الاتحاد

دنيا

«الترام» أطلق شرارة التغيير في المجتمع المصري أواخر القرن 19

الترام لعب دوراً بالغ الأهمية في تطوير مدينة القاهرة

الترام لعب دوراً بالغ الأهمية في تطوير مدينة القاهرة

ترصد دراسة أعدها محمد كيلاني ونشرت في كتاب صدرت طبعته الثانية مؤخراً علاقة الترام بتطور مدينة القاهرة اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، وتكشف عن الطفرة التي أحدثها ودوره في إلغاء العزلة بين أحيائها وتمكين المرأة من الخروج بحرية أكبر فضلاً عن تعرضه لبعض النتائج السلبية التي أحدثها في المجتمع المصري.

ضمن سلسلة كتب “ذاكرة الوطن” التي تصدرها هيئة قصور الثقافة صدر كتاب «ترام القاهرة» في الطبعة الثانية له لمحمد كيلاني، الذي قدم الطبعة الأولى في نهاية ستينات القرن الماضي، وقدم دراسة عن ترام القاهرة وأثره على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على مدينة القاهرة والكتاب الذي هو في الأصل دراسة عن أحوال العاصمة المصرية مع الترام حرص على اقتنائه الصفوة وكبار المثقفين في مصر، وأصبح حديث الأدباء في المقاهي الثقافية.
منافس قوي
قدم كيلاني مؤلف الكتاب ترام القاهرة في صورة دراسة تاريخية واجتماعية وأثره في المتغيرات التي حدثت في المجتمع المصري مع سير الترام وسط شوارع القاهرة الذي كان سبباً في معرفة سكان القاهرة للسهر والتواصل بين أحياء القاهرة.
وعرف سكان القاهرة الترام للمرة الأولى في 12 أغسطس 1896 وهو اليوم الذي مر فيه الترام بشوارع القاهرة ليكون المنافس الأقوى بين وسائل المواصلات المتعارف عليها فقد كانوا يستقلون في ذلك الوقت الحمير وعربات الكارو التي كان يقودها حمار يتلقى أوامره من عربجي، ولجأ سكان القاهرة إلى الترام حتى لا يسمعوا الألفاظ الخادشة والعبارات النابية وكانت في ذلك الوقت كلمة عربجي تعني سوء الأدب.
وبحسب المؤلف في دراسته أن شوارع القاهرة في نهاية القرن التاسع عشر لم تكن مستعدة لاستقبال الترام الذي كان سبباً في إلغاء العزلة بين الأحياء التي كانت تحيا حياة الانغلاق. ومع مروره في شوارع القاهرة انتعشت الحركة التجارية فقد شهدت العتبة افتتاح عدد كبير من المحال التجارية.
هنا القاهرة
ولم تزد مساحة مدينة القاهرة يوم تشغيل الترام على 3880 فداناً فيما بلغ طول شوارعها 330 كيلو متراً، وعدد سكانها لا يزيد على نصف مليون، من بينهم 31 ألف أجنبي. وكانت الحكومة المصرية أعلنت عام 1893 عن رغبتها في مد خطوط الترام في القاهرة وبعدها بعام وقعت مع شركة بلجيكية لمد 8 خطوط للترام بالقاهرة بعد موافقة مجلس النظار “مجلس الوزراء”. وكانت محطة العتبة هي قاعدة انطلاق للخطوط الثمانية، الأول من العتبة إلى القلعة، والثاني العتبة بولاق، وتعددت الخطوط لربط كل ضواحي القاهرة.
في الأول من أغسطس عام 1896 كانت التجربة الأولى لتشغيل الترام بشوارع القاهرة، وحينها استقل حسين فخري وزير الأشغال بصحبة كبار موظفي الوزارة الترام الذي سار بهم وسط شوارع القاهرة وسط صيحات فرحة من قبل السكان وردد الصغار عند رؤية الترام يسير “عفريت.. عفريت”. وفي الثاني عشر من الشهر نفسه كانت بداية تشغيل الترام وسط شوارع القاهرة ليخلق حياة اجتماعية جديدة بين سكان العاصمة.
وخرجت صحف يوم 13 أغسطس من العام نفسه بأخبار عن تشغيل الترام. وقالت إن العاصمة شهدت مشهداً قلما شهده أهل المشرق فهو لم يخطر على بال بشر من مائة عام أن تجري مركبات كبيرة بها مئات الركاب تسير بقوة. وتفاعل سكان العاصمة المصرية مع الترام في نهاية القرن التاسع عشر بوصفه وسيلة مواصلات رخيصة فسعر التذكرة في ذلك الوقت لم تكن تزيد على أربعة مليمات والدرجة الممتازة 6 مليمات وعرفت القاهرة السهر والخروج والتنزه فهو كان يعمل من السادسة صباحاً حتى الواحدة من صباح اليوم التالي.
