الاتحاد

الملحق الثقافي

أسئلة جريئة واسترجاعات حميمة

يصف البعض الفيلم التسجيلي بأنه «ضمير السينما»، وهو وصف يشير وبقوة إلى أهمية الأفلام التسجيلية في توثيق الهموم والتفاصيل الذاتية والعامة التي تدخل في نطاق المغيب والمسكوت عنه، كما أن هذه الأفلام ومن جهة أخرى تنبش في قضايا يغلب عليها طابع التستر والإضمار والخوف، وبالتالي فإن صناع هذا النوع من الأعمال غالبا ما يقعون في إشكالات وصراعات كبيرة وشرسة عند كشفهم للحقائق المطمورة، وكذلك عند تعاملهم مع الجهات والأفراد الذين لا يريدون التورط في مساءلات وملاحقات مرهقة ، وتطمح الأفلام التسجيلية أيضا إلى إثارة الأسئلة ولفت الانتباه أكثر من رغبتها في وضع حلول ناجزة ونهائية، ولعل في هذا الضرب من التحقيقات البصرية المقلقة يكمن ما نستطيع أن نطلق عليه «قيمة الفن»، لأن الخطابات الجاهزة والمباشرة لا يمكن لها تفتح الآفاق الإبداعية والأسلوبية للفيلم التسجيلي وحتى لأي فن آخر.


إبراهيم الملا
والمتابع للتجربة السينمائية في الإمارات يلاحظ قلة الأعمال التسجيلية مقارنة بالأعمال الروائية، والسبب في ذلك قد يعود إلى صعوبة وخصوصية إنتاج مثل هذه الأعمال والتي تتطلب بحثا مطولا وإعدادا دقيقا قبل الشروع في عمليات التصوير، بالإضافة إلى أن الفيلم التسجيلي يستلزم التعامل الحقيقي مع الحدث، ومع المفاجآت الطارئة التي يمكن أن تقع في أية لحظة أثناء التصوير، كما أن الاشتباك مع مواضيع جريئة وحساسة غالبا ما يخلق حواجز ذاتية مسبقة تدفع صانع الفيلم إلى التريث والتأجيل، وأحيانا إلى إلغاء المشروع ككل.
الدورة الحالية لمهرجان الشرق الأوسط ومن خلال مسابقة أفلام من الإمارات عرضت فيلمين تسجيليين محليين هما «حقنا في الفروسية» للمخرجة حنان عبدالله المهيري و»الجزيرة الحمراء في عيون السينمائيين» للمخرجين أحمد زين وأحمد عرشي، وهنا عرض لهذين الفيلمين.
نساء يمتطين المجهول
يفتتح فيلم «حقنا في الفروسية» للمخرجة الإماراتية الشابة حنان المهيري لقطاته التأسيسية على مشهد ضبابي لثلاث نساء متشحات بالسواد وهن يمتطين خيولهن، ومحاطات برغبة جامحة في إثبات الذات والقدرة على التعامل مع هذه النوعية من الرياضات التي ظلت لفترة طويلة حكرا على الرجال وحدهم.
ويشرع الفيلم بعد هذا التمهيد البصري في توزيع لقطات منتقاة لفتيات إماراتيات وهن يمارسن هذه الرياضة الجديدة في إسطبلات ومراكز التدريب، وإجراء لقاءات مع المتدربات، وهي اللقاءات التي أفصحت عن تحديات ذاتية ومجابهات قوية مع الظروف والتقاليد الاجتماعية المحيطة من أجل التمسك بهذه الهواية وتطويرها، والأكثر من ذلك استطاع الفيلم الدخول في تفاصيل إنشاء أول فريق نسائي مستقل للفروسية باسم : « عربيانا» المشتق من عبارة عربي أنا، وهو الفريق النسوي الطموح الذي لقي دعما من المسؤولين والمهتمين مثل معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وسمو الشيخ طالب بن صقر القاسمي والشيخة مدية بنت حشر المكتوم وصاحبة السمو الملكي الأميرة هيا بنت الحسين ، وشرحت الشخصيات المستضافة القيمة الاجتماعية الهامة لهذه النوعية من الرياضات ودورها في إخراج المرأة الإماراتية من النطاق الضيق الذي حشرت فيه لفترة طويلة وقيمتها المضاعفة أيضا في تغيير النظرة إلى رياضة ركوب الخيل، كونها رياضة اجتماعية وعامة لا يمكن حصرها لفئة أو جنس معين.
ويتحدث الفيلم وبجرأة أيضا عن الفتيات اللاتي لم يستطعن الدخول أو الالتحاق بمجال الفروسية رغم حماسهن وتعلقهن الشديد بهذه الرياضة، وذلك لأسباب تتعلق بخطورة رياضة الخيل وتسببها في فقدان الفتاة لعذريتها، وهي الأسباب التي نفى الأطباء الذين استضافهم الفيلم حدوثها، لأنها مجرد إشاعات رائجة ومتداولة وغير مثبته طبيا وعلميا.
امتاز فيلم حقنا في الفروسية ــ وإن عابه التطويل بعض الشيء ــ بالنقلات الرشيقة بين المواضيع التي طرحها وذلك لكسر الرتابة عند تناول محور محدد، كما استطاع أن ينوع في مشاهده التي توزعت بين اللقاءات والمشاهد المفتوحة والبانورامية للفتيات المرتبطات بهذه الرياضة وفي مواقع وبيئات مختلفة شملت البحر والصحراء واسطبلات التدريب، وتعرف الفيلم أيضا على آراء المواطنين ومدى تقبلهم لممارسة الفتاة لرياضة ركوب الخيل.
ونقل الفيلم من خلال لقطاته المقربة والعامة تجاذبات العلاقة الحميمة التي تجمع المرأة بالخيل وبالجمال الثري لهذه الكائنات النبيلة التي يمكن للفتاة الإماراتية أن تروضها وأن تمتطيها بقليل من الصبر والشفافية والثقة التي يجب يمنحها المجتمع لهذه الفتاة، بكل ما تملكه من عشق وارتباط شخصي برياضة أصيلة ومتصلة بجذورها البعيدة في ثقافة المكان.
ذاكرة ضد الهدم
تمثل الجزيرة الحمراء بالنسبة للسينمائيين الإماراتيين منطقة حميمية، وموقعا مثاليا للتعبير عن الأجواء التراثية القديمة التي انقرضت في معظم مناطق الدولة، فهذه المنطقة التي هجرها سكانها في أواخر السبعينات ظلت محافظة على الطابع العمراني وتفاصيل البناء المميزة لتلك الفترة وما قبلها.
ولكن الإشاعات والأخبار التي انتشرت مؤخرا حول هدم هذه المنطقة وتحويلها إلى منتجعات استثمارية دفع بالمخرجين أحمد عرشي وأحمد زين إلى ملاحقة أثر هذه الأخبار لدى السينمائيين الإماراتيين وردات فعلهم تجاه المصير المعتم لآخر المعاقل التصويرية الطبيعية في الإمارات.
فمن خلال استطلاع ومجابهة آراء مجموعة من المخرجين المحليين الناشطين في الساحة السينمائية كوليد الشحي ونواف الجناحي وعبدالله حسن وسعيد سالمين وفاضل المهيري وهاني الشيباني وغيرهم، استطاع الفيلم أن ينقل نبض هذا التوجس الكبير من السينمائيين من هدم الذاكرة الجمالية للمكان، ودعوتهم المشتركة إلى ضرورة ترميم المنطقة والحفاظ علي الجزيرة الحمراء كمعلم تراثي وتاريخي وحضاري لأنه أشبه ما يكون بالمتحف الكبير المفتوح على الهواء، والذي يمنح فرصة بصرية نادرة لكل الراغبين في التعرف على طرز البناء القديمة وعلى تفاصيل العيش في تلك الأزمنة البعيدة الآيلة للتلاشي والانقراض، وتحدث السينمائيون الذين خاضوا تجارب إخراجية عديدة في هذا المكان عن الكرم البصري والروحي الذين منحهم إياه هذا المكان بالذات، وفكرة محوه من الوجود لا يمكن تحقيقها لمجرد هاجس استثماري ونفعي مؤقت، ولأن الجزيرة وبكل هذه الخصوصية التي تحملها تمثل ثروة قومية وثقافية ومعمارية لا يمكن التفريط بها ــ كما صرح بذلك المخرجون أنفسهم ــ .
ورغم أهميته التوثيقية ونبشه في ذاكرة الأفلام المحلية، عاب على الفيلم عدم التواصل مع المسؤولين في البلديات والهيئات الرسمية لاستطلاع الرأي الآخر، ونقل صوت هؤلاء المخرجين الغيورين على المكان إلى المسؤولين في هذه الهيئات، وعاب على الفيلم أيضا حياديته واقتصاره على اللقاءات المباشرة والاستناد فقط على بعض اللقطات الأرشيفية لأفلام المخرجين المنفذة في الجزيرة، بينما كان من الأجدى والأجمل تجول وترحال كاميرا الفيلم وسط تفاصيل ودهاليز وممرات ومباني الجزيرة، ونقل صرخة الجدران والحنين الطافح والمختزن في تلك البيوت المهددة والمشرفة على الزوال الأبدي.

اقرأ أيضا