناجح بكل المقاييس، واستطاع منظموه استقطاب مجموعة كبيرة من السينمائيين، من الدول العربية والأجنبية، وقدم وجبة دسمة من الأفلام المرتفعة المستوى.
فضلاً عن وجود تنوع في البرامج المصاحبة للمهرجان من ندوات، ومحاضرات، ونشرات، وهذه جميعاً عوامل ساهمت في إنجاح المهرجان وإبرازه بشكل مبهر.
سمعة كبيرة
الصحفية التونسية ريم شاكر، قالت إن المهرجان ولد عملاقاً منذ عامه الأول ويؤكد مكانته عاماً بعد عام بفضل جهود منظميه وسعيهم إلى تجويد كل ما يتعلق بالمهرجان من تنظيم، أو حسن اختيار الأفلام المعروضة، أو حتى استقطابهم لصناع السينما في العالم وتوفير مناخ الاحتكاك المباشر بينهم وبين القائمين على السينما في العالم العربي، وهذا يعتبر من أبرز إيجابيات المهرجان، حسبما قالت ريم.
وأضافت، أن المهرجان حقق سبقاً في عرض مجموعة كبيرة من الأفلام لأول مرة في الشرق الأوسط، وسوف يتم عرضها تباعاً في المهرجانات السينمائية الأخرى في المنطقة بعد أن سبق عرضها في أبوظبي، وهو الشيء الذي يحسب وبقوة لمنظمي المهرجان.
وعن الترشيحات والجوائز، قالت ريم، إن فيلم «ابن بابل» يأتي في مقدمة الأفلام وأكثرها اقتراباً من جائزة أفضل فيلم روائي طويل، يتبعه فيلم «أحكِ يا شهرزاد» و كذلك الفيلم التونسي «دواحة» الذي حاز إعجاب عدد من النقاد والفنانين.
كما تحدثت ريم عن المهرجان وذكرت، أنه صار يتمتع بسمعة كبيرة بين صناع السينما في العالم، وللحفاظ على هذا المكانة يلزم مزيد من الجهد من جانب منظميه والقائمين عليه، لأن المهرجان بالفعل مميز بشكل لافت من ناحية الفعاليات والثراء والحضور الإعلامي، ومواكبة فضائية وإذاعية غير مسبوقة، وقالت ريم إن المهرجان قد ظلمته التسمية «مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي» بحيث قد يفهم البعض أنه خاص بسينما الشرق الأوسط فقط، والحقيقة أنه مهرجان سينمائي دولي من الطراز الأول، وفي هذا الإطار، أردفت ريم، أنها تتفق مع مقولة الناقد الفني الكبير طارق الشناوي، في أن التسمية ظلمت عالمية المهرجان، لأنه بالفعل صار نداً للمهرجانات السينمائية العالمية الكبرى.

اقرأ أيضا