الاتحاد

الملحق الثقافي

«احكي يا شهرزاد»: توثيق بصري لمرويات نسوية محطمة

منى زكي المذيعة

منى زكي المذيعة

يطرح فيلم «احكي يا شهرزاد» سؤالا إشكاليا حول التنازلات الأسلوبية التي يقوم بها بعض المبدعين الذين يتبعون منهجا بات لصيقا بهم وبرؤاهم وأطروحتهم الفنية من أجل الظفر ببعض التنويع وكسر الشكل الواحد الذي طالما تلبسهم وطاردهم في كل تقييم نقدي أو رؤية تحليلية لأعمالهم.

فبعد تقديمه لأفلام مثل «سرقات صيفية» و»باب الشمس» و»مرسيدس» و»جنينة الأسماك»، يأتي آخر أفلام يسري نصرالله «احكي يا شهرزاد» المعروض ضمن برامج الدورة الثالثة لمهرجان الشرق الأوسط الدولي بأبوظبي، كي يعيد الانتباه للعلاقة المتوترة بين النص والإخراج، أو بين رؤية السيناريست ورؤية صانع العمل، فالمنطقة الإبداعية التي يحرث فيها وحيد حامد ـ كاتب سيناريو الفيلم ـ هي منطقة تنقل نبض اليومي والمعيشي الذي يحمل قضاياه العامة والمباشرة من خلال بطولات مطلقة لنجوم الشباك، بينما يأتي يسري نصرالله من منطقة مغايرة انغرست فيها مفاهيم سينمائية تستظل تحتها توجهات نخبوية صارمة مثل السينما المستقلة وسينما المؤلف وسينما السيرة الذاتية وهي كلها مدارس تتمتع بخصوصية تعزلها عن ضجيج الخطاب العام وسينما النجوم والجماهير.
ومن هنا، وانطلاقا من هذه النقطة الواقعة بين قطبين متعاكسين تأتي أهمية ولادة فيلم مثل «احكي يا شهرزاد» في المشهد السينمائي المصري الحديث، فهل يكون هذا الفيلم بمثابة «الانعطافة» في هذا المشهد بشكل قد يؤسس لتدفق تيار فني جديد يمزج بين النخبوي والجماهيري في مختبر أسلوبي متجاوز، باستطاعته خلق جمهور وسطي يبحث عن التوازن والشكل المتمازج بين هذين القطبين المتنافرين، والذي يمكن لهما أن يتصالحا في مجال فني وبصري مختلف وغير مطروق.
يحاول الفيلم ومنذ الدخول في مشهده التأسيسي التعبير عن لغة سينمائية تمزج بين خصوصية الفرد، يمثلها هنا الكابوس الشخصي لبطلة الفيلم هبة/ منى زكي، وبين الواقع المعيشي الضاغط على هذا الفرد ــ ويمثله هنا وجود الزوج في المنزل ــ وبكل ما يصدّره هذا الزوج من شروط وإملاءات تحمل في داخلها بذور المصلحة والوصولية وطمس حرية ورغبات الآخرين.
يتضمن مشهد البداية ـ من وجهة نظر الكاميرا ـ دخول شخص شبحي ودائخ يتحرك وسط شقة جميلة ومرتبة، ولكن عين الكاميرا كانت تمعن في تشويه جماليات المكان وزادت المؤثرات الصوتية المربكة والغرائبية في خدش الفضاء البصري المحيط، تتوقف الكاميرا أمام شخص نائم، ويتم القطع على لقطة لهبة وهي تستيقظ مذعورة من أثر هذا الكابوس المزعج.
وبتنقلات مشهدية بسيطة ومتدرجة نكتشف أن ثمة توترا ما يصبغ العلاقة بين الزوجة التي تعمل مذيعة تقدم برنامجا حواريا «توك شو» في إحدى المحطات الفضائية، وبين الزوج الذي يعمل صحفيا ويسعى لمنصب كبير في مؤسسته، وجذر هذا التوتر رغم التواصل والتناغم الظاهري بين الزوجين يعود لجرأة البرنامج التلفزيوني وإثارته لقضايا اجتماعية وسياسية ساخنة تطرحها حكايات النساء المحطمات والمدانات اجتماعيا واللاتي يستضيفهن البرنامج لكشف جذور مأساتهن الشخصية، هذا البرنامج المثير لقلاقل السلطة كان هو العقبة الوحيدة في وجه الزوج من أجل الترقي في عمله الصحفي.
ولكن إصرار المذيعة على نهجها في الانتصار للمرأة المقهورة والمهمشة، منح لكاتب السيناريو والمخرج هامشا بصريا واسعا وديناميكيا للتعامل مع جذور وشرارات المآسي الشخصية لتلك النسوة اللاتي حملن وزر الإدانة الظاهرية والأحكام المسبقة دون التمعن في أسباب هذه الإدانة وتحليل دوافعها النفسية والسوسيولوجية.
يركز الفيلم في جزئه الأول على شخصية المريضة النفسية ـ تقوم بدورها وبتألق كبير سوسن بدر ـ التي تهجر الحياة العامة وتختار العيش في المصحة العقلية بعد انهيار كل أحلامها الشخصية ووصولها لسن العنوسة، وفي أسلوب أقرب للسينما التسجيلية تتحرى المذيعة هبة عن هذه المريضة وتدخل معها في حوارات تمهيدية قبل استضافتها في البرنامج، تفصح المريضة ومن خلال فلاش باك طويل يوظفه المخرج بحس واقعي وتوثيقي صرف، نكتشف أن هذه المريضة كانت موظفة ناجحة وساهمت الظروف والأقدار في عدم زواجها، وعندما حانت فرصتها الحقيقية والأخيرة للزواج، تكتشف أنها مقبلة على الزواج من رجل ينظر للمرأة من زاوية ضيقة وتقليدية (الاستيريو تايب) ولا يهتم سوى بمصلحته المادية ونزواته الذكورية الصرفة، وهي ذات الصفات التي لونت كل الرجال في الفيلم وبدرجات متفاوتة.
في الجزء الثاني من الفيلم تتناول المذيعة قصة السجينة «صفاء» التي قضت 15 عاما في السجن بعد أن قتلت زوجها في لحظة هياج وغضب، ويتبع الفيلم خيوط هذه الحكاية من خلال قصة ممتدة ومتشعبة ومليئة بالهنات الإخراجية وتشتت السيناريو وخروجه في أحيان كثيرة عن مساره الموضوعي، تغوص الحكاية التي ترويها السجينة في ينابيع التجربة المرة التي صنعت مأساتها الشخصية والتي بدأت مع موت والدها وجشع عمها ورغبته في الاستحواذ على محل بيع الأصباغ الذي تركه الأب لثلاث بنات عاجزات عن إدارته، ولكن وجود الشاب «سعيد» الأمين والطيب الذي يعمل في المحل أشاع نوعا من الطمأنينة لدى صفاء وأختيها، فيتم الاستغناء عن خدمات العم الذي كان ينفق أرباح المحل في شراء الأفيون، ويوكلن المهمة لسعيد كي يدير المحل، ولكن سعيد نفسه وبمرور فترة قصيرة على الثقة التي حازها يبدأ في التغرير بالفتيات الثلاث دون علم الأخريات، ويتزوجهن جميعا بالسر، وعندما تكتشف الأخوات لعبة سعيد القذرة وخدعته تقوم صفاء وفي لحظة غضب عارمة بقتله وحرقه في المحل.
الحكاية الثالثة في الفيلم تمر بإيقاع أسرع من سابقتيها وتتحدث عن طبيبة الأسنان ذات المركز الاجتماعي المرموق والتي تقع ضحية لخدعة كبيرة من رجل أعمال ثري ـ محمود حميدة ـ يستدرجها للزواج، وعندما تحبل منه، يفاجئها بأنه رجل عقيم ولا يمكن له أن ينجب أطفالا، ورغم تيقنها من كذبه، فإنها تكتشف من خلال الدور القذر الذي مارسه معها أنه لا يهدف سوى لابتزازها ماديا وفضحها واتهامها بالخيانة إذا لم تستجب لمطالبه، تصاب الطبيبة بصدمة نفسية قوية وتدخل في متاهة الإدمان، وعندما يتم اختيار هذا الزوج المخادع في منصب وزاري مهم رغم كل خلفياته الإجرامية تقوم الطبيبة ولوحدها بالتظاهر أمام المقر الوزاري للاحتجاج على هذا الاختيار اللامعقول وعلى الفساد الإداري والسياسي المتفشي في البلد.
تساهم هذه الحلقة الجريئة جدا من البرنامج في القضاء على آخر فرصة متاحة للزوج للحصول على منصب مدير التحرير بصحيفته، وعند عودة زوجته للمنزل ينهال عليها بالضرب والأذى الجسدي البالغ، وفي تنقل أخير بين حكايات شهرزاد تقوم المذيعة باستضافة نفسها في البرنامج بوجه مشوه ونفسية محطمة، كي تختم حكايات الفيلم الموجهة كإدانات بصرية ووثائق ملموسة ضد الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي، وضد الهيمنة الذكورية التي تستغل هشاشة الوضع الاجتماعي للمرأة من أجل الإيغال في العنف والإقصاء والتهميش الممارس عليها منذ أقدم العصور، وحتى الزمن الراهن.

اقرأ أيضا