الاتحاد

تقارير

الدور التركي: لحظة التموضع الاستراتيجي

يبدو الوضع السياسي والجيواستراتيجي الحالي في المنطقة العربية ملتبساً وغير واضح المعالم، وذلك رغم اعتماد القوى الدولية الكبرى -الأكثر فاعلية في خريطة التغيير ورسم السياسات- لخطط وتوجهات سياسية (تقول إنها جديدة) خاصة بالمنطقة، وتتعلق بطبيعة مقاربتها للملفات الشائكة في أكثر من موقع... خصوصاً بعد وصول إدارة جديدة للبيت الأبيض، يبدو همّها الأساسي منصباً على مخالفة معظم التوجهات السياسية التي كانت تعتمدها الإدارة الجمهورية السابقة، أكثر من اهتمامها ببناء سياسات واضحة ومعروفة.
وفي ظل تضارب مصالح معظم دول المنطقة، وتعارض سياساتها إلى درجة التناقض فيما بينها من جهة وبينها وبين القوى الدولية الكبرى من جهة ثانية، تحاول بعض دول منطقتنا -وعلى رأسها تركيا- التعاطي مع مجمل التعقيدات القائمة بهدوء وعقلانية... يمكن متابعتها خلال السنوات القليلة الماضية، وبخاصة بعد استلام حزب "العدالة والتنمية" للسلطة في أنقرة.
فهذه الدولة التي تشغل مساحة جغرافية وحيزاً استراتيجياً نوعياً مهماً ومؤثراً، لا تزال تشهد منذ وصول" العدالة والتنمية" -ذي التوجه الإسلامي المعتدل- إلى السلطة في 2002، تحولات مفصلية متسارعة، داخلياً وخارجياً. وتحاول تركيا استعادة بعض أو كل مكانتها التاريخية الضائعة بين إغراءات الدخول إلى النادي الأوروبي، وبين العودة إلى أعماق التاريخ الذي كانت لتركيا فيه موقع القلب من الجسد، لتسترجع مقعداً لها وحدها، ولا نعتقد أنه يمكن لدول أخرى (كإيران مثلاً) أن تحتله نظراً للعمق التاريخي والثقل الجيواستراتيجي السياسي والثقافي والديني الذي تحوزه تركيا في المنطقة العربية.
وتبدو تركيا أكثر قدرةً من إيران على القيام بدور أساسي في مجمل السياسات الاستراتيجية المتعلقة بالمنطقة، ليس فقط لأنها دولة كبيرة مترامية الأطراف، تمتلك من الثروات والموارد والطاقات والمزايا الأخرى الشيء الكثير، بل لأنها أيضاً على علاقة جيدة مع معظم الدول، ما يمكنها من الحديث مع الجميع ومن دون مواربة حول أكثر من ملف معقد وشائك، والتحول إلى مركز تواصل أساسي في السياسة الإقليمية والدولية.لقد تبنت تركيا -بقيادتها الحالية قاعدة استراتيجية في سياستها الخارجية ترتكز على ضرورة التعدد في العلاقات وتفادي التمحور.
وترتكز القيادة التركية الجديدة على قاعدة شعبية واسعة للمضي قدماً في تنفيذ سياستها الخارجية (الهادئة والعقلانية والنشطة)، بعد تحقيقها نجاحات اقتصادية داخلية ملفتة جعلت من تركيا إحدى أهم دول العالم في رفع مستويات التنمية الداخلية، وتخفيض العجز المالي، وزيادة حجم الميزانية القومية.
وباعتقادي أنه لو لم تتمكن قيادة أردوغان -القادم من زخم تحقيق نجاحات باهرة في اسطنبول- من بناء الداخل على أسس اقتصادية صحيحة ومتينة، لبقيت محصلة المعادلة التركية الخارجية -في دورها ومكانتها وتأثيرها- كما كانت عليه في السابق عندما كانت تركيا أحد مواقع الإثارة والتوتير في المنطقة.
لقد أدرك القادة الأتراك الجدد أن اللحظة الاستراتيجية القائمة حالياً -والناتجة بالطبع عن أخطاء الآخرين، وفشل سياساتهم الخاصة بالمنطقة، سنحت لإعادة موضعة سياساتهم الخارجية، واستغلال اللحظة الحرجة (لحظة الفراغ والالتباس التاريخي) التي قد لا تتكرر مرة أخرى... فانطلقوا باتجاه بناء سياسات جديدة تتداخل فيها عوامل جذب واستقطاب مختلفة ومتعددة ما كان من الممكن تصورها سابقاً.
وكانت قاعدة هذا التصور الجديد تقوم على أن تركيا دولة محورية في الشرق، ليس فقط لنفسها ولجوارها، وإنما كذلك للأوروبيين الباحثين دوماً عن استقرار المنطقة، والذين كان عليهم أن يدركوا بأنه لابد أن تمر سياساتهم في المنطقة العربية -المثقلة بالهموم والأزمات- عبر الأتراك قبل غيرهم، لأنهم مهيأون تاريخياً وحضارياً وجاهزون دينياً وجغرافياً للتحدث بعمق وصراحة مع كل دول المنطقة، وحول كل قضايا وشؤون وشجون دول الإقليم، بما فيها إسرائيل. لهذا رأينا تركيا تتوسط بين سوريا وإسرائيل، وتحاول التوسط بين إيران وأميركا، كما رأيناها تعمل على وقف غزو إسرائيل لقطاع غزة، مع تحميل الدولة العبرية كامل المسؤولية عن ذلك العدوان.
إن التصور السياسي التركي الجديد للمنطقة يحاول مقاربة الأمور من زاوية الضرورة الحيوية لتحقق السلام، والتفرغ لبناء أسس ومقومات الحكم الصالح داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تشهد وعياً متزايداً بأهمية الترابط بين الأمان والسلام والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وقناعة الأتراك بهذه المقاربة حقيقة، وليست ناتجة عن أية مراوغة تكتيكية، باعتبار أن تركيا نفسها ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه -من مكانة ودور- لولا إدراك قادتها الجدد لأهمية البعد المؤسسي للدولة المرتكز على قاعدة ديمقراطية واسعة مدعومة من الشعب الذي تزداد عملية انخراطه في ممارسة السياسة والسلطة بمقدار ما تزداد عوامل الجذب والإغراء الاقتصادي والحريات العامة التي توفرها له الدولة. ونعتقد أن لتركيا موقعها السياسي ودورها النوعي المؤثر في معظم القضايا والتحديات التي تلف منطقتنا العربية والإسلامية، والواضح أن تركيا لم تحصل على هذا الدور هديةً من أحد، بل رسمت له وخططت للحصول عليه بوعي ومن تلقاء نفسها، نتيجة العقلانية التي تطبع سياستها الخارجية وسرعة تحركها وروح المبادرة الفعالة التي تمتلكها.
وقد أثبتت أحداث السنوات الأربع الماضية الأخيرة أن تركيا لاعب محوري في معظم المعادلات السياسية القديمة والجديدة للمنطقة، مما يحتم ويجبر الدول والقوى الكبرى على الحديث وفتح القنوات السياسية وغير السياسية معها، بالكامل وباستمرار.
وهذا ما يجب على العرب أن يتنبهوا له بعد أن تغيبوا طويلاً عن بناء علاقات متينة مع الأتراك، رغم أن ما يجمعهم بتركيا أكثر بكثير مما يفصلهم عنها.


نبيل علي صالح - كاتب سوري

ينشر بترتيب خاص مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا