الاتحاد

دنيا

الإمام البيهقي أخرج 50 مصنفاً في الحديث والفقه والأصول

(القاهرة) - تبوأ الإمام البيهقي مكانة جليلة في علوم الحديث، والفقه، والأصول، والعقائد، وكان رحمه الله قبلة للعلماء وطلاب العلم، وهدفاً لرحلاتهم، واهتماماتهم، ليظفروا بالسماع منه، والتلقي عنه، حيث كان محدث زمانه، وشيخ السنة في وقته، وأوحد زمانه في الحفظ والإتقان، حيث قال أستاذ الحديث، ورئيس جامعة الأزهر الأسبق الدكتور أحمد عمر هاشم: هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن على بن عبدالله بن موسى، عُرف بالبيهقي نسبة إلى مسقط رأسه مدينة «بيهق» إحدى مدن نيسابور بمقاطعة خراسان (شمال شرق إيران)، وولد عام 384هـ، ونشأ نشأة علمية مبكرة في نيسابور، متأثراً بما كانت تموج به من حركة علمية ونشاط فكري في القرنين الرابع والخامس الهجري، وساهمت هذه النشأة العلمية المبكرة في تكوينه وإنضاجه، وتزامن معها تلمذته على كبار رجال عصره من المحدثين والفقهاء.
وبدأ البيهقي تلقي العلم على أيدي العلماء والشيوخ في مرحلة عمره الأولي، وكتب الحديث وهو في الخامسة عشرة من عمره، ويقول عن هذه المرحلة «ابتدأت في طلب العلم، أكتب أخبار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمع آثار الصحابة الذين كانوا أعلام الدين، وأسمعها ممن حملها، وأتعرف أحوال رواتها من حفاظها، وأجتهد في تمييز صحيحها من سقيمها، ومرفوعها من موقوفها».
منبع العلماء
وكانت نيسابور المكان الأول الذي تلقى فيه البيهقي علومه، وهي من المدن العظيمة، ذات الفضائل الكبيرة، فقد كانت معقل الفضلاء، ومنبع العلماء، ورحل إليها في وقت مبكر من عمره، وكان ذلك في مطلع القرن الخامس الهجري، وهناك تلقى العلم على يد الإمام الحاكم، والذي كان وقتها يناهز الثمانين من عمره، فأخذ منه ما يزيد على عشرة آلاف رواية، وقد أودع البيهقي جزءاً من مسموعاته هذه من الإمام الحاكم في كتابه السنن الكبرى، وأكد البيهقي أنه سمع من عشرة شيوخ أعلام في نيسابور. وحفلت حياة البيهقي بالتجوال في مختلف البلاد لطلب العلم، والاعتكاف على تدوينه، حيث رحل إلى استراباذ، وأسد آباد، وأسفرايين، وخراسان، والدامغان، والطابران، وطوس، وقرمين، ونوقان، وهمدان، وبغداد، والكوفة، وشط العرب، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وفي بغداد سمع من عدد وافر من المحدثين، الذين كانوا يتصدرون النشاط العلمي في هذا البلد وقتذاك مثل الإمام أبي بكر أحمد بن محمد.
صفات جليلة
وعبر حياته الطويلة اتصف الإمام البيهقي بالزهد والتقلل من الدنيا وكان كثير العبادة والورع، قانتاً لله كما كان يتصف بما اتصف به أهل نيسابور عموماً من أنهم كانوا أهل رئاسة وسياسة وحسن ملكة، ووضع الأشياء في مواضعها، وهي صفات جليلة، تتصل بنضج العقل وصفاء القريحة وقوة الفكر والتدبير.
وتبوأ الإمام البيهقي مكانة علمية مرموقة، فكان يعتبر إمام المحدثين، ورأس الحفاظ في ذلك الوقت، ووصفه الإمام الجويني قائلاً: «ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة، إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه»، وقال عنه الإمام عبد الغافر الفارسي في تاريخه: «واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط». وقال الإمام الذهبي: «ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه لكان قادراً على ذلك، لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف»، وقال الإمام السبكي: «كان الإمام البيهقي رحمه الله عالماً عاملاً، ذا سعة وإحاطة بالعلوم الشرعية، فإنه أنفق شطر عمره في جمعها وتحصيلها، وأنفق الشطر الآخر منه في تنظيمها وتصنيفها، فأخرج للناس هذه المصنفات الجليلة، والتي بلغت الخمسين مصنفاً في فنون لم يسبق إليها.
ويعد كتاب «السنن الكبري» من أعظم مؤلفات البيهقي، حيث احتل مكانة مرموقة بين المصنفات في الحديث الشريف، فقد أقبل العديد من العلماء الكبار على سماع هذا الكتاب وإسماعه لأهل العلم، والقيام بتقريبه لجماهير الأمة الإسلامية، وقد أثني العلماء عليه، وقد جعله ابن صلاح سادس الكتب الستة في القيمة والأهمية بعد البخاري ومسلم وسنن أبي داود، وسنن النسائي وكتاب الترمذي.
أحكام
وقام البيهقي بتقسيم كتابه «السنن الكبرى» إلى كتب كلية مثل كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، ثم قسم الكتب إلى وحدات أصغر منه وهي الأبواب، والأبواب وحدة جامعة للعديد من الأبواب الفرعية، وجعله مستوعباً لأحاديث الأحكام من أخبار وآثار بجميع درجاتها مع التمييز بينها، فإنه يذكر الصحيح ليعمل به، ويذكر الضعيف ليحذر منه.
ومن مؤلفات الإمام البيهقي الأخرى، «أحكام القرآن»، وقد جمع فيه أقوال الشافعي في بيان آيات الأحكام، وكتاب «الألف مسألة»، و«معرفة السنن والآثار»، و«العقائد»، و«إثبات عذاب القبر»، و«فضائل الصحابة».
وبعد حياة حافلة بالعطاء والعمل في خدمة الإسلام والسنة النبوية أصيب البيهقي بمرض في رحلته الأخيرة إلى نيسابور، وحضرته المنية، فتوفي في العاشر من جمادى الأولى سنة 458 هـ، عن عمر يناهز أربع وسبعين سنة.

اقرأ أيضا