وبحسب وصف صاحب الدراسة، فإن مدينة القاهرة أنهت عصر البداوة ودخلت في عصر الحضارة بفضل خدمة الترام والتجول في شوارع القاهرة في زمن وجيز حيث عرف السكان التسوق والتجول واستنشاق الهواء في الحدائق العامة. وكان الترام سبباً في دخول الكهرباء إلى شوارع القاهرة التي أضاءت شوارع العاصمة في عام 1898 وبعدها بعام بدأت الشركة في توصيل الكهرباء إلى المنازل.
وفي عام 1905 بدأت الشركة الراعية للترام في التخطيط لإنشاء حي مصر الجديدة وربطه بخط ترام. وإن كان للترام آثار سلبية بسبب عدم احترام الرجال للمرأة إبان خروجها ومطاردتها بالغزل ونشوء علاقات في عربات الترام كانت هناك آثار تجارية تتمثل في ارتفاع أسعار الأراضي خصوصاً في حي شبرا وانتشرت الإعلانات التجارية في الصحف. بالإضافة إلى ولادة حس وطني، إذ لم يكن الشعب ليخرج يوم تقلد السلطان حسين كامل الحكم في عام 1897 ليشهد الاحتفال لولا الترام الذي سهل مهمة الانتقال للاحتفال بتقلد السلطان الحكم.
حركة ثقافية
إن كان الترام أسهم في سلوكيات اجتماعية فإن حرية التنقل كان لها دور في الحركة الثقافية حيث كثرت الجمعيات الأدبية والعلمية، قبل نهاية القرن التاسع عشر بعام واحد أُسست الجمعية الطبية المصرية ثم جمعية مكارم الأخلاق، وخلال 12 عاماً من سير الترام بالقاهرة أُسست أكثر من 20 جمعية أدبية وعلمية وثقافية بخلاف افتتاح العشرات من المدارس واستغل صاحب إحدى المدارس الترام وزينه بالورد وعليه لافتة تحمل اسم المدرسة. وكان الترام مقدم خير على المرأة المصرية التي صار من حقها الخروج من دون زوجها وصعود الترام، وفي عام 1899 كان كتاب قاسم أمين “تحرير المرأة”. وكان أيضاً للترام أثر في الحياة الفكرية فقد بدأت الجامعات وخصوصاً جامعة الأزهر إضافة عدد من العلوم الحديثة.
وقبل ظهور الترام لم يكن للشعب المصري يعرف الكهرباء وبدأ سكان القاهرة يجمعون المعلومات عن الكهرباء بعد الترام الذي كان يشغل بالكهرباء. والترام والكهرباء كان لهما تأثير بالغ على الحركة الثقافية فقد انتشرت المدارس وساعدت حرية التنقل على افتتاح العديد من المدارس ودخلت مصر عالم المدنية.
وفي عام 1897 قُـدمت رسالة علمية عن الترام قدمها حسن توفيق الدجوي بعنوان الرسالة العلمية في الترامون الكهربائية ثم كانت ولادة جامعة القاهرة.
وساهم الترام في إثراء الحركة العمالية ومع وجود تقارب بينهم وحد كلمتهم في أواخر عام 1896 أضرب ألف عامل في مصانع السجائر وطالبوا بنقابة تحمي حقوقهم. وفي العام نفسه أُسست نقابة عمالية لعمال المطابع. وكانت الاعتصامات النقابية التي كان الترام سبباً في نقل العمال إلى أماكن الاعتصام والإضراب.
وفي عام 1908 كانت المواجهة الساخنة بين عمال الترام والشركة المالكة، وأرادت الشركة تشغيل الترام من دون الاستجابة لمطالب العمال الذين استطاعوا شل حركة سير الترام بالقاهرة. وكانت المواجهة التي دخلت الشرطة طرفاً فيها. وانتهت بإصابات للطرفين قدرت بـ27 شخصاً. وكان للترام أيضاً دور في ثراء الحركة الوطنية وتجمع العشرات من طلاب مصر عندما قررت الحكومة رفع رسوم المدارس إلى 15 جنيهاً. بل كان طلاب المدارس ينشدون الشعر الوطني أثناء ركوبهم الترام.

أثر بعد عين

اليوم اختفى ترام القاهرة ولم يعد له سوى خط واحد يعمل في ضاحية المطرية، حيث رفعت كل خطوطه من وسط القاهرة بعد أن باتت الحكومة تعتمد على وسائل المواصلات السريعة لتتماشى مع ثقافة القرن الحادي والعشرين، وما زال الترام يمر في شوارع الإسكندرية ولكنه أيضاً صار من آثار القرنين التاسع عشر والعشرين.

اقرأ أيضا