الإثنين 5 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

خلافات مصيرية

17 أكتوبر 2009 00:38
اقترب الموعد الذي سيتحدد فيه هل يبقى السودان كما هو أم ينفصم إلى شطرين أحدهما للشمال والآخر للجنوب. والموعد المشار إليه هو يناير من عام 2011. وباقتراب هذا التاريخ، بدأ الحديث عن أهمية الحدث المرتقب وخطورة ما سيترتب عليه. لكن قبل أن يحل الموعد، لا بد من اتخاذ سلسلة من الإجراءات وعلى رأسها القانون الذي سيجري الاستفتاء بناءً عليه. وهنا يتضح أن ثمة خلافاً في وجهات النظر بين شريكي الحكم الأساسيين، حزب «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية»، لا بد من حسمه للوصول إلى تراض حول إجراءات الاستفتاء والقانون المنظِّم له وكل ما يتعلق به. أما الحركة الشعبية فتتهم شريكها بأنه يتلكأ في تنفيذ خطة الإعداد للاستفتاء، ولهذا فقد أعلنت كتلتها البرلمانية أنها ستقاطع دورة البرلمان الحالية إذا لم تقدم مسودة قانون تنظيم الاستفتاء خلال هذه الدورة. وواقع الحال أن الخلاف بين وجهتي نظر الشريكين حول الاستفتاء وما يتعلق به، له أكثر من جانب واحد. فـ «الحركة الشعبية» ترى أن يكون القرار في نتيجة الاستفتاء بالأغلبية المطلقة، أي كما يقولون 50+1 في المئة، في حين يرفض «المؤتمر الوطني» هذه النسبة ويقول إنه في حال رفض الوضع القائم ،أي في حال التصويت للانفصال، فإن النسبة ينبغي أن تكون 90 في المئة من عدد المصوتين. والأمر الخلافي الآخر هو أن «الحركة الشعبية» ترى أن يقتصر التصويت لتقرير مصير الجنوب على الجنوبيين المقيمين في الجنوب عند إجراء التصويت، بينما يرفض «المؤتمر الوطني» ذلك ويرى أن حق التصويت لتقرير المصير يجب أن يكفل لكل جنوبي، سواءٌ أكان مقيماً في الجنوب أم في الشمال أم في أي مكان آخر في العالم. أما الاختلاف المهم الثالث فهو أن «الحركة الشعبية» ترى أن يقتصر قانون الاستفتاء على إجراءاته فقط، في حين يرى «المؤتمر الوطني» أن يكون القانون شاملا؛ فيحدد الجوانب الأخرى أي يعالج القضايا التي يمكن أن تترتب على القرار لو كان انفصالا، ومثل ذلك قضايا العلاقة المستقبلية كالاقتصاد والسكان وغيرهما. ونعود ونستجلي الموقف العام من هذه النقاط الخلافية الثلاث، حيث يتضح الآن أن القوى السياسية المعارضة، وتحديداً الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي شاركت في مؤتمر «جوبا» الأخير، كلها تؤيد «الحركة الشعبية» وتشاركها الرأي في أن قرار التصويت في تقرير المصير ينبغي أن يكون بالأغلبية البسيطة. ويقول هؤلاء إن فرض نسبة 90 في المئة أو نحو ذلك سيجعل الأمر وكأنه إملاء، أي فرض الوحدة، وهذا ما يتعارض مع أساس فكرة تقرير المصير التي كان الهدف منها أن تؤدي إلى وحدة طوعية وليس إلى وحدة تُفرَضُ فرضاً حتى ولو كان ذلك الفرض هو رفع النسبة إلى 90 في المائة أو نحو ذلك. أما في موضوعي الاختلاف الآخرين المشار إليهما أعلاه، فإن القوى السياسية المعارضة ترى أن طرح المؤتمر الوطني هو الأكثر موضوعية، وهو ما ينبغي أن يكون عليه قانون الاستفتاء. إن تجارب العالم من حولنا، وكذلك نصوص قانون الانتخابات العام السوداني، كل هذه تتحدث عن أن أي استفتاء يتم حسمه بالأغلبية المطلقة. أما فكرة الحركة الشعبية التي ترى أن يقتصر التصويت لتقرير المصير على الجنوبيين المقيمين في الجنوب، دون غيرهم، فهي تنطوي على قدر كبير من عدم العدالة، إذ أن تقرير المصير ينبغي أن يكون من حق كل جنوبي أن يشارك فيه، وينبغي أن لا يكون هناك فرق بين الجنوبي المقيم في جنوب السودان والجنوبي المقيم في شمال السودان أو حتى خارج البلاد. ثم إنه من الحكمة أن يغطي قانون الاستفتاء كل شيء حتى لا يفاجأ الناس بقرار انفصال الجنوب دون أن يكونوا مستعدين لتطبيقه على أرض الواقع والتحسب لكل مقتضياته. إن السودان يواجه قراراً مصيرياً بالغ الأهمية، لأنه سيبقي على حقيقة إدارية وجغرافية وسكانية لها من العمر ما يقارب القرنين، أو سينهي تلك الحقيقة ويؤسس لوضع جديد. وكل ما أحسن القادة السودانيون، في الشمال وفي الجنوب معاً، الإعداد لهذا التحول المصيري، كل ما كان وقعه وأثره أخف ضرراً في حالة الانفصال وأجدى وأنفع في حالة الوحدة. محجوب عثمان
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©