الاتحاد

تقارير

القواعد الأميركية في ألمانيا... أبعاد اقتصادية وثقافية

لأكثر من نصف قرن ظلت بلدة "بومهولدر" في جنوب غرب ألمانيا نسخة مصغرة من أميركا بسياراتها المصنعة في الولايات المتحدة التي يستخدمها الجنود الأميركيون في القاعدة القريبة من البلدة، لكن اليوم ومع إعلان وزارة الدفاع الأميركية في الشهر الماضي عن خفض أساسي لعدد قواتها المنتشرة في ألمانيا وسائر أوروبا بحوالي الربع، بدأت مؤسسة بأكملها رعتها الولايات المتحدة في ألمانيا بامتدادات ثقافية وسياسية وعسكرية في التراجع والأفول، والسبب رجوع الآلاف من سفراء أميركا غير الرسميين ممثلين في الجنود والطواقم المصاحبة في العودة إلى أميركا.
وفي ظل هذا الواقع تجد العديد من البلدات الألمانية التي ارتبطت بالتواجد الأميركي نفسها في مهب الريح، ففي بلدة "بومهولدر" بسكانها البالغ عددهم حوالي 4500 نسمة سيغلق الجيش الأميركي قاعدته القريبة التي تضم 13500 أميركي، بالإضافة إلى عائلاتهم وباقي الموظفين، ورغم تطمين الجيش الأميركي للبلدة الألمانية أن الجنود المغادرين سيتم تعويض نصفهم على الأقل، يشك سكان البلدة في إمكانية استمرار القاعدة العسكرية الأميركية التي وفرت لهم الوظائف وساهمت في رواج أعمالهم، بل نسج علاقات اجتماعية قائمة على الزواج.
وفي البلدة التي تستفيد محالها التجارة من التواجد الأميركي وتضبط فيها المطاعم المحلية ساعاتها على توقيت نيويورك وبغداد وألمانيا، يرى العديد من سكان البلدة أن إغلاق القاعدة الأميركية ربما يوقف الميل الألماني نحو الولايات المتحدة.
وعن هذا الموضوع يقول "إينجريد شروتنور"، عضو مجلس المدينة: "نحن منشغلون هنا بالأميركيين، ماذا سيفعلون وإلى أين سيذهبون، أكثر من أي مدينة ألمانية أخرى لأن تواجدهم يؤثر على حياتنا".
وفي الإطار نفسه، يؤكد "توماس كيفير"، صاحب محل لرسم الوشم، تخوف سكان البلدة من مغادرة الأميركيين قائلاً "إذا رجعوا إلى أميركا ستتحول "بومهولدر" إلى مدينة أشباح، لقد كونت العديد من الصداقات وسأفقد الكثير منها إذا غادر الأميركيون". وعلى غرار العديد من سكان البلدة الذين احتكوا بالجنود الأميركيين وعائلاتهم لسنوات طويلة أصبح الفرق لديهم واضح بين مواطنيهم والأميركيين، وهو ما يوضحه "كيفير" قائلاً "عندما يأتي مشترون ألمان إلى المحل غالباً ما يساومون كثيراً، وربما لن يطلبوا شيئاً في النهاية، أما الأميركيون فهم يعرفون ما يريدون ولا يجادلون كثيراً"، والحقيقة أن الإعلان الأميركي الأخير عن خفض عدد القوات في أوروبا ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من عمليات الخفض التي أجرتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، عندما وصل عدد الجنود الأميركيون في أوروبا إلى 277 ألفاً لحماية أوروبا الغربية من أي اجتياح للقوات السوفييتية، وحتى بعد الحرب الباردة تدفق الآلاف من الجنود الأميركيين على ألمانيا، مساهمين في نشر ليس فقط القوة العسكرية، بل أيضاً الثقافة الأميركية سواء تعلق الأمر بالذوق الموسيقي، أو السيارات، لكن وبعد الإعلان عن الخفض الأخير ستحتفظ أميركا بحوالي 30 ألف جندي فقط موزعين على سائر القارة الأوروبية.
وحسب الجيش الأميركي، فإن التغييرات التي ستطال التواجد الأميركي في أوروبا بسحب لواءين من أوروبا سيساهم في ادخار نفقات مهمة، لا سيما في ظل الضغوط المتواصلة التي تتعرض لها وزارة الدفاع الأميركية لخفض موازنتها العسكرية، فضلاً عن دعوات أخرى بإنهاء الالتزامات في العراق وأفغانستان، ويندرج هذا الخفض في عدد القوات الأميركية بأوروبا في إطار تقليص شامل للنفقات العسكرية التي تعهدت وزارة الدفاع بإيصاله إلى 488 مليار دولار على مدى العقد المقبل.
وتشير تقديرات الجيش أيضاً أن قاعدة "بومهولدر" تساهم بحوالي 150 مليون دولار سنوياً في اقتصاد البلدة الألمانية من خلال توظيف العمال المحليين، واستئجار مرافق في البلدة، بالإضافة إلى شراء منتجات محلية.
ومع أن خطط تقليص التواجد الأميركي في البلدة الألمانية يرجع إلى عام 2004 عندما أعلنت الولايات المتحدة عن نيتها إغلاق القاعدة، إلا أن ضغوط الحكومة الألمانية المطالبة بإبقاء القاعدة حالت دون إغلاقها فوراً، هذا الأمر يعبر عنه عمدة بومهولدر، "بيتر لانج" بقوله "لا شك أن الأميركيين سينفقون أقل مقارنة بالسابق، لكن أملنا أن يبقى الجنود ليستمر الازدهار في البلدة"، ويعمل مجلس المدينة على إقامة متحف يوثق للعلاقة الأميركية الألمانية الخاصة يستهدف استقطاب السياح الأميركيين الذين عاشوا في المدينة أثناء خدمتهم العسكرية، بل إن عمدة المدينة يعتزم زيارة واشنطن خلال شهر مايو المقبل للضغط على المسؤولين لإبقاء القاعدة مفتوحة.
وفيما يتعلق بالقوات الأميركية نفسها المنتشرة في ربوع أوروبا، فإنهم يرون بأن دورهم ما زال مهماً في القارة العجوز بالنظر إلى استمرار المهمة الدولية في أفغانستان وتصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، وتنامي أسئلة الإصلاح في روسيا، وهو ما يشير إليه الجنرال "مارك هيرتلينج"، قائد القوات الأميركية في أوروبا قائلاً "تبقى أوروبا هي المفتاح لكل الغرف الأخرى في هذا العالم، فأوروبا ممر مهم مفتوح على أفريقيا وروسيا وتركيا"، ويضيف الجنرال "هيرتلينج" أن إعادة انتشار القوات الأميركية في أوروبا يذكر الدول التي تسارع إلى خفض نفقاتها العسكرية في المنطقة إلى ضرورة الحفاظ على قوات تكفي لمواجهة التحديات.

مايكل بيرنبوم - ألمانيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا