الاتحاد

تقارير

السيناريو والإيديولوجيا

تعلمنا أن الإيديولوجيا هي عدو الفكر الحر، لكن ذلك ليس صحيحاً. فالإيديولوجيا هي مجرد قائمة من المبادئ والأولويات؛ أما العدو الحقيقي للتفكير الصافي والنظيف، فهو النص المكتوب أو السيناريو. فنحن نعتقد أن العالم يُفترض أن يتبع حبكة روائية مألوفة؛ لكن عندما تتعارض الحقائق مع السيناريو، نعمد إلى تعديل الحقائق.
وهكذا، فإن ديفيد هوروفيتز، مثلا، يعد شاذاً في الجامعات الأميركية لأنه يخالف الصيغة الشائعة في تدليل الضحايا وتكريم الأبطال. هوروفيتز، الذي كان ذات يوم راديكاليا يسارياً، يوجد اليوم في اليمين؛ واثنان من مواضيعه المفضلة لديه هما العالم الأكاديمي والإسلام السياسي. ومؤخراً، ألقى محاضرة بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو؛ حيث طلبت جمانة عماد، وهي طالبة مسلمة شابة، من هوروفيتز دعم وتعليل هجومه على جمعية الطلبة المسلمين، فشن هجوماً مضاداً وحول الوضع لصالحه. وفي أقل من دقيقتين، كشفت الطالبة أنها من أنصار "حماس"، فلفت هوروفيتز إلى أن "حزب الله" يرغب في عودة كل اليهود إلى إسرائيل حتى تتسنى تصفيتهم في مكان واحد! سأل جمانة ما إن كانت تؤيد أو ترفض هذا الاقتراح، فقالت إنها "تؤيد ذلك".
سألتُ جامعة كاليفورنيا عبر البريد الإلكتروني حول ما إن كانت الطالبة المعنية قد تلقت توبيخاً ما لدعمها التعصب والإبادة الجماعية، أو ما إن كان شريط الفيديو مضللا على نحو ما. وفي الجواب، توصلت برسالة فيها أن الجامعة تقدِّر، سيرا على تقاليد أرسطو، "الخطاب والجدل". رددتُ على الرسالة وقلتُ: "أشكركم على الجواب، لكن الرسالة لا تجيب تماماً على أسئلتي. أريد معرفة هل سيكون هذا هو جوابكم أيضاً في حال دعا أحد طلبة جامعتكم إلى إبادة السود والمثليين؟". لكني توصلتُ برسالة أقل وضوحاً حول كيفية تمويل جمعيات الطلبة في الجامعة.
والآن، أستطيع أن أكتب بإسهاب حول نفاق جامعة كاليفورنيا في سان دييجو؛ إذ أطلقت مؤخراً حملةَ "محاربة الكراهية" رداً على حدث غبي يدعى "نزهة كومبتون" نظمت فيه "جمعية أخوية" تظاهرةً مسيئة عرقيا خارج الجامعة خلال "شهر التاريخ الأسود". فتحرك مسؤولو الجامعة، وأصدر "اتحاد الطلبة السود" 32 مطلبا، وشرحت نائبة رئيس الجامعة للطلبة أنه رغم كون التظاهرة قد تكون خارج "الاختصاص القانوني" للجامعة، فإنها ليست خارج "الاختصاص الأخلاقي" للجامعة. وصاحت تقول: "لدينا المسؤولية الأخلاقية!"، قبل أن تحاول بدء نشيد "ليس في جامعتنا!".
والواقع أن تصريحات جمانة لم تكن داخل حرم جامعة كاليفورنيا في سان دييجو فحسب، بل كانت ضمن اختصاص الجامعة القانوني والأخلاقي. ومع ذلك لم نر الشكل المألوف للغضب الرسمي. وكل ما لاحظناه هو: تأييد الإبادة الجماعية هذا يأتيكم برعاية أرسطو!
الفكرة المهمة هنا ليست ازدواجية معايير المؤسسة، بل حقيقة أنه في الجامعات، وفي الثقافة الأوسع، لا يستطيع الناس التخلي عن سيناريوهاتهم. وهذا لا يعني أن العنصرية التقليدية لم تعد تمثل مشكلة، مثلما لا يعني أن عهد الحقوق المدنية لم يعد يجد له صدى.
لكن الحقيقة هي أن الفزع بسبب بقايا العنصرية المألوفة يقع ضمن "منطقة أمان" الليبرالية المعاصرة. فهي صناعة في الواقع. غير أنه عندما يتعلق الأمر بطلبة مثل جمانة -وثمة الكثيرون مثلها- يصبح مسؤولو الجامعات حيارى؛ ونظرا لأنهم لا يتوفرون على سيناريو مناسب، فهم يلجأون إلى كليشيهات وملاحظات مبتذلة حول أرسطو.
خارج الجامعة، يتوق الليبراليون إلى حبكة روائية مريحة، يكون فيها البيض المتعصبون "المحليون" هم الأشرار بينما المسلمون هم الضحايا. (ولنتذكر هنا) أن عمدة مدينة نيويورك مايكل بلومبرج كان مستعدا ليراهن على أن منفذ هجوم ساحة "تايمز سكوير" الفاشل ربما يكون أحد المناوئين لإصلاح نظام الرعاية الصحية.
ما هو السيناريو الصحيح؟ بكل صدق لا أعرف، غير أن الأكيد أنه سيتعين على الأشخاص الذين لديهم المسؤولية الأخلاقية النزول لإيجاد الحقائق قبل أن يستطيعوا كتابتها.


جونا جولدبرج
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا