الاتحاد

دنيا

عبدالفتاح القصري طريقة نطقه وملابسه سر تميز أفلامه

عبد الفتاح القصري وإسماعيل ياسين في مشهد من فيلم «حلال عليك» (من المصدر)

عبد الفتاح القصري وإسماعيل ياسين في مشهد من فيلم «حلال عليك» (من المصدر)

مرت الذكرى الثامنة والأربعون لرحيل الفنان عبدالفتاح القصري مرور الكرام رغم عرض بعض أفلامه على شاشة الفضائيات السينمائية المتخصصة، التي جاءت أدواره فيها بمثابة البسمة لمحبيه الذين يحفظون عن ظهر قلب العديد من «افيهاته ولزماته وقفشاته» التي كان يقولها خارج سياق السيناريو ومنها «حتنزل المرة دي» و«يا صفايح الزبدة السايحة ويا براميل القشطة النايحة».

سعيد ياسين (القاهرة) - يعد الراحل عبد الفتاح القصري صاحب أسلوب وأداء خاص ومميز يصعب تكراره وبلغت بساطته وتلقائيته في تقمصه لأدواره أن ظن الكثيرون أنه يرتجل ما يقوله ويؤديه ولا يلتزم بنص وحوار مكتوب.
وهو أشهر من قدم شخصية «ابن البلد» التي ارتبطت به ارتباطاً وثيقاً، خصوصاً وأنه جسدها في شتى صورها واشكالها وكان متيماً بالأنماط الشعبية التي تنتمي الى الحارة المصرية وجعل لهذه الشخصيات شكلاً وملامح خاصة جدا.
واستطاع بمهارة فائقة أن يجعل من قامته القصيرة وإحدى عينيه التي أصابها الحول، الى جانب شعره الأملس وطريقته الخاصة في نطق الكلام وارتداء الملابس مقومات لتميزه، وهو ما منح البقاء لأدواره رغم أنه لم يقم بالبطولة المطلقة، وانحصر في أدوار صديق أو «سنيد» البطل.
حب المهنة
ولد القصري عام 1895 في حي الجمالية بالقاهرة لأب ميسور الحال يعمل بصناعة الحلي الذهبية ويمتلك محلاً في حي الصاغة الشهير، وأراد والده أن يكون ابنه شخصية مرموقة فألحقه بمدرسة «الفرير» ليتأقلم ويتزامل مع أبناء الطبقة الراقية، ولكنه لم يتأقلم كثيراً مع الدراسة فتركها بعد عدة سنوات، وألحقه والده بالعمل معه ليرث منه المهنة، وأظهر نبوغاً في زخرفة الذهب، ولكنه وجد نفسه مشدوداً لعالم الفن والتمثيل بعدما شاهد عروض فرقة فوزي الجزايرلي، فبدأ يتابع جيداً كل الفرق المسرحية الموجودة في ذلك الوقت.
وفي عام 1917 التحق بفرقة عبدالرحمن رشدي وظل فيها لعدة سنوات حقق فيها نجاحاً ملحوظا ولفت اليه الأنظار وبعدها انتقل الى فرقة جورج أبيض التي عرفت بتقديم المسرحيات الكلاسيكية، وقدم عدداً من الأدوار التراجيدية، الى أن نصحه جورج بالاتجاه الى الكوميديا، وتنقل بين عدة فرق أبرزها «عزيز عيد» و»فاطمة رشدي» ثم حدثت النقلة الكبرى في حياته في بدايات الثلاثينيات عندما انضم لفرقة الريحاني، وقدم دور الحانوتي في مسرحية «ماحدش واخد منها حاجة» وظل يشارك في كل عروض الفرقة حتى وفاة نجيب الريحاني عام 1949.
ووضع الريحاني قدميه على بداية الطريق الصحيح، بعدما طلب منه أن يتجه لشخصية «ابن البلد» وكان الريحاني يصر دائماً على وجوده في أفلامه الأخيرة الناجحة ، كما كان يصنع له الأدوار الرئيسة في مسرحياته ومن هنا زادت شهرته وصارت له جماهيرية عارمة.
وتفرغ القصري عقب وفاة الريحاني وترك فرقته للسينما التي أقبلت عليه بقوة، وعندما انشأ اسماعيل يس فرقته المسرحية عام 1954 انضم اليها، واستمر بها حتى وفاته.
