الاتحاد

تقارير

المنطقة الخضراء... أمان «الداخل» واستياء «الخارج»

السبب في إطلاق صفة "الخضراء" على هذه المنطقة، كان يرجع إلى وجود ملاذ آمن للأميركيين داخل جدرانها المحصنة المنيعة ضد الانفجارات، كان يبلغ في درجة أمانه حداً يمكن أن يدفع الأميركيين للاطمئنان على ترك أسلحتهم من دون أن تكون محشوة بالذخيرة، أو"خضراء" حسب الرطانة العسكرية.
أما كل ما هو خارج هذه المنطقة، فكان يطلق عليه حسب هذه الرطانة ذاتها "المنطقة الحمراء"، التي تشمل باقي العراق حيث تنفجر القنابل، ويتطاير الرصاص، ويعيش العراقيون العاديون ويعانون، ولا يجرؤ جندي أو مسؤول أميركي على الذهاب إلى هناك، دون أن يكون محمياً بقافلة مدرعة ومدججة بالسلاح.
ولكن المنطقة الخضراء لم تعد أميركية الآن، وذلك بعد أن تسلم الجيش العراقي زمام السيطرة الكاملة على تلك المنطقة المعزولة الواقعة في قلب بغداد، التي تبلغ مساحتها أربعة أميال مربعة، والتي كانت تمثل بالنسبة للعديد من العراقيين رمزاً يذكر بكل الأخطاء التي ارتكبتها أميركا، ووجودها العسكري في العراق.
في حفل بسيط، حزمت كتيبة الشرطة العسكرية الأميركية التي كانت تقدم المشورة لنقاط التفتيش العراقية أغراضها، وحملت معداتها، وطوت أعلامها، وتهيأت لإعادة الانتشار في قاعدة تقع بالقرب من مطار بغداد الدولي، استعدادا للرحيل بصفة نهائية خلال فصل الصيف الحالي.
كانت هذه مجرد خطوة صغيرة، ضمن خطوات الانسحاب الوشيك لـ 50 ألف جندي أميركي بحلول الأول من سبتمبر القادم، الذي سينهي فصلاً من أكثر الفصول استثنائية في الملحمة، التي لم تكتمل بعد للتورط الأميركي في العراق.
وقال المقدم "مارك جارسيا" قائد الكتيبة المغادرة:" إن الأميركيين سوف يحتفظون بوجود صغير الحجم في المنطقة لحراسة السفارة الأميركية وتدريب قوات الأمن العراقية، غير أن العراقيين سيكون لهم السيطرة الكاملة عند نقاط التفتيش".
ليس معروفاً بعد مدى التغيير، إذا ما حدث تغيير في الأصل، الذي يمكن أن يحدث في تلك المنطقة المعزولة التي لا تزال تمثل ملاذا لمعظم النخبة السياسية العراقية. ويُشار في هذا السياق إلى أن العراقيين كانوا قد بدأوا في توفير الجنود اللازمين لحراسة نقاط التفتيش على الطريق المؤدي إلى المنطقة، منذ الانسحاب الرسمي للقوات الأميركية من المدن العراقية في الصيف الماضي، مع الاستعانة في الوقت نفسه بالمستشارين الأميركيين الذين كانوا يتواجدون بالقرب من تلك النقاط. وقد لوحظ بعد استلام العراقيين، أن التعليمات الصارمة المكتوبة على اللافتات الضخمة على ذلك الطريق والتي كانت موجهة للعراقيين الذين لا يعرفون قواعد التصرف داخل المنطقة الخضراء، ومنها على سبيل المثال تحذير كان ينبه الزائرين للمنطقة إلى أن "الجنود مخولون باستخدام قوة مميتة"، قد اختفت لتحل محلها تحذيرات مهذبة نوعا ما باللغتين العربية والإنجليزية تطلب من الداخلين للمنطقة "التكرم بإغلاق هواتفهم النقالة".
يقول المراقبون إنه من غير المرجح أن تحدث تغييرات جوهرية داخل المنطقة، بعد انسحاب الأميركيين ويستدلون على ذلك بأن الزعماء العراقيين المتعاقبين لم يوفوا بالوعود التي كانوا قد قطعوها على أنفسهم بإلغاء المنطقة الخضراء، وفتح الطرق الرئيسية الواقعة داخل أسوارها، والتي كانت تمثل مصدر إزعاج كبير للسائقين.
والدليل الأكثر سطوعاً على أن المنطقة الخضراء سوف تستمر على نفس الصورة التي كانت عليها، هو أن العراقيين، في الوقت الراهن، في طور استلام مسؤولية إصدار الشارات التي تخول لحامليها دخول المنطقة الخضراء، وهو ما يعني عمليا أنهم سيكونون قادرين على التحكم في شخصية من يدخل تلك المنطقة ومن يغادرها. وكان النظام الذي يطبقه الأميركيون لإصدار هذه الشارات لا يستثني أحدا، بل يُخضع حتى كبار المسؤولين العراقيين لإجراءات صارمة ـ ينظر إليها في بلد مثل العراق على أنها مهينة ـ مثل أخذ بصمات الأصابع، وبصمة العين، بالإضافة إلى قائمة طويلة من الأسئلة عن خلفياتهم العائلية.
تعلق سليمة جابر على هذه النقاط بقولها: "إننا فخورون لأننا سنتمكن من الحصول على شارات الدخول للمنطقة الخضراء من مسؤولين عراقيين من بني جلدتنا، بدلاً من طلب ذلك من الأميركيين".
و"سليمة" مثلها مثل غيرها من القاطنين في المنطقة، تعبر عن شعورها بالامتنان للأمن الإضافي الذي تحصل عليه من خلال سكنها هناك. فعلى الرغم من أن الصواريخ لا تزال تنهال في الخارج من آن لآخر -مستهدفة الأميركيين في المقام الأول، ولكنها تصيب العراقيين وتشوههم في معظم الأحيان- أما هؤلاء الذين يعيشون في المنطقة الخضراء، فقد كانوا محميين بشكل عام من الهجمات الانتحارية والعنف الطائفي، الذي أدى إلى مصرع مئات الألوف من العراقيين خلال السنوات الماضية.
بالنسبة للعراقيين الذين يعيشون ويعملون داخلها، تمثل المنطقة الخضراء مكانا غامضاً غير مسموح بالدخول إليه.. ومصدراً للاستياء أصبح يرمز لكل ما هو خطأ، ليس فيما يتعلق بالوجود الأميركي، وإنما بالحكومة العراقية ذاتها.
"إنهم -الأميركيون- يعيشون في بلدنا، كما لو كانوا يعيشون في بلدهم"، كان هذا ما قاله "حسان هادي" (28 عاما) بائع الهواتف الجوالة، الذي يقول إنه لم يزر المنطقة الخضراء منذ عام 2003.
ويضيف "هادي": كل ما استطيع أن أفعله هو تخيل كيف تبدو المنطقة هناك، ولكن استطيع أن أقول مع ذلك، ومن واقع ما سمعته، هو أنها عبارة عن مكان يعيش فيه موظفو الحكومة في رغد من العيش، وأمان تام، في حين نعاني نحن العراقيين مر المعاناة"، واختتم "هادي"كلامه بالقول - مشيراً إلى مسؤولي الحكومة:" أقسم بالله أنهم أسوأ من الأميركيين".


ليز سلاي - بغداد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا