الاتحاد

دنيا

رأي.. ولكن

قال جان جاك روسو: «قبل أن أتزوج كان عندي ست نظريات في تربية الأطفال، أما الآن فعندي ستة أطفال وليست معي لهم نظريات».
لم يكن جون جاك روسو يعيش عهد الأكلات السريعة، ولا عهد الإنترنت والمعلومة السهلة المتاحة، ولا في عهد الألعاب الالكترونية، وغيرها من المغريات التي تضع الأهل في خانة غير المتفهمين، وتصنف أراؤهم ضمن خانة أفكار الآباء الكلاسيكية، مهما حاولوا هم التأقلم مع عصر أولادهم، والركض وراءهم لانتزاع الرضا من عيونهم.
قوة كلمات مقولة جون جاك روسو، تلخص معانات الآباء اليوم مع أولادهم، وتجعل المشهد الذي كان البعض يلمسه بيديه ضبابياً، وذابت معاني كل النظريات التي نقرأها في الكتب عن تربية الأطفال ونخطط لها مستقبلاً، وأصبحت تربيتهم مشقة كبيرة تحت المؤثرات الخارجية.
فقبل أن يرزق أي فرد بالأولاد، يخطط وينظِّر وينتقد تربية الآخرين لأبنائهم، ويلقي بجمرات اللوم وحممه على كل من يدلل أولاده، أو يقصر في تربيتهم بعدم اهتمامه، ويشتم في دواخله أشخاصاً أحرجهم أحد صغارهم بالبكاء الشديد داخل أحد المراكز والتمرغ على أرضيته، راغباً في لعبة ما، ويستفزه من يترك العنان لأبنائه لتناول الأكلات الجاهزة، بل يجلب لهم السريع منها ويبسطها بين أيديهم ويجعلها بديلاً للغذاء الصحي، وتثير حفيظته كل أم تراضي ابنتها، وتفسح لها مسحة واسعة من الحرية بمجرد بزوغ فجر أنوثتها، ويقهره من يترك مراهقيه يقفون على نواصي الشوارع ومخالطة الأصحاب.. ويجد دائماً البديل وينصح بتربية الأطفال التربية الصحيحة، بنهج كثير من الحزم والصرامة وعدم التسامح عند تجاوز الخطوط الحمراء، لأنَّ الدلال والغنج يخلقان أجيالا هشة غير قادرة على تحمل المسؤولية، والشدائد تخلق الرجال وتقوي العزائم وتنتج القادة العظماء، باتباع طرق التعليم المبكر والاستعانة ببرامج تصقل مهارات الطفل وتشغل وقته بالرياضة، ومده بأوكسجين الحياة كالعلم والمعرفة والتربية الذهنية والبدنية ضمن منظومة متكاملة، لينتظر كل أب حصاداً زرع له سلفاً، فيقف مستقبلا مزهواً بابنه الذي يثبت رجليه صادّاً أمواج الحياة العاتية.
وفي مواجهة الواقع تذوب أغلب هذه المعاني، ولا تبقى إلا المعاناة تحت إلحاح متطلبات الأطفال النفسية، وتوجهاتهم المواكبة لعصرهم، وكل جيل لابد أن يقول كلمته، وينصهر في حمم المطروح، أمام دخول الآباء في صراع نفسي بين ما يمكن تطبيقه مما تلقوه تنظيرياً وأكاديمياً، وبين واقع يفرضه الطفل أو المراهق قسراً على أهله، وكل يدرك أنها تفوق المتخيل والتنظير، وكل لا ينام جفنه خوفاً من انفلاتات تؤثر مدى الحياة على أولاده، وكل تظل مشاعره الأبوية وعاطفته تتأرجح بين ما يحكمه من دراسات أكاديمية وما يتحكم فيه من واقع مطروح.
فإذا كانت العاطفة قد غلبت جان جاك روسو فما عسانا فاعلين نحن أمام تقلبات أطفالنا الثائرة.


lakbira.tounsi@admedia.ae

اقرأ أيضا