الاتحاد

تقارير

إسبانيا وإيطاليا··· مقاربات الهجرة غير الشرعية

سيل المهاجرين يضع الحكومات الأوروبية في مأزق

سيل المهاجرين يضع الحكومات الأوروبية في مأزق

في الليل تنام ''ماريانا'' في الحدائق، وفي النهار تمضي وقتها جالسة على عتبة أحد متاجر مدريد تستجدي المارة· تقر هذه الشابة بأنها كانت تكسب مالاً أكثر في إيطاليا التي عاشت بها لنحو عام· ولكن قرار الانتقال إلى إسبانيا بالنسبة لهذه المهاجرة الرومانية، التي تنتمي عرقياً إلى الغجر، كان سهلاً· وتقول بلغة إسبانية متكسرة: ''الناس هنا أفضل··· لا توجد كراهية كبيرة هنا''·
واجهت كل من إسبانيا وإيطاليا المقابلتين لشمال أفريقيا عبر البحر الأبيض المتوسط سيولاً من المهاجرين غير الشرعيين خلال السنين القليلة الماضية -18000 اعترضت طريقهم إسبانيا العام الماضي وحــده، و12000 تم إيقافهــــم حتى الآن هذا العام من قبل إيطاليا· غير أنــه إذا كانــت حكومتا هذين البلدين تتفقان على ضرورة معالجة هذه المشكلة بسرعة، فإنهما تتبنيان مقاربتين مختلفتين من أجل بلوغ هذا الهدف المشترك·
فبينما تسعى إسبانيا جاهدة إلى إيجاد التوازن بين الحد من الهجرة وحماية حقوق الإنسان، عمدت إيطاليا إلى اتخاذ بعض تدابير حالة الطوارئ، بل وذهبت إلى حد أخذ بصمات الغجر -وهي تدابير ندد بها ''توماس هامربورج''، مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا، ووصفها بـ''المعادية للأجانب''· ومن جانبه، يقول ''روبيرتو ماليني''، رئيس منظمة ''إيفري- وان'' الإيطالية لحقوق الإنسان: ''الحكومة الإسبانية تتبنى سياسة صارمة جداً· أما الإيطاليون فلديهم سياسة ترهيبية تقوم على تخويف المهاجرين، وذلك حتى يخبروا مواطنيهم عندما يعودون إلى أوطانهم بأن إيطاليا بلد لا يصلح للأجانب''·
في الخامس والعشرين من يوليو الماضي، مررت حكومة رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني مرسوماً يسمح للحكومة باستعمال قوات الجيش لمراقبة مراكز اعتقال المهاجرين الستة عشر الموجودة في البلاد ونشر ثلاثة آلاف جندي آخرين بعدة مدن، وذلك ضمن الجهود الرامية إلى الحد من الجريمة التي كثيراً ما تنسب إلى المهاجرين· كما مرر البرلمان مؤخراً قانوناً ينص على إمكانية اعتقال المهاجرين غير الشرعيين المدانين بارتكاب جرائم لفترة إضافية قد تصل إلى ثلث عقوبة السجن التي تصدر في حق مواطنين إيطاليين ارتكبوا الجنحة نفسها· كما يقضي هذا التشريع الجديد بمصادرة الأملاك التي تؤجَّر لمهاجرين غير شرعيين· بيد أن هذه الخطوات تثير قلق نشطاء حقوق الإنسان، حيث يقول ماليني: ''في مراكز تحديد الهوية التي تستعمل لحبس المهاجرين من شمال أفريقيا، يواجه المهاجرون العنف والترهيب في أحيان كثيرة''·
بيد أن الإجراءات التي اتخذتها إيطاليا كانت أشد وطأة على الغجر بصفة خاصة؛ فإذا كان بعضهم عاش في إيطاليا لسنوات، إلا أن الكثيرين منهم جاءوا من رومانيا بعدما انضم هذا البلد إلى الاتحاد الأوروبي عام ·2007 وكان سلف برلسكوني، رئيس الوزراء السابق رومانو برودي، قد أمر ببعض عمليات الترحيل في حق الغجر بالرغم من أنهم من مواطني الاتحاد الأوروبي· غير أن إيطاليا في عهد برلسكوني ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث بدأت عملية إحصاء للغجر في يونيو تشمل أخذ بصمات اليدين·
أما في إسبانيا، حيث يشكل المهاجرون غير الشرعيين وحدهم نحو 9 في المائة من مجموع السكان، فقد فاجأ رئيس الوزراء خوسيه لويس رودريجيز ساباتيرو الكثيرين في بداية ولايته الثانية هذا الربيع عبر تغيير سياسات إدارته في مجال الهجرة بشكل كبير، والتي كانت توصف بالمتسامحة والمتساهلة· ففي يونيو الماضي، وبعد ثلاث سنوات على عملية ترخيص كبرى لـ750000 عامل مهاجر، أعرب ساباتيرو عن دعمه لـ''مذكرة الإعادة'' الأوروبية -سياسة تسمح للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي باحتجاز المهاجرين الذين ليست لديهم وثائق قانونية، بمن فيهم الأطفال القاصرون، لفترة قد تصل إلى 18 شهراً، وتمنعهم في حال تم ترحيلهم من العودة·
وأمام معدل بطالة يبلغ 10,7 في المائة، أعلن وزير العمل الجديد في حكومة ثاباتيرو عن مخطط يقضي بدفع مبلغ مالي للمهاجرين العاطلين عن العمل مقابل عودتهم إلى بلدانهم الأصلية· كما رخصت الحكومة الكاتالونية المحلية، والتي تعد من بين الأكثر تقدماً في إسبانيا، لبرنامج يقوم بعزل الأطفال المهاجرين حديثي الوصول والقادمين من بلدان غير أوروبية بشكل مؤقت في مدارس خاصة مصممة لإعدادهم للاندماج في النظام التعليمي العادي· وعلاوة على ذلك، تُسخر الحكومة إمكانـــات كبيرة لمنـــع القوارب التي تقــل المهاجرين مـــ ن الوصــول إلى السواحل الإسبانية، ولترحيل أولئك الذين يتمكنون من بلوغ البر·
وبدورها، تعرضت سياسة ثاباتيرو بخصوص الهجرة لانتقادات المنظمات المدافعة عن حقوق المهاجرين· فعلى سبيل المثال يشير ''أنتونيو أباد''، الأمين العام للجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين، إلى أنه عبر تكثيف مراقبة السواحل المغربية والموريتانية، فإن السلطات الإسبانية أرغمت المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء على بدء رحلتهم البحرية من مناطق أبعد إلى الجنوب، وهو ما يعرض حياتهم لخطر أكبر إذ يقول: ''إنها تأخذ الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى الحماية وتصعب أمورهم أكثر''؛ كما ينتقد أيضا دعم ساباتيرو لـ''مذكرة الإعادة'' الأوروبية قائلاً ''حين تحد من حقوق شخص، فإنك تحد من حقوق كل المجتمع''·

ليزا آبند - مدريد
آنا موميليانو- ميلان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيوتور

اقرأ أيضا