الاتحاد

دنيا

الذاكرة و «التحريك التخاطري»

لم يكف العلماء عن محاولاتهم لفك شفرة العقل البشري، وفهم العمليات العقلية التي تتم فيه من تفكير وتذكر واسترجاع واستدلال وغير ذلك من ظواهر معقدة وغامضة.
كان أكثر ما حير العلماء، كيف يعمل الجزء الخاص بالذاكرة. وأظهرت دراستهم أن الذاكرة في الدماغ هي مرتبة داخل حزمات صغيرة مستقلة عن بعضها البعض. وتبين أن كل ذكرى ابتدائية تستغرق نحو 125 عُشراً من الثانية «1عُشر من الثانية = 0.001 ثانية». وقرر علماء الأعصاب من الجامعة النروجية للعلوم والتكنولوجيا أن يجروا بحثاً تجريبياً يظهر كيف يعمل الدماغ عندما يحاول استعادة أي من الذكريات الموجودة فيه. وكانوا مهتمين بشكل خاص في كيفية ردة فعل الدماغ على الحالة التي يكون فيها مضطراً للانتقال بين أكثر من ذكرى مرة واحدة. وهذا الأمر يحدث غالباً، كما هو الحال عندما يوقظنا الهاتف بشكل مفاجئ خلال الليل، حيث لا ندري للوهلة الأولى ماذا يحدث أصلاً، أو أين نحن، في المنزل أو في الفندق، أو عندما يخرج المرء من المصعد عن طريق الخطأ إلى طابق آخر غير ذلك الذي يقصده.
المفاجأة التي وجد العلماء أنفسهم أمامها أنهم لم يحتاجوا إلى أي معدات مخبرية معقدة لكي يعرفوا كيفية تنظيم الدماغ. واكتفوا بجرذان المختبرات والمتاهة. وقد راقب هؤلاء في تجاربهم ماذا يجري في مخ الجرذ عندما يدقق في الأقسام المختلفة للرقعة التي توجد عليها المتاهة. وركزوا بشكل خاص على الحالة التي كانت فيها الجرذان مرتبكة، ولم تكن تعرف في أي قسم من المتاهة هي موجودة حالياً.
شكل العلماء لهذا الغرض صندوقاً خاصاً مكنهم من «التحريك التخاطري» للجرذان بشكل فوري من قسم في المتاهة إلى قسم آخر. بالطبع، فإن ما حدث لم يكن تحريكاً تخاطرياً حقيقياً. فالعلماء اكتفوا بخداع الجرذان، حيث قاموا بتغيير ترتيب الإضاءة في المشهد عندما كان الحيوان في الصندوق، وبالتالي شعرت الجرذان بأنها قد أصبحت في مكان آخر. وخلال التجربة بأكملها راقب العلماء بدقة النشاطات الكهربائية في أقسام مختلفة من دماغ الجرذان.
يتبين من نتائج البحث أن الذاكرة هي مرتّبة في الدماغ ضمن حزم صغيرة مستقلة عن بعضها بعضا، أو ما يعرف بكمّ من الذاكرة. ويعمل الدماغ مثل الواقعية الفيزيائية، أي بشكل غير مترابط شبيه بالكمّ. وكل ذكرى ابتدائية تستغرق 125 عُشرا من الثانية، وهو ما يعني أن الدماغ يعرف كيف ينتج خلال ثانية واحدة ثماني ذكريات كحد أقصى. فالدماغ لا يخطئ في الجوهر خلال تحليل الذكريات، ولا يخلط أبدا الأماكن المختلفة والذكريات مع بعضها بعضا، حتى لو بدا الأمر كذلك. هذا لأن المشاريع التي تدور داخل رؤوسنا عندما يبحث دماغنا عن خريطة مكان نتواجد فيه حاليا، تتم بسرعة بالغة لدرجة أننا لا نلاحظ أن الدماغ يتنقل في الواقع بين الخرائط المختلفة. وعندما نشعر بقليل من الارتباك، فذلك سببه التنافس الحاصل بين ذاكرتين داخل الدماغ. وأحيانا يكون التنافس بين أكثر من ذلك. لننتظر ونرى!

المحرر | khourshied.harfoush@admedia.ae

اقرأ أيضا