وقدم أكثر من 60 فيلماً بدأها عام 1935 في فيلم «المعلم بحبح» مع فوزي الجزايرلي، الذي قدم معه في العامين التاليين فيلمي «أبوظريفة» و»مبروك».
وجاءت انطلاقته السينمائية الحقيقية عام 1941 من خلال فيلم «سي عمر» مع نجيب الريحاني الذي قدم فيه نمطاً مختلفاً من الشخصيات الكوميدية التي كانت تقدم آنذاك ، حيث جسد شخصية «عبدالمجيد ساطور» الشرير خفيف الظل الذي يخرج الشر بالضحك والكوميديا وهي النوعية التي تميزت بها أدواره خلال تلك الفترة وبرع فيها بشكل كبير وقدمها في أفلام عديدة منها «السوق السوداء» عام 1945 ويرى النقاد أن هذا الفيلم من أهم أفلام القصري إضافة الى أنه واحد من أهم الأفلام التي قدمتها السينما المصرية.
ومع بداية الخمسينيات تبلورت شخصيته السينمائية أكثر وأصبح القاسم المشترك في غالبية الأفلام التي أنتجت في تلك الفترة واستعان به غالبية المخرجين ومنهم بركات ونيازي مصطفى وكمال سليم وأحمد جلال وحسين فوزي وحسن الإمام وأنور وجدي وحلمي رفلة وكامل التلمساني وعباس كامل و فطين عبدالوهاب الذي قدم معه أنضج أفلامه.
ورغم أن بعض النقاد أخذ عليه تقوقعه في شخصية ابن البلد التي أحبها الجمهور فأنه لم يكن يبالي بهذا النقد وكان يرى أنها تشبهه ولا يمكن أن يؤدي شخصيات بعيدة عنها.
ومن أبرز أفلامه في هذه الفترة معلش يازهر وأسمر وجميل والعقل زينة وليلة الدخلة وفيروز هانم وحماتي قنبلة ذرية وعنتر ولبلب والأستاذة فاطمة والآنسة حنفي والعمر واحد وحسن ومرقص وكوهين وكدبة ابريل والقلب له أحكام وابن حميدو وعشرة بلدي وقدم مع اسماعيل يس اسماعيل يس في متحف الشمع وفي حديقة الحيوان وفي مستشفى المجانين ويقابل ريا وسكينة. وقدم في الستينيات عددا قليلا من الأفلام منها فيلمه الشهير سكر هانم مع كمال الشناوي وسامية جمال وعمر الحريري، وشجرة العائلة وبيني وبينك، وكان آخر أفلامه بنات بحري مع عبد السلام النابلسي.
بداية مرضه
وفي صيف 1962 وأثناء وقوفه على خشبة المسرح مع إسماعيل ياسين وجد نفسه فجأة وبلا مقدمات لا يرى وأظلمت الدنيا من حوله وبدأ يتخبط في قطع الديكور، وظن الجمهور أن ما يفعله هو من متطلبات دوره في المسرحية فغرقوا في الضحك، لكنه أخذ يصرخ «مش شايف» وأغلق الستار، ونقلوه الى المستشفى وتبين أن مرض السكر والارتفاع المفاجى في نسبته هو المسؤول عن فقدانه البصر، ولزم الفراش بعدها وزاد من مأساته تنكر زوجته الرابعة الشابة التي كان قد تزوجها رغبة في إنجاب طفل له، حيث طلبت منه الطلاق لتتزوج من صبي البقال الذي كان القصري يعطف عليه.
وكانت الكارثة أنها أقامت مع زوجها في نفس الشقة، وحبسته في غرفة تطل على الشارع، ولم يتنبه أحد لهذه المأساة إلا عندما نشرت صحيفة «الجمهورية» صورة له وهو واقف خلف الأسياخ الحديدية، وتحرك الجميع وذهبت ماري منيب ونجوى سالم الى شقته، لتكتشفا أنه فقد ذاكرته، وقامتا بنقله الى مستشفى الدمرداش وبعد أسابيع قليلة أعلن المستشفى وفاته في مارس 1964.

اقرأ أيضا