الاتحاد

الملحق الثقافي

طنجة.. ساحرة «دوَّخت» عباقرة الفن!

طنجة، الملقبة بعروس الشمال، مدينة مغربية برزخية ساحرة بضفافها التي تتعانق فيها مياه بحرين كبيرين هما: البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي..وساحرة بمناظرها الخلابة وبنسائها الجميلات، وأيضاً بذاكرتها التاريخية العريقة التي جعلت منها ملتقى للحضارات والثقافات، وقبل ذلك بطيبوبة سكانها وعفويتهم.. طنجة -التي عاشت تحت الحماية الأجنبية بين عامي 1923 و1956- هي بوابة المغرب نحو أروبا ومحطة للمسافرين الذاهبين إليها، أو القادمين منها..هي بذلك تغدو مدينة الحل والترحال، المدينة التي أنجبت الرحالة المشهور ابن بطوطة واسمه يتردَّد في ردهات مطار طنجة الدولي الذي يحمل اسمه تكريماً له..


الزائر لمدينة طنجة تثير انتباهه مبانيها البهية ذات الطراز المعماري المستوحى من الهندسة الأندلسية ومواقعها الأثرية ذات التاريخ العريق، كمغارة هرقل الفنيقية. أضف إلى ذلك، بقايا مسرح سيرفانتيس (1913) المجاور للسوق الأسبوعي الذي يتوسطه مقهى طنجيس (تسمية قديمة لطنجة)، إلى جانب مقاهٍ شعبية أخرى، كمقهى الحافة الذي ينبت على منحدر صخري منذ إنشائه (المقهى) عام 1920، والمقهى المركزي، ثم مقهى مدام بورت الواقع قرب البوليفار أشهر شوارع طنجة، ومقهى النكريسكو وإلدورادو والروكسي، ومقهى فوينتيس بالسوق الداخلي الذي يخترقه مَمَرُّ الصباغين المؤدي إلى ميناء المدينة ومحطة القطار القديمة..إنه فضاء شعبي جميل شكل مادة للسرد والحكي بالنسبة لصاحب رواية “الخبز الحافي”.
زد على ذلك سور لْمَعْكَازِينْ (الخاملون) الذي يستقطب العديد من السكان والزوار، حيث يجلسون في ساحته للترويح عن النفس والتطلع على الضفة الأخرى المجاورة، إذ تتراءى لهم البلاد الإسبانية من بعيد على حَدِّ النظر، لاسيما إذا كان الجَوُّ صحواً، وقد تتم الاستعانة بمنظارين كبيرين منتصبين في الساحة مقابل مبلغ يقدَّر ببضعة دراهم..

سرّ التسمية
يُفَسِّرُ أهالي المدينة تسمية هذا السور بسور لْمَعْكَازِينْ كونه شَكَّلَ قديماً ملتقى للقوافل التجارية. وكان التجار يصلون إليه منهكين يجلس بعضهم تحت الظلال لأخذ قسط من الراحة فيغلب عليهم النوم وتفوت عليهم فرصة المتاجرة وتضيع منهم المهمة التي جاؤوا من أجلها بعد قطع مسافات طويلة كلها تعب ومشقة، وكانوا يسمُّون بالكسالى ولْمَعْكَازِينْ. غير أنه لاحقاً سيتم إطلاق اسم جديد على هذه الساحة، هو “ساحة فارو” نسبة إلى مدينة برتغالية تربطها توأمة طارئة مع مدينة طنجة.
من مناظر طنجة السياحية الرائعة، نذكر: رأس مالاباطا الواقع على الساحل المتوسطي ناحية الشرق ورأس سباطيل المطل على المحيط الأطلسي، وعلى مقربة من هذا الفضاء الخلاب تلتقي مياه المتوسطي بمياه الأطلسي لتتعانق في مشهد رائع تزيده بهاءً وروعةً رمال الشاطئ الذهبية. كما توجد بقلب المدينة “القصبة” المتربعة في مشهد بديع محاطة بسواري رخامية، وهناك يقف متحف إثنوغرافي قديم (قصر السلطان سابقاً) شامخاً، ومحتفياً بنفائس وذخائر ترسم الذاكرة الجمالية والتراثية المغربية العتيقة من خشب مرصَّع وزرابي وأسلحة وملابس وغيرها، إلى جانب عدة جوامع أبرزها: الجامع الكبير وجامع سيدي بوعبيد المشهور بصومعته البديعة.
“طَنْجَة يَالعَاليَة..العَالْيَة بَاسْوَارِيهَا”..كما غنى المطرب الشعبي الراحل الحسين السلاوي، فضاءات أخرى لها جاذبية خاصة أغرت مبدعين عالميين كبار مكثوا بها طويلاً رسامون، مصوِّرون، مسرحيون، سينمائيون وأدباء طاب لهم المقام بطنجة، نذكر منهم مثالاً: أوجين دولاكروا، هنري ماتيس، مارك توين، صامويل بيكيت، جان جينيه، أنطوني كوين..إلى جانب جماعة “بيت جينرايشن” الأميركية التي كان من ضمن أعضائها الكاتب المسرحي تينيسي ويليامز، وجماعة “الغضب” التي كان الكاتب بول بولز P. Bowgs يمثل أباً روحياً لها، فضلاً عن الروائيين محمد شكري (شحرور طنجة) والطاهر بنجلون والسينمائي جيلالي فرحاتي.

أطياف فنية وفكرية
الداخل لمدينة طنجة ليس كالخارج منها، فهو تثير انتباهه مجموعة من الأمكنة والفضاءات التي تحمل أسماء مبدعين كباراً وعلى الأخص في مجال الفن التشكيلي. فهناك مقهى ليونار دافنشي L. De Vinci (1452- 1511) المصوِّر والنحات والمعماري والمهندس الإيطالي المعروف الذي أبدع لوحات خالدة، أبرزها: العذراء والصخور، والعشاء الأخير، والموناليزا، إلى جانب أبحاثه المتنوِّعة في علم التشريح والبصريات وعلم الحركة والماء. ثم مقهى كليمت الذي ينبت بجواره صالون حلاقة بنفس الاسم نسبة إلى الرسام النمساوي غوستاف كليمت G. Klimt (1918- 1862) المشهور بتصوير النساء المنمَّقات بالشكول والزخارف الجميلة والمرصعة بالألوان الذهبية والعيون الفرعونية والأشكال الهندسية الصغيرة. مؤخراً بيعت إحدى لوحاته الزيتية بما قدره 73 مليون جنيه استرليني، وهو من الأرقام القياسية في تاريخ المزادات على القطع والأعمال الفنية متجاوزاً بذلك مبلغ 57 م. ج. الذي هو سعر لوحة “صبي ذو غليون” التي رسمها بابلو بيكاسو P. Picasso عام 1905 وبيعت في مزاد علني بدار سوذبي للمزادات عام 2004. واللوحة التي نفذها كليمت يعود تاريخها لعام 1907 وتصوِّر اديل بلوخ بارو زوجة رجل يهودي يعمل في صناعة السكر وتعتبر واحدة من روائع الفنان. من المقاهي الأخرى، يوجد مقهى كاندانسكي W. Kandinski غير البعيد عن محطة القطار الجديدة، مقهى ذات اسم مبدع روسي كبير مؤسس جماعة “الفارس الأزرق” Bleu Reiter بدءا من عام 1911، التي كانت تتكون من فنانين مرموقين أمثال: هنري روسو، دولوني، والألماني ماكييه.. وغيرهم هذه الجماعة التي سيعود لها الفضل في إرساء دعائم الفن اللاتشخيصي بأوربا..
كما يوجد بطنجة فندق رامبراندت Rembandt واسمه الحقيقي هارمنستسون فان ريين Harmenszoon Van Rijn، وهو رسام هولندي تتلمذ على يَدِ الرسام جاكوب فان سواننبورغ وتأثر لاحقاً بفن أستاذه الهولندي بيتر لاستمان. من أهم لوحاته: جولة في الليل، القديس بطرس، الخطيبة الهولندية، إضافة إلى الكثير من الأعمال التصويرية المحفوظة بمتحف اللوفر، كلوحة الثور المشرح، عماوس، أوتوبورتريه، هندريكيه..إله. إلى جانب ذلك، توجد سينما غويا التي أغلقت أبوابها منذ مدة، وهي ذات اسم مرتبط بالفنان الإسباني فرانسيسكو غويا F. Goya (1746- 1828) الذي اشتهر كثيراً بـ “نزواته” المسمَّاة “الكابريتشوس” Les Caprices، وهي سلسلة لوحات أنجزها بتقنية الحفر الفني ما بين عامي 1797 و1799 مجسداً من خلالها وبأسلوب كاريكاتيري ساخر مظاهر الفساد الاجتماعي والسياسي في بلده.
نختم فضاءات طنجة التي تحمل أسماء مصوِّرين عالميين برواق دولاكروا E. De Lacroix (1798- 1863) المختص في العرض التشكيلي، وهو تابع للمعهد الثقافي الفرنسي بالمدينة. ودولاكروا – المزداد في 26 أبريل بشانتون (سان) موريس، غير بعيد عن باريس- كان زار الأندلس والجزائر والمغرب (مكناس، طنجة) وعمره لا يتجاوز 34 سنة، وذلك ضمن بعثة فرنسية رسمية حلت بالمغرب يتقدمها الكونت شارل دومورني Le Comte Charles De Mornay المكلف من قبل لويس فيليب Louis Phillip بالتفاوض مع السلطان مولاي عبد الرحمان، كان مرفوقا بصديقه دوموزناي الذي تقاسم معه هذه الرحلة على متن سفينة اللؤلؤ، وهي الرحلة التي كان يحكي تفاصيلها في مدوناته التي كان يبعثها لصديقه بيير غيليرمارد..
وبعد أن استقر دولاكروا بالمغرب واندمج مع ساكنة الشمال بفضل المساعدات التي قدمها له أبراهام بنشيمول ترجمان قنصلية فرنسا بطنجة، رسم عددا هائلا من التخطيطات والرسوم التحضيرية Esquisses والمائيات (أو اللونمات Aquarelles) التي تجسد مظاهر الحياة اليومية المغربية: الأعراس التقليدية، الأسواق الشعبية التي تفوح برائحة التوابل، السجاد المزركشة، الجياد العربية الأصيلة، السيوف اللامعة، النحاسيات البراقة، الرجال بجلابيبهم وعمائمهم الملتفة حول رؤوسهم، النساء بحنائهن وقفاطينهن المزوقة بالتطاريز المغربية الرائعة.. إلخ.
هذه المنجزات الإبداعية، تم تجميعها في كتاب أنيق يحمل اسم: “مغرب دولاكروا” Le Maroc de Delacroix، إلى جانب مذكرة Calepin التي توجد في ملكية قصر شانتيي Chintilly، وتضم مجموعة من الأعمال التصويرية ذات الطابع الاستشراقي..
هي ذي مدينة طنجة كما عاينتها..فضاءات ساحرة، “مدوِّخة” تغري بالمشاهدة والزيارات المتكررة والمتتالية..لعل في الأمر سر ما..ربما، من يدري؟؟

*باحث وناقد جمالي مغربي

اقرأ أيضا